عائض القرني ومحمد عبده وبينهما الالتزام
أعتذر للقراء مرة أخرى لأنني سأبتعد في هذا المقال عن عالم المال والأعمال وسأتحدث عن القصيدة الرائعة (لا اله إلا الله) للدكتور عائض القرني، والتي غناها محمد عبده. أقول غناها وليس أنشدها، لأنني لا أعرف ما هو الفرق بين الغناء والإنشاد. بالطبع ليست القصيدة بشيء في مدح كلمة "لا اله إلا الله" فلقد مدحها الله جل في علاه، وقلنا "الله .... الله" مع تلاوة الشيخ عبد الباسط في سورة الرحمن والعلق ولو سمعت الحصري وهو يتلو سورة يوسف لقلت إنه أوتي مزمارا من مزامير آل دود (بالطبع لم أسمع تلك المزامير لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - امتدح صوت أحد الصحابة بذلك وهو يتلو القرآن). فما الذي شدني في القصيدة وفي ذلك الغناء؟ لقد جعلنا عائض القرني ببلاغته ومحمد عبده بصوته أن نردد "لا اله إلا الله"، وأنا أرددها قلت "لا اله إلا الله"، ما الذي جمع النقيضين؟ نعم النقيضين.
عرفت الدكتور عائض القرني عندما انتقلت من الصف الثالث متوسط إلى الثانوية ومنحت بذلك "بعض" الحرية في التنقل داخل مدينة أبها. في ذلك الوقت كان الشيخ عائض يقدم محاضرة أسبوعية ضمن عدد آخر من المشايخ، ولكل واحد منهم يوم معلوم. في تلك الفترة سمعت عن مفهوم "الالتزام" وكنت أتلقى دعوات لأصبح من الملتزمين. وفي تلك الفترة أيضا عرفت محمد عبده ولم أتوقف عن حضور محاضرات الشيخ عائض ولم يصنفني أحد بأني ملتزم. وبرغم قوة إقناع الشيخ وخطابته الهائلة إلا أنني لم أقتنع يوما بتصنيف المجتمع (بخلاف التقسيم الشرعي المنزل في القرآن) وفقا لمفهوم غامض جدا للالتزام. مفهوم لم أعرف منه إلا ترك سماع الأغاني وتقصير الثوب وإطاله اللحية لأحصل فورا على لقب ملتزم وأنتقل إلى مجتمع جديد ومصاف متقدمة في محاضرة الشيخ. القضية أنني لم أستطع فهم معنى الالتزام كقفزة من مجتمع إلى مجتمع. لم أفهم كيف سأصبح ملتزما بلا أخطاء وعودة ودعوة لقبول التوبة، لم أفهم كيف لا أخطئ، وإن أخطأت كيف سأصنف نفسي؟ لم أستطع تصور كيف سأقفز الهوة (التي صورت لي بين الفئتين) لأصبح مع الملتزمين تاركا مجتمع غير الملتزمين ومنهم بالطبع (وفقا لذلك التصنيف) أبي وإخوتي، وكيف أعيش معهم بعد ذاك. ولأني لم أستطع بقيت مصنفا "غير ملتزم"، و بقيت أستمع إلى محاضرات الشيخ وقرأت السيرة النبوية وصحيح مسلم والعقد الفريد وديوان المتنبي وسهرت مع كتاب "فقط" للمرحوم - بإذن الله - عبد الله الجفري وضحكت مع أنيس منصور. لم أشعر يوما بالتناقض، لم أشعر يوما أنني في صراع ولم أترك صلاتي مع الجماعة ما استطعت. ومع ذلك بقي السؤال محيرا عندي: متى ألتزم؟ اكتشفت فيما بعد أن هذا السؤال لم يحيرني فقط بل حيّر معي الكثير من أبناء جيلي خاصة مع ظهور مفهوم "الانتكاسة" وهو مفهوم لم يقل تعقيدا عن صاحبه.
بعد ذلك بسنوات فهمت أن الالتزام ليس تصنيفا فكلنا - أمة محمد الموعودون بنصف أهل الجنة - ملتزمون، كلنا على طريق الصراط المستقيم، وأننا لا بد أن نتبع سبيل الهدى الذي جاء به محمد - صلى لله عليه وسلم - وأنه هو المثال المحتذى وليس غيره. وفهمت واقتنعت أنه لا يحق لأحد مهما علا شأنه أن يصنفنا كيف يشاء. عرفت بعدها أن الالتزام ليس قفزة بل مسار، ونحن كلنا وبلا استثناء - طالما نردد لا اله إلا الله - على هذا المسار. لكننا نتفاوت في تقدمنا عليه بقدر ما نلتزم بالمحجة البيضاء التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم. عرفت أن التزام الشيخ عائض قد لا يكون أكثر من التزام طالب الثانوية - وعلم ذلك عند الله - فهذا قد يحسن الالتزام في أشياء وذاك أيضا وكلاهما له قصوره. لا تمجيد لأحد، كلنا على المسار نفسه، كلنا ملتزمون. قد يأتي أحدهم ويشرب الخمر لكنه يعطف على حيوان منقطع في صحراء فيغفر له الله. وقد يأتي عابد منقطع يتتبع خطوات الشيطان حتى يكفر. كلنا قد نخطئ ونتأخر في المسار ولكننا بقدر ما نتوب ونستغفر ونعزم ألا نعود بقدر ما نتقدم بسرعة على مسار الهدى حتى نقترب من المثال المحتذى - صلى الله عليه وسلم - ودون ذلك صعاب وقبض للجمر. وبقدر سعينا واقترابنا وما ننجز في الدنيا بقدر إنجازنا على الصراط في الآخرة (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
مرّت هذه الخواطر بي وأنا أستمع لرائعة الدكتور عائض القرني ومحمد عبده وبها قلت نعم "لا اله إلا الله" كلنا نرددها ولا فرق بيننا. لا توجد فئة ملتزمين وفئة غير الملتزمين - تلك أسماء سميتموها ما أنزل الله بها من سلطان. محمد عبده من أمة محمد كما العفاسي، وكلاهما غنى بكل حماس ومن كل أحاسيسه وقال "لا اله إلا الله". قد يفضل أحدهما الآخر عند الله ولكننا لا نعرف من هو ولا يحق لنا ادعاء.