العالم يبحث عن إنجاب المزيد من الأطفال (2 من 2)
الظاهرة الجديدة التي تعانيها المجتمعات السكانية في العالم أجمع، وبصفة خاصة أوروبا والتي تؤدي إلى تعميق النتائج السلبية الناجمة عن ضعف معدلات الخصوبة هي ارتفاع معدلات الشيخوخة، والتي تعود إلى ميل متوسط العمر للسكان نحو الارتفاع والناجمة عن أسباب عديدة أهمها ارتفاع مستوى الرعاية الصحية والقضاء على عدد كبير من الأمراض والأوبئة المتوطنة وتحسن مستويات التغذية وتحسن العادات المعيشية والاجتماعية للسكان. ويؤدي ارتفاع معدلات الشيخوخة إلى تزايد الأعباء الملقاة على عاتق السكان في سن العمل وذلك عندما يبدأ كبار السن في دخول سن التقاعد وتحولهم إلى قوة بشرية غير منتجة ومستهلكة بشكل صاف. ولكن ما هو مضمون ذلك؟ إن ذلك يعني ببساطة أنه في الأجل الطويل ومع كل زيادة تحدث في معدلات الشيخوخة لا بد أن تقابلها زيادة في معدلات الخصوبة لكي تكون لدينا قوة العمل الكافية لإعالة جميع السكان ممن هم في سن العمل أو خارج سن العمل. فإذا لم يحدث ذلك فإن النتيجة الحتمية هي تراجع معدلات النمو وارتفاع معدلات الاستهلاك وتراجع مستويات الرفاهية وتزايد الضغوط على الموارد.
لقد توصلت دراسة للمكتب القومي للبحوث الاقتصادية NBER في الولايات المتحدة إلى أنه في الأجل القصير يؤدي انخفاض معدلات الخصوبة إلى زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل من خلال تخفيض تكاليف إعالة الأطفال بالنسبة للأسر، وزيادة النصيب الذي يحصل عليه العاملون من الدخل داخل الأسرة الصغيرة. ولكن في الأجل الطويل عندما يدخل الأفراد سن التقاعد، فإن الأعداد الجاهزة من السكان للإحلال محل المتقاعدين ستأخذ في التراجع نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة، ومن ثم فإن المكاسب التي حصلت عليها دول أوروبا في المراحل الأولى لعمليات تخفيض معدلات الخصوبة، ستنعكس بصورة كبيرة لاحقا في شكل ارتفاع عبء الإعالة (نصيب الفرد في سن العمل من الأفراد خارج سن العمل) على الأفراد الناشطين اقتصاديا نتيجة ارتفاع معدلات الشيخوخة.
من الحسابات المثيرة التي توصلت إليها الدراسة هي أنه إذا كان توقع الحياة (عند الولادة) هو 80 عاما، فإن نسبة السكان في سن العمل ستنخفض من 70 في المائة اليوم إلى ما بين 50 إلى 55 في المائة في الأجل الطويل، وهو ما يعني انخفاضا في أعداد السكان الناشطين اقتصاديا لكل نسمة من السكان بنحو 25 في المائة، ومن ثم انخفاض مستويات الدخول التي يتم توليدها لكل نسمة من السكان، فكلما انخفضت أعداد السكان في سن العمل كلما انخفضت مستويات الناتج. وبالنسبة لفرنسا، حيث يصل توقع الحياة حاليا إلى 80 عاما، فإن معدل الخصوبة الذي يعظم نسبة السكان في سن العمل إلى إجمالي السكان هو 2.1، وذلك بفرض بدء الفرد للعمل عند سن 20 عاما وإحالته إلى التقاعد عند سن 60 عاما، أما إذا انخفض سن التقاعد للعامل إلى 55 عاما فإن معدل الخصوبة الأمثل لا بد أن يرتفع إلى 3.1. أما في حالة إطالة سن التقاعد للعامل إلى 70 عاما فان معدل الخصوبة الأمثل يمكن أن ينخفض إلى 2. المشكلة الأساسية التي تواجهها فرنسا هي أن معدل الخصوبة الكلي أقل من 2 حاليا، وهو ما سيعرضها لجميع الآثار السلبية لخفض معدلات الخصوبة لاحقا.
الدعوة إذن إلى خفض معدلات المواليد والسيطرة على مستويات الخصوبة للسكان ليست إذن صحيحة في الأجل الطويل، هذا ما تشير إليه التجربة الأوروبية. المثال الثاني من التجربة الصينية، حيث تتبنى الصين رسميا سياسة الطفل الواحد وتفرض عقوبات على الأسر التي تنجب أكثر من طفل وذلك في محاولة للسيطرة على النمو السكاني في ظل حجم سكاني يتجاوز 1.3 مليار نسمة. قد يبدو للقارئ أن هذا الرقم ضخم جدا، وهو بالفعل كذلك، وأنه ربما يبرر للسلطات الصينية اتباع سياسات الحد من النسل بصرامة للسيطرة على المخاطرة التي يمكن أن تصاحب هذا الحجم السكاني الهائل، ولكن سياسات الحد من النسل في الصين بدأت تنتج التهديدات التقليدية لمثل هذه السياسات على الاقتصاد الصيني.
سياسة الطفل الواحد تعني أنه في غضون جيل كامل من السكان يمكن أن تنخفض أعداد السكان بصورة كبيرة، ففي مقابل كل زوجين من السكان يتم إنجاب طفل واحد ليحل محلهما، وهو ما يعني تراجع أعداد السكان إلى النصف تقريبا. إذا كانت معدلات النمو الاقتصادي كبيرة، فإنه مع تراجع أعداد السكان تبدأ الضغوط على سوق العمل في الظهور وتأخذ الآثار السلبية لسياسات الحد من النسل في الظهور على السطح، بصفة خاصة مع تحول أعداد أكبر من السكان كبار السن إلى التقاعد، وهذا بالفعل ما يحدث في الصين حاليا. فقد أشارت صحيفة شنغهاي ديلي إلى أن مجلس تنظيم الأسرة والسكان في مدينة شنغهاي يقوم حالية بحملة دعائية لتشجيع الأسر المؤهلة في المدينة لأن تنجب طفلا ثانيا، بأن تقوم بذلك.
مدينة شنغهاي في حاجة حاليا إلى طفرة في أعداد الأطفال بسبب موجة القلق الناجمة عن تصاعد أعداد كبار السن إلى إجمالي السكان ورغبة المدينة في خفض معدل كبار السن، أي الشيوخ، إلى صغار السن ممن هم في سن العلم، وذلك حتى تتجنب شنغهاي المشكلات المحتملة الناجمة عن النقص في أعداد العمال في المستقبل، وذلك مع إحالة كبار السن نحو التقاعد. وحاليا تبلغ نسبة كبار السن إلى إجمالي حجم السكان في شنغهاي نحو 21.6 في المائة، وهي نسبة بالفعل مرتفعة وتعكس ارتفاعا واضحا في معدلات الإعالة في المدينة. المشكلة مرشحة للتزايد بصورة أكبر في المستقبل نتيجة الارتفاع المتواصل في توقع العمر للسكان عند الولادة، الأمر الذي سيؤدي إلى ضغوط على السكان في سن العمل، وكذلك على نظم الضمان الاجتماعي التي توفر مختلف جوانب الرعاية لهؤلاء الشيوخ. وقد بدأ المسؤولون في مجلس تنظيم الأسرة والسكان بعقد لقاءات مع الأسر في المدينة لشرح سياسة الطفل الثاني وشروطها وحث الأسر على الإقبال على إنجاب طفل آخر، كما قامت المدينة حديثا بإلغاء شرط أن يمر أربع سنوات بين إنجاب الطفل الأول والثاني، الأمر الذي أدى إلى زيادة في عمليات إنجاب الطفل الثاني.
التعديل في سياسات تنظيم الأسرة في الصين الذي تم في 2004 سمح لتسع مجموعات من الأسر في المدن و12 مجموعة من الأسر في القرى بأن تقوم بإنجاب طفل ثان. على سبيل المثال إذا كان الزوج والزوجة من أسرة ذات طفل واحد، وأصلهما من الريف فمن حقهما إنجاب طفل ثان. كذلك يسمح للأسر المطلقة في شنغهاي بإنجاب طفل ثان إذا كان أحد الزوجين له طفل واحد فقط من الزواج السابق، والثاني له طفل أو طفلان من الزواج السابق، أو كان كلا الزوجين له طفل واحد من زواج سابق، فمن حق الزوجين في هذه الحالات إنجاب طفل ثان. كذلك إذا كان رب الأسرة معوقا أو متقاعدا عن العمل، فمن حق الزوجين إنجاب طفل ثان... إلخ.
الغريب في الموضوع، كما يشير مجلس تنظيم الأسرة في شنغهاي، أن الأسر الصينية التي أصبح من حقها إنجاب طفل ثان ليس لديها رغبة في أن تقوم بذلك. ففي مسح تم على عينة من 3425 من صغار السن توصل المجلس إلى أن كل أسرة من فردين ترغب في إنجاب ما متوسطه 1.6 فردا، أي 16 فردا لكل 20 فردا من أعضاء الأسر، وهو ما يقل عن معدل الإحلال اللازم للإبقاء على حجم السكان كما هو حاليا في المدى الطويل. أحد التفسيرات المقدمة لهذا السلوك هو أن أعضاء الأسر المنحدرة من أسرة ذات طفل واحد غالبا ما تفضل بشكل عام هذا النمط من الأسر. وتمثل الأسر ذات الطفل الواحد نحو 79 في المائة من سكان شنغهاي البالغ عددهم 19 مليون نسمة.
سياسات الحد من النسل التي تبناها العالم في القرن الماضي بات من الواضح أنها تحمل مخاطر جمة له، وأنها أصبحت تهدد آفاق النمو الاقتصادي للعالم على المدى الطويل وتهدد الاستغلال الأمثل لموارده، وأن ما أشيع سابقا عن المخاطر الكارثية للقنبلة السكانية التي تهدد الحياة على كوكب الأرض والشروط البيئية عليه ما هي إلا خرافة، حيث استطاع العالم بالتقدم التقني في جميع مناحي الحياة أن يكسر قيود الموارد وأن يعظم كفاءة استغلالها، حيث باتت الأرض قادرة حاليا على توفير احتياجات أعداد أكبر من السكان، وأن العالم يلهث حاليا وراء إنجاب المزيد من الأطفال حتى يتجنب الآثار السلبية المدمرة في الأجل الطويل لسياسات الحد من النسل.