إعادة ترتيب أبراج الذهب
بضغطة زر واحدة، تُفتح الأبواب المزدوجة ويمكن الدخول إلى مكتب Lloyd Blankfein، المدير التنفيذي لبنك Goldman Sachs في وسط مانهاتن. وكانت مثل هذه المبتكرات الغريبة لتبدو رمزا مناسبا على قوة وول ستريت قبل عامين، ولكنها هذه الأيام تثير أفكار شريرة، مثل شخص شرير بدلا من بطل يتقن عقد الصفقات الضخمة. ويشاع أن أي مؤسسة لا تشبه Goldman ستبدو بصورة سيئة في الجزء الثاني من فيلم ''وول ستريت'' لأوليفر ستون، المقرر عرضه في دور السينما في الربيع المقبل.
ولا يزال خبراء الاقتصاد يناقشون الأسباب الحاسمة لانهيار Lehman Brothers، أكبر رابع شركة في وول ستريت، قبل عام في الـ 15 من أيلول (سبتمبر)، والفوضى التي تلت ذلك. إلا أن الشعب ومعظم السياسيين أخذوا قرارهم النهائي: يقع اللوم على المصرفيين الفاسدين وغير الأكفاء. ويقول رئيس أحد بنوك نيويورك: ''الأمر أشبه ببريطانيا قبل تاتشر.'' وفي جلسة استماع في شباط (فبراير)، خاطب أحد أعضاء الكونجرس رئيس JPMorgan Chase، جيمي ديمون، بلقب ''السيد ديمون {الشيطان}''. وبغض النظر فيما إذا كان هذا متعمدا أم لا، إلا أنه استحوذ على الاهتمام.
ولعل تبادل الشتائم هدأ بعض الشيء في الآونة الأخيرة، إلا أن وول ستريت ستبذل جهودا جبارة لاستعادة قدرتها على التباهي. وستدخل الإصلاحات التي اقترحتها إدارة أوباما، إذا تم إقرارها، مجموعة من العقوبات على الحجم الكبير والجرأة. كما أن المنظمين عازمون على قصقصة أجنحة التمويل، بل وينظرون في الحد من الصناعة المالية ''المنتفخة'' وتقليصها إلى حجم أكثر قبولا، وهو هدف يعكس مشاعر المصرفيين الذين يلومون أنفسهم. والأسبوع الماضي، انتقد الرأسمالي البارز، Blankfein، وول ستريت لأنها سمحت ''لنمو وتعقيد الأدوات الجديدة بتجاوز فائدتها الاقتصادية والاجتماعية''. وسيكون الحد من نفوذ وحرية البنوك في الإنفاق ببذخ على التجار المعروفين أولوية في قمة مجموعة العشرين في بيتسبرج هذا الشهر. والسياسيون مدفوعون جزئيا برغبات الشعب وأيضا برغبة حقيقية في تجنب تكرار الأسبوع الذي كاد فيه التمويل العالمي ينهار تماما. وفي غضون يومين، سقطت Merrill Lynch في يد بنك أمريكا، وأفلست Lehman وسقطت المجموعة الأمريكية الدولية، شركة التأمين الضخمة، في قبضة رهانات مهلكة على المشتقات واحتاجت إلى الإنقاذ. ويمثل انهيار Lehman بداية أسوأ أزمة مالية وركود عالمي منذ الثلاثينيات.
ولكن من المؤكد أن بذور المشاكل زرعت قبل سنوات من ذلك، حين تم تخفيف معايير الإقراض للقروض العقارية، وعمليات شراء الشركات والكثير غير ذلك، وحين زاد الحماس لاستخدام الأموال المقترضة لزيادة العائدات. وارتفعت ديون الشركات المالية الأمريكية باطراد من 39 في المائة إلى 111 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الـ 20 عاما حتى 2008. إلا أن عديدا من خيارات السياسات اللاحقة - خاصة برنامج إغاثة الأصول المضطربة بقيمة 700 مليار دولار - انبثقت من انهيار Lehman.
ويعتقد البعض أن الألم كان سيكون أخف لو تم إنقاذ Lehman. ويعتقد آخرون أن انهيارها كان محتوما على أية حال. وفي كلتا الحالتين، أدى ذلك إلى تحطيم توقعات الأسواق بأنه لن يتم السماح للشركات الكبيرة بالفشل - كان قد تم قبل بضعة أشهر من ذلك دمج Bear Stearns المتعثر، خامس أكبر بنك استثماري في نيويورك، بالقوة مع JPMorgan. وبما أن أحدا لم يكن يعرف بمن يجب الوثوق، توقف الإقراض، خاصة في الأسواق قصيرة الأجل، مثل سوق الأوراق التجارية، التي أصبح الكثيرون يعتمدون عليها لدعم الأصول طويلة الأجل. وانتشر الذعر على نطاق واسع بحيث أن الحكومة اضطرت إلى دعم صناديق أسواق المال التي من المفترض أنها قوية جدا. وبحلول تشرين الأول (أكتوبر)، انقرض البنك الاستثماري الكبير القائم بحد ذاته، والذي كان مصدر فخر وول ستريت قبل ما يزيد على عام من ذلك.
وكان قرار عدم السماح لأية شركة مالية كبيرة أخرى بالمعاناة من مصير Lehman من بين أهم القرارات التي تم اتخاذها. وكانت النتائج مخيفة للغاية. فقد امتد هذا النهج ليشمل اختبارات الملاءة المالية لـ 19 مؤسسة ''مهمة للنظام ككل''، والتي تم استكمالها في أيار (مايو). ووعدت المؤسسات التي تبين أنها لا تملك ملاءة مالية كافية بمنحها رأسمال من دافعي الضرائب إذا لم تتمكن من الاستفادة من مصادر خاصة.
ولا تزال تداعيات زلزال أيلول (سبتمبر) 2008 ملموسة، خاصة من قبل الشركات التي تقع في صميمه. وعلى الرغم من أنه تم بيع أجزاء من Lehman بسرعة إلى بنك باركليز البريطاني وبنك Nomura الياباني، إلا أن عشرات الملايين من الدولارات من أموال العملاء، التي يعود الكثير منها إلى صناديق التحوّط، لا تزال محاصرة في أكبر إفلاس في العالم. ولا تزال المجموعة الأمريكية الدولية في منتصف عملية التفكيك المؤلمة.
وقد تخلصت صناعة الخدمات المالية في أمريكا من أعداد كبيرة من الوظائف مع فشل الشركات أو بيعها أو تخفيض نفقاتها. وأصبحت الأعمال أقل ربحية بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون يحتفظون بوظائفهم: انخفضت مكافآت وول ستريت بنسبة 44 في المائة العام الماضي. وللمرة الأولى في الذاكرة الحية، يضطر المصرفيون الاستثماريون إلى تخفيض نفقاتهم: تقول شركات سيارات الأجرة في ضاحية Bedford الغنية في نيويورك إنه لم يعد هناك أعمال في محطات السكك الحديدية المحلية، لأن المتنقلين من وإلى وول ستريت أصبحوا يتنقلون سيرا على أقدامهم أو بواسطة الدراجة الهوائية أو يتم إيصالهم من قبل أزواجهم أو زوجاتهم.
وهذا هو سبب الارتياح الذي ساد لدى ظهور بوادر الاستقرار أخيرا. فقد انتعشت أسواق الأسهم المالية، واستعاد المستثمرون رغبتهم في ديون الخردة: بلغ المبلغ الذي تم إصداره أعلى مستوى منذ عامين خلال الأسبوع حتى الـ 14 من آب (أغسطس). وانخفض سعر الفائدة الذي تقرض البنوك بعضها البعض عنده إلى مستوياته قبل الأزمة تقريبا. ولم يعد تأميم البنوك على نطاق واسع أحد الخيارات المطروحة. وعلى الرغم من أن مئات البنوك الأصغر حجما تواجه خطر الانقراض، إلا أن البنوك الكبيرة عززت دفاعاتها ضد الخسارة عن طريق زيادة الأسهم العادية. وتمكنت أقوى البنوك من سداد رأس المال العام (وتحقيق أرباح لدافعي الضرائب). وتزيد الثقة بين المستثمرين الفطنين: في الآونة الأخيرة، بدأت صناديق التحوّط، التي كانت لعنة على البنوك المتعثرة العام الماضي، بشراء أسهمها، وليس التقليل منها.
وما يغذي هذا التفاؤل هو الانتعاش الجزئي لأسواق رأس المال. ولا يزال النشاط بشكل عام ضئيلا، ولا تزال أسواق التوريق مغلقة تقريبا. ولكن زاد التداول وضمان الاكتتاب لأن رأس المال والشركات المتعطشة للائتمان دخلت السوق المتحسنة- مع أن الحجم انخفض منذ تموز (يوليو).
وكان أداء الناجين المستعدين للمغامرة جيدا للغاية من التداول في العملات والسلع وما إلى ذلك مع تعديل العملاء لمحافظهم وفقا لواقع السوق الجديد، مثل زيادة التقلب. ويصف Bill Winters، الرئيس المشارك لبنك JPMorgan الاستثماري، هذه الفترة بأنها ''الفترة الأكثر ربحية على الإطلاق لمواصلة العمليات''. وبدأت البنوك بزيادة الموظفين في المجالات النشطة، خاصة السلع، بل إن بعضها تعرض مكافآت مضمونة، التي كان يعتقد قبل أشهر فقط أنها تلاشت مع تلاشي سنوات النمو.
وتبدو هذه الأرباح التجارية غير مستدامة. وفي الواقع، بدأت هوامش التجار بالانخفاض فعلا مع استعادة المنافسين المصدومين لتوازنهم. علاوة على ذلك، لا يزال النظام المالي مدعوما من البرامج الفيدرالية. فقد عاد إصدار الأوراق المالية المدعومة بالأصول الاستهلاكية، مثل قروض السيارات، ليصل إلى 100 مليار دولار منذ آذار (مارس)، ولكن فقط بفضل المنشأة المالية التي يديرها مجلس الاحتياط الفيدرالي. ويقول Rodgin Cohen، رئيس شركة Sullivan & Cromwell للمحاماة: ''لا يزال تفكيري متركزا على وسائل الحماية من عمليات الاستحواذ بدلا من بوادر الانتعاش الاقتصادي''.
ويعني هذا الدعم أن سك النقود هذا العام في الفئة العليا للقطاع المصرفي - كان الربع الأخير هو الأكثر ربحية لـ Goldman على الإطلاق - له ذكرى سيئة. ويصفه أحد المستشارين في هذا المجال بأنه ''تحقيق الربح في زمن الحرب''. ويقول Kenneth Rogoff، وهو خبير اقتصادي في هارفارد ومرجع في الأزمات المالية، إن انبعاث وول ستريت يعكس فقط مراجحة مؤقتة: يمكن للبنوك المهمة للنظام ككل تحقيق أرباح كبيرة عن طريق تحمل مخاطر كبيرة بأموال تم اقتراضها بسعر رخيص، وذلك بفضل ''المحفظة الخفية'' لدافعي الضرائب على شكل ضمانات، في حين تغض السلطات الطرف عن ذلك.
وربما تقامر بعضها للخلاص. فالبنوك التي حققت أكبر الخسائر، مثل Merrill وبنك اسكتلندا الملكي، تعرض أشد الشروط تحمسا في عدة مجالات، مثل الإقراض بالاستدانة وإصدار الحقوق، كما يقول المنافسون. ويفيد هذا النزاع بعض العملاء. ففي الآونة الأخيرة، وافق بنك أمريكا/ Merrill Lynch وبنك Deutsche وبنك Credit Suisse على تأجيل جزء من رسومها لعروض الاكتتاب الأولية من قبل صندوقين عقاريين. ولن يكون الرصيد واجب الدفع، إلا إذا حقق الصندوقان الحد الأدنى على حقوق الملكية لفترة محددة.
القبول والأمل
يأتي أحد الأخطار التي تهدد الأسماء الكبيرة من المحال وغيرها من الساعين للاستفادة من هذا الاضطراب. فشركات الدمج وإعادة الهيكلة توظف الموظفين وتتباهى باستقلالها وتحررها من التدخل التنظيمي. وتوسع شركة KKR، وهي شركة للأسهم الخاصة، وحدة أسواق رأسمالها، وبدأت الاكتتاب في إصدارات الأسهم، بادئة بالشركات في محفظتها. وستستفيد شركات الأسهم الخاصة أيضا من التخفيف المقرر للقيود المفروضة على ملكيتها للبنوك.
وهناك فراغ كبير لا بد من ملئه، كما يقول John Costas، مدير سابق في UBS شارك أخيرا في تأسيس شركة PrinceRidge التي تركز على أسواق الدين. وتشير تقديراته إلى أنه تم أخذ 15 تريليون دولار من القدرة التمويلية مع تقليص البنوك لميزانياتها وانهيار ''ظل'' شبكة الائتمان غير المصرفي. وانخفض الطلب أيضا، ولكن ليس بمثل هذا القدر.
وقد يبذل القادمون الجدد جهودا كبيرة. فبدلا من التنازل والاستسلام، أصبحت البنوك الكبيرة أكبر، بفضل عمليات الاندماج التي تتوسط فيها الحكومة. وتم انتهاك أو الالتفاف على القواعد: انتهك JPMorgan الحد الأقصى لأسهم السوق البالغ 10 في المائة للودائع حين استحوذ على Washington Mutual مثلا. ووفقا لـ Inside Mortgage Finance، وهي رسالة إخبارية، جاءت نحو نصف القروض العقارية الأمريكية التي تم تقديمها في النصف الأول من العام من Wells Fargo، الذي استحوذ على Wachovia، أو بنك أمريكا الذي استحوذ على Countrywide.
وهذا التركيز المتزايد مزعج بالنسبة للمنظمين. فالبنوك الصغيرة ومتوسطة الحجم تبذل جهودا كبيرة للتنافس مع الشركات المهمة للنظام ككل التي تستطيع الاقتراض بسعر أرخص بفضل دعم الدولة الضمني. وتقدّر دراسة حديثة لمجلس الاحتياط الفيدرالي الميزة التمويلية للبنوك الكبيرة بأكثر من 30 نقطة أساس. ويقود هذا إلى مشكلة محتملة أخرى: عدم الانضباط. فالشركات الخاصة التي تستطيع الحصول على أموال بتكلفة منخفضة ودافعي الضرائب وراءهم عرضة للتهور: انظر فقط إلى Fannie Mae وFreddie Mac. وقد كانت البنوك الرائدة في أمريكا كبيرة جدا بحيث يجب ألا تفشل قبل الأزمة، أما الآن فقد أصبحت أكبر.
ولكن عند التدقيق بعمق، نجد أن المؤسسات العملاقة تتخذ مسارات مختلفة. ففي المعسكر الأول، هناك المؤسسات في أعلى النظام الهرمي الجديد لوول ستريت، Goldman Sachs وJPMorgan. وفي المرتبة نفسها معها هناك ''وحوش التدفق'' الآخرين - الشركات التي تملك حصة كبيرة من أسواق الأحجام الكبيرة، مثل العملات والدخل الثابت والأسهم - بما في ذلك باركليز وCredit Suisse. وقد اضطرت هذه المؤسسات العملاقة، مثل غيرها، إلى الحد من رافعتها المالية، ولكنها ترى مستقبلا لا يختلف كثيرا عن الماضي. وكانت Goldman هي الأكثر جرأة، حيث تحملت مخاطر هائلة في الربع الأخير - مع أن معظمها لتجارة العملاء وليس لدفاتر حساباتها الخاصة، كما تصر على القول. ويعتقد Blankfein أن شركته ستكون قادرة على الاستمرار في صنع الأسواق وتمويل الصفقات والمشاركة في الاستثمار مع العملاء. وهو يقول: ''من المشجع أن تكون مديرا ووكيلا في الوقت نفسه''. ربما، ولكن هذه الأيام قد يكون صنع الثروة مريعا بقدر فقدانها. فقد أدت أرباح Goldman الوفيرة وتخصيصها مبلغ 11.4 مليار دولار لموظفيها في النصف الأول من عام 2009 - ليس رقم قياسي ولكنه قريب - إلى تحويل الإعلام والشعب ضدها.
ولم تكن جرأة الشركة من الأمور المساعدة. فقد صرّحت أنه كان بوسعها البقاء دون المساعدة الفيدرالية، وأنها لم تكن بحاجة إلى أموال دافعي الضرائب التي تلقتها، باعتبارها طرفا مقابلا للمشتقات للمجموعة الأمريكية الدولية، لأن مواقعها في السوق كانت محمية. وتعرضت Goldman لضغوط شديدة بفعل سلسلة من القصص السلبية، مثل القصة التي تشبهها بمصاص دماء. (يقول Blankfein بغضب إن هذه المخلوقات، التي لا يتجاوز طولها عند اكتمال نموها ست بوصات فقط، مخلوقات ''صغيرة وغير مؤذية وليست آكلة لحوم''). وحرصا منه على تجنب الانتقادات، هاجم Blankfein هذا الأسبوع بعض ممارسات الدفع والحيل المحاسبية في الصناعة، بل ودعا إلى حظر الضمانات لسنوات متعددة، التي تصر Goldman أنها لا تقدمها.
ويتبنى خصم Goldman اللدود، وهو Morgan Stanley، وجهة نظر مختلفة بشكل ملحوظ لمستقبل وول ستريت. فبعد أن زادت تحملها للمخاطر في فترة الازدهار - جعل John Mack زيادة الرفع المالي هدفا واضحا بعد أن أصبح رئيسها عام 2005 - أمضت Morgan Stanley العام الماضي في الغوص في الاتجاه المعاكس. ووظفت الشركة تجارا في بعض المناطق للاستفادة من الانتعاش بعد التخفيضات الهائلة العام الماضي، ولكنها الآن ترى مستقبلها في شركات ''الوكالة'' التقليدية التي تتطلب رأسمالا منخفضا نسبيا، حيث تأخذ رسوما لقاء ترتيب عمليات الاندماج وضمان اكتتابات الأوراق المالية والسمسرة - وتحقيقا لهذا الغاية اشترت حصة مسيطرة في Smith Barney من Citigroup.
وبدأت Citigroup أيضا بالعودة إلى جذورها. وبعد أن اضطرها المنظمون إلى تقليص نفسها بعد خسارة عشرات المليارات على التزامات الدين المضمون، بدأت أيضا بالتخلص من 40 في المائة من أصولها. ويقول Vikram Pandit، رئيس Citigroup، إن النموذج الجديد الأكثر تواضعا، الذي يركز على أمور مثل التجزئة المصرفية وإدارة أموال الشركات، هو في الأساس Citicorp الذي كان قائما قبل الاندماج الهائل مع Travelers عام 1998، مع بعض الاستثناءات القليلة.
وهذا التركيز المتجدد على التمويل قديم الطراز آخذ في الانتشار. وتقول الشركات الاستشارية، إنها ترى اهتماما متزايدا من قبل البنوك الحريصة على تحسين خدماتها في كل شيء من التجزئة المصرفية إلى مجموعة الخدمات الخاصة المقدمة لعملاء معينين (تمويل التجارة من قبل صناديق التحوّط). ويعرف Bob Gach، رئيس قسم ممارسات أسواق رأس المال في شركة Accenture الاستشارية، عديدا من البنوك التي وضعت جانبا 400 مليون دولار أو أكثر لتحسين صلاتها التكنولوجية مع العملاء. وهو يقول: ''لقد عادت العلاقات''. وتضع البنوك الاستثمارية أيضا المزيد من الموارد في الاستشارات المتعلقة بالاندماج وإعادة الهيكلة، التي تم إهمالها من قبل البعض خلال فترة الازدهار بوصفها ''مجرد بثرة على مؤخرة الحمار''، على حد تعبير أحد المخضرمين، ولكنها تعد الآن مصدرا رئيسيا للإيرادات - مع سلبيات محدودة.
ويأتي الكثير من هذا تحسبا للقواعد الجديدة التي تهدف إلى الحد من الغرائز المتهورة للمصرفيين. فمع تركيز الكونجرس على الرعاية الصحية، لا يزال مصير الإصلاحات المالية الشاملة لإدارة أوباما غير واضح. فالبنوك تشعر بقلق بالغ في انتظار التعليمات الدقيقة حول التعامل مع القروض العقارية المورقة والضمانات المتبادلة في حال التقصير الائتماني وغير ذلك. ولكن لا أحد يشك في أن هناك تغييرات وشيكة.
ولعل أكثر التغييرات إثارة ستكون تشديد معايير كفاية رأس المال، التي تمت الموافقة عليها أخيرا من قبل وزراء مالية مجموعة العشرين ومجموعة من المصرفيين المركزيين والمشرفين الذين يشرفون على قواعد بازل لرأس المال. وقد تكون القواعد الجديدة جاهزة لاعتمادها بحلول نهاية العام المقبل. وقد اقترحت لجنة بازل بالفعل رسوما أعلى على رأس المال للتجارة المعقدة وأدوات التوريق الغريبة.
وسيكون رأس المال أيضا الطريقة المفضلة لكبح جماح الشركات الكبيرة بما فيه الكفاية لدعم النظام. والمسؤولين الأمريكيين مترددون في الذهاب إلى أقصى حد وتفكيكها، خاصة لأن مهمة تقسيمها إلى قطع صغيرة بما فيه الكفاية، بحيث لا تشكل أي خطر ستكون فوضوية للغاية. وبدلا من ذلك، ستواجه البنوك على الأرجح جدولا متدرجا، بحيث يرتفع الحد الأدنى من نسب رأس المال مع ازدياد حجمها أو مع تحملها للمزيد من المخاطر. ويتوقع منها كذلك إعداد ''وصايا الحياة''، حيث تحدد الكيفية التي سيتم فيها تصفيتها في حال الفشل.
ويقول أحد كبار وول ستريت: ''هناك خطر حقيقي أن ينتهي بنا الأمر مثقلين برأسمال كبير بحيث لا نتمكن من القيام بأمرين بسيطين في الوقت نفسه''. وسيظل تدقيق المشرفين، الذي زاد بعد Lehman، شديدا. فهناك في Goldman Sachs ما لا يقل عن 40 موظفا من مجلس الاحتياط الفيدرالي الذين يراقبون عن كثب التجار وواضعي نماذج الخطر فيها.
وقد يكون للمشرفين دور بالغ الأهمية في التعامل مع مسألة الأجور الهائلة أيضا. وقد خففت هيئة الخدمات المالية البريطانية قانون الأجور بعد شكاوى المصرفيين من فقدان المواهب، ولكنها تستخدم وسائل الإقناع القائمة على أسس أخلاقية لتحقيق تأثير جيد، حيث تدعو الرؤساء إلى التعبير عن استيائهم من ظهور المكافآت المضمونة ثانية. ويقول Winters من JPMorgan: ''لا يتجاهل مثل هذه الدعوة سوى أكثر الناس شجاعة''.
ومن المرجح أن يحقق المشرفون ومجالس الإدارة والمساهمين (الذين أصبح لهم رأي أخيرا فيما يتعلق بالأجور في أمريكا)، تأثيرا مفيدا في ممارسات الأجور أكثر من ذلك الذي قد تحققه القواعد التي وضعها السياسيون، الذين يميلون إلى التفكير جيدا في العواقب. وحين زاد الكونجرس الضريبة على المكافآت في وقت سابق من هذا العام، بدأت البنوك، كما هو متوقع، بزيادة الرواتب الثابتة للتعويض عن ذلك. والتسوية المتعلقة بالأجور التي توصلت إليها مجموعة العشرين أكثر تحفظا، ولكنها تقترح في الغالب أشياء تقوم بها بالفعل البنوك الكبيرة، مثل دفع المزيد من الأسهم المقيدة وتقليل المكافآت إذا تراجع الأداء. وقد يكون لإعادة التنظيم نتائج مؤسفة غير مقصودة في أماكن أخرى أيضا. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الجهود المبذولة لتوحيد معايير المشتقات التي يتم تداولها خارج البورصة، إذا تمت المبالغة فيها، إلى دفع المستثمرين إلى الوقاية من مخاطر معينة باستخدام أدوات فجة، مما يجعل النظام أقل أمنا بدلا من أن يصبح أكثر أمنا.
ومن الصعب التنبؤ بالشكل والحجم النهائي لوول ستريت بعد إعادة تنظيمها وترتيبها. فالصناعة كانت أيضا أشبه ببالون: إذا ضغطت عليه من مكان واحد سيتوسع في مكان آخر. ولا شك أن البنوك تحقق أقصى استفادة من الظروف السائدة اليوم: يعيد Credit Suisse مثلا هيكلة سندات القروض العقارية التي لم تمنحها وكالات التصنيف الائتماني أي درجة؛ وقد بدأ هو وغيره في توريق بوالص التأمين على الحياة التي يبيعها كبار السن والعجزة مقابل المال.
توقعات ليست عظيمة جدا
ومع ذلك، انتهت الأيام التي كان فيها التمويل يشكل 40 في المائة من أرباح الشركات الأمريكية. ويعتقد Winters أن متوسط عائدات البنوك الاستثمارية على حقوق المساهمين سيستقر عند 10 - 12 في المائة (مع أن أداء أفضل الشركات سيكون أفضل من هذا). ويعتقد Brad Hintz، المحلل مع Alliance Bernstein، أنه بما أن الرفع المالي أكبر بخمسة عشر ضعفا من الأسهم - المستوى المخفض الذي تعمل عنده البنوك الاستثمارية الآن - ستفشل أجزاء كبيرة من مجال العمل في الدخل الثابت في تغطية تكاليف رأس المال.
وسيشكل ارتفاع أسعار الفائدة عقبة أخرى- وربما يضمن أن ينمو الائتمان ببطء أكبر من الاقتصاد لعدة سنوات. ويقول Michael Poulos، من شركة Oliver Wyman الاستشارية: ''كان الجميع يركض على المنحدر منذ 15 عاما. والآن سنرى من هم الرياضيون الحقيقيون'' >