بطالة الأطباء

تشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في عام 1427 هـ إلى وجود نحو 46 ألف طبيب في المملكة. ويشكل الأطباء السعوديون في العام نفسه نحو 21 في المائة من إجمالي عدد الأطباء في المملكة، أو طبيب سعودي لكل 2500 نسمة. وتنخفض نسبة الأطباء السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى 4.5 في المائة من إجمالي عدد الأطباء العاملين، بينما تبلغ نسبتهم في مستشفيات وزارة الصحة 19.3 في المائة من إجمالي عدد الأطباء. وترتفع هذه النسبة في مستشفيات الجهات الحكومية الأخرى إلى 46.5 في المائة، وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى وجود مزايا عمل أفضل في هذه المستشفيات.
واتصفت مخرجات جامعاتنا من الأطباء بالندرة خلال الأعوام الماضية، حيث تخرجت في جامعاتنا أعداد محدودة من الأطباء، وتسعى كليات الطب في جامعاتنا إلى تأهيل خريجيها وتزويدهم بحد معقول من التأهيل، والمأمول أن تكون مهارات خريجي جامعاتنا أفضل من مهارات عدد كبير من الأطباء المستقدمين. فنسب أساتذة الطب إلى الطلبة في جامعاتنا أفضل بكثير من نسبهم في معظم الدول التي نستقدم منها أطباء، كما توجد في جامعاتنا مرافق وأجهزة وإمكانات طبية أفضل من الدول التي تزود المملكة بالمتعاقدين. ومن المتوقع أن يحصل كل طبيب متخرج في جامعاتنا على عمل، فالعجز كبير في عدد الأطباء العاملين في المملكة, كما أن نسبة الأجانب بينهم مرتفعة. ومع كل هذا ترد قصص يندى لها الجبين في مجال توظيف الأطباء السعوديين، فهناك حالات عن أطباء وطبيبات سعوديين عاطلين عن العمل لفترات زمنية قد تتجاوز العام. حتى لو كان عدد العاطلين من الأطباء قليلا فإن هذا يوجب الاهتمام والمعالجة، حتى لا تستفحل هذه الظاهرة وتزداد مع ازدياد عدد الأطباء السعوديين. لقد أصيب عدد من خريجي الطب بخيبة أمل كبيرة بل ذرف بعضهم الدموع على حالة البطالة التي يعانونها بعد أن أمضوا سنين طويلة وشاقة في الدراسة والتأهيل لهذه المهنة.
إن بطالة الكفاءات الوطنية, خصوصاً الأطباء, خسارة كبيرة للاقتصاد الوطني الذي أنفق مبالغ طائلة لتأهيل الأطباء، وخسارة للسكان الذين هم في أمس الحاجة إلى خدماتهم، وخسارة وإحباط كبير للأطباء أنفسهم الذين بذلوا تضحيات كبيرة وعملوا بجد وتحملوا مشاق الدراسة والتأهيل الطبي المرهق رغبةً في النجاح وأملاً في توفير معيشة جيدة لأنفسهم وعائلاتهم. ولا يقتصر إحباط التوظيف على خريجي جامعاتنا, فهناك حالات لعدد من المتميزين الذين أتموا دراساتهم وتخصصاتهم الدقيقة حيث جابهوا أثناء البحث عن وظيفة تناسب مؤهلاتهم عقبات صورية غير معقولة. ومن المهازل التي تحدث في مجالات توظيف الأطباء المتميزين ما ذكره لي أحدهم أنه قد أتم للتو دراسات متخصصة في أحد المجالات الدقيقة من الجامعات الكندية، واجتاز البورد الكندي وعُرض عليه العمل هناك لكنه طبعاً رفض لأنه يود أن يعمل ويخدم بلده, وعندما عاد باحثاً عن عمل ليوظف مهاراته في أحد المستشفيات الكبيرة الموجودة في مدينة الرياض، صعق من عدم توافر وظيفة مناسبة له في الرياض, فالمستشفيات الكبيرة ليست في حاجة إلى أطباء بمهارات متميزة فهي في غنى عنهم ولديها منهم ما يكفيها! وهذا ما صرح به بعض المسؤولين في عدد من المستشفيات الكبيرة في مدينة الرياض، بل إن أحد المسؤولين في المستشفيات الكبيرة في مدينة الرياض صرح بأنهم ليسوا في حاجة إلى طبيب استشاري في جراحة الأوعية الدقيقة, بل إلى طبيب إخصائي. لقد تعودنا ـ والحمد الله ـ على خفض مستويات الرعاية الصحية وصرنا نفضل الأقل تأهيلاً على الأكثر تأهيلاً. والأجوبة التي يصرح بها بعض المسؤولين عن التوظيف مجرد أعذار للتخلص من الكفاءات المتميزة التي يظن بعض العاملين أنها قد تنافسهم في مراكزهم.
فمن المسؤول عن حرمان هؤلاء من العمل في الوظائف الشاغرة التي تنتشر في طول البلاد وعرضها؟ ومن المسؤول عن حرمان المواطنين من مهارات هم في أشد الحاجة إليها؟ وتتوجه أصابع الاتهام إلى بيروقراطية المؤسسات الصحية العامة والخاصة, التي يأتي على رأسها وزارة الصحة، حيث تتحمل المسؤولية عن تأخير تعيين الأطباء السعوديين في المستشفيات الحكومية والخاصة. وتلعب عقود تشغيل بعض المستشفيات دوراً في تعطيل توظيف السعوديين وفي تعطيل تدريبهم. وتمكن أنظمة العمل التي تسمح باستقدام أطباء وكوادر طبية منخفضة المهارة، القطاع الخاص من دفع الفتات من العوائد التي يتحصل عليها للعمالة الصحية، ما يمنع بصورة فعلية توظيف العمالة الطبية السعودية في القطاع الخاص.
إن صعوبات التوظيف التي بدأ يجابهها الأطباء رغم فرص العمل الكبيرة، توضح أن تردي مستويات الإدارة الصحية الخاصة والحكومية من أبرز أسباب انخفاض مستويات الرعاية الصحية في المملكة، التي ينبغي أن يكون شغلها الشاغل البحث عن العمالة الطبية المتميزة, خصوصاً الوطنية, لا وضع العقبات أمامها. ويتسبب عدم القدرة على الإدارة الصحية السليمة بل جهل عديد منها بأساسيات الإدارة الصحية، في تردي الخدمات الصحية. ولهذا ليس من المستغرب أن تتزامن بطالة الأطباء مع عجز في الأطباء العاملين في المؤسسات الصحية. من جهة أخرى، أدى تفشي بعض أوجه الفساد في الأساليب الإدارية إلى تكون بطالة بين الأطباء (وغيرهم)، ومن أبرز مظاهر الفساد الإداري تفشي ظاهرة الواسطة أو المحسوبية في التوظيف. وتلعب الواسطة دوراً كبيراً في توظيف بعض المؤسسات الحكومية والخاصة أحياناً، حتى لو كانت هناك حاجة شديدة إلى العمالة لدى تلك المؤسسات. لقد شوهت الواسطة (المحسوبية) أسواق العمل وتسببت في ارتفاع مستويات البطالة حتى في صفوف العمالة عالية المهارة مثل الأطباء. لقد حان الوقت للتصدي وبقوة لظاهرة خلو الوظائف الحكومية من العمالة المحتاجة على الرغم من توافرها. ولن يتم هذا دون تبني وتطبيق الشفافية التامة بخصوص الوظائف الحكومية والخاصة ومعاقبة كل من يعوق المؤهلين للعمل فيها.
ويثير تزامن العجز الواضح في الكوادر الصحية الوطنية, خصوصاً الأطباء وحالات البطالة بينهم, عديدا من التساؤلات, التي من أبرزها، ما الذي يمنع تعيين الأطباء في المؤسسات الصحية حين تخرجهم؟ ولماذا لا تصدر قرارات التعيين حتى قبل التخرج؟ ولماذا لا تبحث الجهات التي ينقصها عمالة طبية بين طلبة الجامعات والمبتعثين قريبي التخرج بدلاً من التجول في أرجاء المعمورة وفي دول متخلفة طبياً بحثاً عن الأطباء والكفاءات الطبية؟ ولماذا لا تقوم الإدارات الحكومية المسؤولة عن تأهيل الكوادر الصحية كالجامعات أو المسؤولة عن ابتعاثهم الممثلة في وزارة التعليم العالي والملاحق التعليمية، بمهام توفير المعلومات والتوفيق بين رغبات المبتعثين في التوظيف والجهات التي تبحث عن كفاءات سعودية؟ إن على الجهات الحكومية والخاصة أيضاً أن تكون أكثر إيجابية في التعامل مع إشكاليات توظيف السعوديين، حيث تنقص الخريجين والمواطنين بشكل عام المعلومة عن مكان الوظيفة المناسبة وأسلوب وإمكانية الحصول عليها، بل الأدهى والأمر قيام بعض الإدارات والجهات التي لديها فرص عمل بالتكتم على هذه الفرص ووضع العراقيل أمام المؤهلين للاستفادة منها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي