سافروا..!
يروي صديقي أن له ابنا كان يصر على حضور احتفالات العيد في ملعب «الملز» قبل أعوام، ولم يكن صديقي يحبذ هذه الفكرة بسبب ما يلتصق بظهره من قشور «الفصفص» المتطاير من أفواه من يجلسون في الخلف، بخلاف أزمات المواقف وما قد يعتري سيارته الصغيرة من «تغييرات» و «تعديلات» في الرفارف والأبواب بسبب احتكاك سيارات أخرى من نوع «أنا ومن بعدي الطوفان» بها، ولكنه كان يجامل إرضاءً لابنه آنذاك!
كبر الولد.. وصار الطلب في العيد مختلفاً. أصبح ولد الأمس مراهق اليوم.. وفوجئ الأب بنغمة جديدة من طلبات الولد وإخوته الخاضعين لرهبة صوته وربما خوفاً من بعض حب الشباب المتناثر حول أنفه. اليوم تبدلت كلمة «بابا» بـ «يبه».. ويأتي الطلب في أواخر رمضان كالتالي:
الولد: يبه.. الصراحة ودنا نسافر في العيد!
الأب: على وين إن شاء الله؟
الولد: أي مكان... حتى لو دول الخليج؟
الأب: والمهرجانات.. والمسرحيات.. نخلي هالأشياء لمين؟
الولد: يا يبه ودنا نغير؟ خلاص.. نبي سينما.. عروض شخصيات عالمية.. شغلات زي كذا يعني!
الأب: هذا مهوب سبب وجيه! كثير من هاللي تقله موجود هنا!
الولد: اسمحلي يبه! كل اللي كانوا في مسلسلات رمضان هم نفسهم اللي في حفلات العيد.. حنّا نبي نغير!!
واستمر الجدل البيزنطي ساعة كاملة، بحسب رواية الأب، إلى أن تدخلت الأم وأقنعته بأهمية أن يشاهد الأولاد كيف يحتفل أقرانهم والآخرون! وسواء أكانت الأم جادة في فلسفة الذريعة أم أنها أيدت السفر لـ (غرض في «مول» زعبوب)، إلا أن الأب وافق على مضض. وسافر الجميع بالسيارة إلى إحدى دول الجوار. واتصل بي الصديق وأخبرني أن التجربة أثبتت نجاحها في اليوم الأول، فالأولاد ينتظمون في الدور، ولا يوجد قشور «فصفص» بل يتلذذ الجميع تقريباً بالتهام «الفشار» والذرة المسلوقة، وأن الشوارع تنبئ عن وجود عيد، وأن الناس منصهرة «سلمياً» في الاستمتاع بما يحفظ لكل ذي حق حقه! بل أنه يتوقع للتجربة مزيدا من النجاحات في الأيام المقبلة.
فعلها صديقي وأسرته وسافروا كما سافر كثيرون، بالسيارات طبعاً لأن مطاراتنا وطائراتنا تشتكي من آلامها الموسمية، إضافة لما أسهمت به تمديدات الإجازة، ووجد الرجل أن هناك اختلافاً لم يعرف سببه! ولم أشأ أن أفلسف السبب له، فهو موظف بنك مهموم بالأرقام طوال السنة، ولكن حتماً لدى البعض منكم ما يفسر سبب كسر تجربة صديقي لتراجيديا أغنية عبادي الجوهر الشهيرة (سافروا ولا ودعوا... سيّبوني وراحوا)، حيث سافر الرجل.. ولكنه ودع .. لا بل شاركنا في بهجته التي لها ما يبررها!
فما السبب يا ترى؟
للحديث بقية.