متحمس ومستعد للانطلاق

متحمس ومستعد للانطلاق

''انتهى وقت المشاحنات وحان وقت العمل''. بهذه الكلمات الحماسية، بدأ باراك أوباما خطابه أمام لجنة مشتركة خاصة في الكونجرس في التاسع من أيلول (سبتمبر) الذي يتعلق بإصلاح نظام الرعاية الصحية المتعثر في أمريكا. وهذا الخطاب، الذي يأتي بعد عطلة تشريعية تم خلالها الانتقاص من جهوده في اجتماعات المجالس البلدية في جميع أنحاء الدولة، اعتبر على نطاق واسع أفضل، وربما آخر فرصة له لإنقاذ أهم مبادرة له للسياسة الداخلية من الفشل.
وكان هذا الخطاب ناجحا بعدة مقاييس. فقد كان جياشا، وهو أمر ضروري لكسب الرأي العام الأمريكي المتشكك وتنشيط قاعدته الليبرالية. وبدا أوباما مهنيا، بل ومتحذلقا، في اجتماعات المجالس المحلية التي تم عقدها أخيرا حول إصلاح الرعاية الصحية. ولكنه كان يبدو الأسبوع الماضي متحمسا جدا. ويقدم المنتقدون اليمينيون منذ أسابيع ادعاءات سخيفة ولكنها منذرة بالخطر بأن إصلاحاته ستؤدي إلى ''فرق الموت'' وغيرها من التشبيهات السخيفة الأخرى. وأدت محاولات أوباما لتجنب مثل هذه الهجمات عن طريق انتهاج الطرق القانونية السليمة إلى أن يفقد الكثيرون من اليسار حماسهم وأن يشعر الشعب بالارتباك. وفي خطابه، ندد ''بمزاعم اليمين الوهمية'' صراحة، مُصرّا على أن مثل هذا الكلام ''مضحكا إن لم يكن ساخرا وغير مسؤول. وأنه كذبة واضحة وصريحة''.
وكان أقوى جزء في خطابه هو تذكيره بالسيناتور إدوارد كينيدي، الليبرالي العظيم الذي ظل يدافع عن إصلاح الرعاية الصحية لعدة عقود قبل وفاته الشهر الماضي. ودافع أوباما، وهو يقرأ من رسالة تلقاها منه بعد وفاته، وأرملته تستمع إليه، عن التغيير: ''ليست تفاصيل السياسة فقط هي المعرضة للخطر، بل أيضا المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية وطبيعة بلادنا''.
وخلال هذه الفقرة، ذكّر الأمريكيين بذكاء أن الجمهوريين البارزين الذين يعارضون حاليا جهود الديمقراطيين في إصلاح الرعاية الصحية - بمن فيهم السيناتور Orrin Hatch والسيناتور جون ماكين - عملوا جنبا إلى جنب مع كينيدي في جهوده السابقة الأصغر في مجال إصلاح الرعاية الصحية. ويقود هذا إلى السبب الثاني الذي يدعو للاعتقاد أن خطاب أوباما قد ينجح في إطلاق الإصلاحات هذا الخريف: تمكن من تصوير الرئيس بوصفه مسؤولا ومعتدلا في غرفة مليئة بالمنظّرين الحزبيين التافهين.
ولم يساعد الجمهوريون قضيتهم بسلوكهم خلال الخطاب. فقد تم ضبط بعضهم وهم يلعبون بأجهزة البلاك بيري. ولوح آخرون بوقاحة بإشارات بأيديهم أو نسخ من مشاريع قوانين الصحة التي قدمها الجمهوريون، بل وصرخ أحدهم، من كارولينا الجنوبية، قائلا: ''أنت تكذب!'' حين أصر أوباما على أن إصلاحاته لن تشمل المهاجرين غير الشرعيين. (اعتذر عن سلوكه هذا لاحقا).
وقد صوّر هذا الخطاب أوباما باعتباره شخصا معتدلا في الأسلوب والمضمون. وأشار أوباما أنه في حين أن البعض من اليسار يطالب بنظام الدفع الفردي فيما يطالب البعض من اليمين بإلغاء نظام التأمين الذي يوفره أصحاب العمل، إلا أنه يعتبر كلا الخيارين متطرفين جدا. وأعلن أيضا عن فكرة مفاجئة لاستخدام السلطة التنفيذية لتشجيع تنفيذ تجارب على مستوى الولايات للحد من انتهاكات سوء الممارسة.
وكشف أوباما النقاب أيضا للمرة الأولى عن العناصر الرئيسية لخطة الإصلاح الوسطية الخاصة به. فهو يريد توسيع نطاق التغطية ليشمل نحو 30 مليون أمريكي ليسوا مشمولين بالتأمين، بصورة أساسية عن طريق إدخال ولاية فردية للتغطية وتبادل التأمين والإعانات للأشخاص الأقل حظا وتنظيم متشدد على شركات التأمين. ووافق أيضا على اقتراح مهم بفرض ضريبة على أكثر خطط التأمين إسرافا.
والأهم من ذلك هو أنه أوضح أنه لن يوافق على مشروع قانون لإصلاح الرعاية الصحية من الكونجرس من شأنه أن يزيد العجز - ليس الآن وليس في أي وقت. وتعهد أيضا أن يتم الحصول على الجزء الأكبر من تكاليف خطته التي تبلغ 900 مليار دولار - وهي المرة الأولى أيضا التي يعطي فيها رقما محددا لمبادرته - ليس من الضرائب على الأغنياء، كما تتصور مشاريع القوانين الحالية في مجلس النواب، بل من المدخرات الداخلية التي سيتم تحقيقها داخل النظام الصحي.
وقدم سببين للافتراض أن خطته ليست مجرد هراء. الأول هو دعم البيت الأبيض لفكرة تمكين لجنة مستقلة من الخبراء على تخفيض تكاليف برنامج Medicare ومخططات رعاية صحية حكومية أخرى. وهذا أمر مهم، لأن الكونجرس أثبت أنه غير قادر على تحقيق مثل هذه التخفيضات الصعبة. والأكثر إثارة للإعجاب هو تعهده بأن أي قانون نهائي يجب أن يتضمن أحكاما بتخفيضات إنفاق إلزامية سيتم البدء بها إذا لم تتحقق وفورات التكلفة في الميزانية.
هل سيكون هذا الخطاب كافيا لإعادة أجندة إصلاحات الرئيس إلى المسار الصحيح؟ قد يكون كذلك. وأحد الأسباب التي تدعو لاعتقاد ذلك هو الطريقة الماهرة التي لمح فيها أوباما عن استعداده للتوصل إلى تسوية فيما يتعلق ''بالخيار الشعبي''. ويصر اليسار على مخطط تأمين تديره الحكومة، إلا أن صناعة الرعاية الصحية والجمهوريين يعارضون هذه الفكرة ذات الأساس الضعيف. كما إنه لن يتم إقرارها من قبل مجلس الشيوخ، كما أكد Max Baucus، رئيس اللجنة المالية. وأعرب أوباما عن تأييده النظري للفكرة، ولكن عن طريق تأييد خيارات أخرى أيضا - بما في ذلك فكرة أنه لن يتم اللجوء إلى مثل هذه الخطة إلا لاحقا إذا لزم الأمر - وجه إليها أيضا ضربة قاتلة.
وقد أقرت عدة لجان في مجلس النواب نسخ من مشاريع القوانين الصحية، ولكنها جميعا تتضمن الخيار الشعبي وتعتبر بعيدة جدا عن يسار مجلس الشيوخ- ومن الواضح الآن أنها بعيدة عن موقف أوباما. لذا تتركز الأنظار الآن على اللجنة المالية في مجلس الشيوخ، حيث تعمل ''مجموعة من ستة أشخاص'' بقيادة Baucus على صياغة مشروع قانون معتدل قد يوفر الأساس لأي قانون رعاية صحية نهائي هذا العام. وكشف Baucus النقاب عن اقتراحه البالغ 900 مليار دولار (وهو نهج معتدل أيضا دون الخيار الشعبي)، وأعلن عن خطط لوضع اللمسات النهائية على مشروع قانون الأسبوع المقبل. وفي وقت سابق، كانت هذه المحاولة تبدو فاشلة، حيث كان يبدو أن اثنين من الجمهوريين في جماعة الستة، هما Charles Grassley وMike Enzi، يقوضان هذه الجهود. ويجعل هذا Olympia Snowe، الجمهورية من ماين، المشرّعة الأكثر عرضة لمحاولة كسب موافقتها في الذاكرة الحديثة. ويعزز خطاب أوباما والاقتراحات المعقولة، المشابهة لاقتراح Baucus، وانفتاحه على فكرة اللجوء للخيار المفضل لدى Snowe، الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية. ومن غير المعروف بعد فيما إذا كان كسب Snowe وربما واحد أو اثنين من الجمهوريين إلى جانبهم سيكون كافيا أم لا. ولكن حتى لو لم يكن كافيا، فقد يظهر في الأسابيع القليلة المقبلة مشروع قانون أفضل من أي مشروع قانون تم تقديمه حتى الآن بحيث يكون من الجدير إقراره. وقال أوباما إنه ليس الرئيس الأول الذي يتبنى إصلاحات الرعاية الصحية؛ ولكنه مصمم على أن يكون الأخير >

الأكثر قراءة