ألعاب الجمع بين المهارات

ألعاب الجمع بين المهارات

بعد مرور عام على انهيار Lehman، بدأ الاقتصاد العالمي في التحسن. فقد تم وقف انخفاض الناتج الذي حدث في نهاية العام الماضي والأشهر الأولى من عام 2009. ويبدو الآن أن اقتصادات أمريكا وبريطانيا ومنطقة اليورو بدأت في النمو ثانية. ولكن لا يزال صنّاع السياسة حذرين وليسوا في عجلة من أمرهم لسحب الحوافز. فعلى سبيل المثال، سيقدم البنك المركزي الأوروبي مرة أخرى قروضا غير محدودة لمدة عام للبنوك بسعر الفائدة الرئيسية له، البالغ 1 في المائة، في الثلاثين من أيلول (سبتمبر).
ومع ذلك، فإنه مع انتهاء أسوأ الأخبار الاقتصادية الآن، يتعرض المسؤولون لضغوط متزايدة لتفسير الكيفية التي سيغيرون بها المسار حين يحين الأوان. وهذه المهمة صعبة على وجه الخصوص حين يتعلق الأمر بالمالية العامة. فالاقتصادات الهشة تحتاج إلى الدعم من السياسة المالية، ولكن من الأصعب على وزراء المالية أكثر من المصرفيين المركزيين تقديم وعود موثوقة بأن يكونوا صارمين في المستقبل، في الوقت الذي يعتبرون فيه متحررين جدا اليوم.
وليس هناك أي دولة غنية تقريبا لديها مالية عامة مستقرة. ومن المتوقع أن يتضاعف الدين العام لأمريكا كجزء من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2018. تواجه بريطانيا عدة سنوات من عجز الميزانية وارتفاع عبء الديون. ولا يبدو أن العجز في بقية دول أوروبا أيضا سينتهي في المستقبل المنظور. والخطر الواضح من حالات العجز الكبيرة المستمرة هو فقدان الثقة بقدرة الحكومات على الحد من تزايد الديون. وإذا أصبحت أسواق السندات تشعر بالقلق من أن الحكومات قد تتخلف عن السداد أو تزيد التضخم للتخلص من ديونها، سترتفع أسعار الفائدة، مما سيخنق الانتعاش.
وإحدى طرق تعزيز الثقة هي وضع السياسة المالية على قدم المساواة مع السياسة النقدية، عن طريق الاستعانة بمجالس مستقلة تملك صلاحية الحفاظ عل الملاءة المالية لاتخاذ قرارات الميزانية. ولن يكون هذا سهلا. فليس لدى المصرفيين المركزيين سوى أداة واحدة، وهي أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وأمامهم مهمة رئيسة، هي السيطرة على التضخم (مع أنه أصبحت لديهم مهمة أخرى الآن وهي تحقيق الاستقرار المالي). وقد تم منحهم فترات طويلة في مناصبهم لضمان عدم تعرضهم للتدخل.
إلا أن السياسة المالية أكثر تعقيدا بكثير. فهناك أهداف كثيرة جدا بقدر المعدلات الضريبية ومخططات الإنفاق. ويجب أن يسعى السياسيون لإعادة انتخابهم فيما يعتمد نجاحهم جزئيا على الكيفية التي ينفقون فيها المال ومدى ذكائهم في فرض الضرائب. وهناك خيارات سياسية بطبيعتها. والإدارة المستعدة للالتزام بالقواعد المالية لن تستطيع أن تضمن أن تقوم الحكومات المستقبلية بالشيء نفسه.
ومع ذلك، يمكن نقل مسؤولية بعض عناصر السياسة المالية للتكنوقراطيين. ويمكن إنشاء مجلس مالي لمراقبة الامتثال لأهداف الميزانية، بما يتسق مع عبء الديون المستقر أو المنخفض، ما يترك للسياسيين مهمة اتخاذ القرارات الضريبية وقرارات الإنفاق ضمن تلك الحدود. وقد تبنت الصين والسويد هذا النوع من الترتيب.
وقد تحولت إليه هنغاريا أيضا. ويقول George Kopits، رئيس مجلسها المالي، إن إطار الاستقرار المالي الجيد له أربع خصائص رئيسية. الأول هو قاعدة سياسة عددية، مثل هدف لنسبة الدين، أو كما في حالة تشيلي، تعهد بإدارة فائض ميزانية قدره 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى دورة الأعمال. والثاني هو مجموعة من القواعد ''الإجرائية''، مثل فرض حد أعلى على نمو أجور القطاع العام أو - كما في حالة هنغاريا الآن وأمريكا حتى عام 2002 - قاعدة ''الدفع أولا بأول'' التي تقول إنه يجب تمويل مخططات الإنفاق الجديدة من الزيادات أو التخفيضات الضريبية في برامج أخرى.
أما العنصر الثالث هو المراقبة من قبل هيئة مستقلة وموثوقة، وهو أمر ضروري لإبقاء الحكومات نزيهة. ويتطلب هذا الخاصية الرابعة، وهو حسابات عامة كاملة وواضحة تشمل جميع التكاليف المستقبلية، مثل المعاشات التقاعدية. وسيختلف المزيج المثالي من هذه العناصر باختلاف الثقافات السياسية، كما يقول Kopits. ويحكم قانون المسؤولية المالية للبرازيل أيضا المالية العامة الإقليمية، حيث إن التراخي يعد مشكلة. ويتم وضع قواعد تشيلي مع أخذ عائدات النحاس المتغيرة بعين الحسبان. ولدى هنغاريا قاعدة تحد من نمو الإنفاق، الذي يعتبر مصدر عدم الانضباط في الماضي.
وهناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن الدول التي لديها قواعد مالية لديها أيضا مالية عامة سليمة، مع أنه من الصعب فصل السبب عن التأثير. والدول التي تتبنى ثقافة الحذر أكثر احتمالية لتبني القواعد، وكذلك الدول التي شهدت أزمات مالية. ومن الأصعب بكثير الاتفاق على قيود تقلل خطر الانهيار المالي. أما القواعد التي يتم فرضها من الخارج، مثل ميثاق الاستقرار والنمو لمنطقة اليورو، فهي أقل احتمالا للنجاح.
وغالبا ما تعوق السياسة مهمة إصلاح المالية العامة. ولكن يمكن القيام بذلك. وتكمن بعض الحسابات وراء الاقتراحات التي قدمها حزب المعارضة الرئيسي في بريطانيا بتبني القواعد التي من شأنها إلزام حكومة المحافظين بإدارة ميزانية متوازنة خلال الدورة وتخفيض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ويخطط الحزب إنشاء مكتب مسؤولية الميزانية ليكون بمثابة هيئة رقابة لها صلاحيات وخبرة. وقد تكون هناك جاذبية انتخابية في هذا التعهد إذا كان يذكّر الناخبين بأوجه قصور الهيكل المالي الذي وضعه جوردن براون حين كان وزيرا للمالية.
وفي أمريكا، قد تؤدي المخاوف المتعلقة بالوضع الدولي للدولار، ورغبة البنوك المركزية الآسيوية بسندات الخزانة الأمريكية إلى التوصل إلى إجماع حول ضرورة وضع إطار مالي ملزم. ويعكس ارتفاع أسعار الذهب إلى أعلى من ألف دولار للأونصة الواحدة هذا الأسبوع المخاوف على الدولار والقلق بشأن العواقب المحتملة لارتفاع الدين العام على التضخم.
وما تحتاج إليه أمريكا هو توقعات مالية تفسر بعض الشيء كيف ومتى سيتم تخفيف حالات العجز، كما يقول Eric Leeper من جامعة إنديانا. وستساعد مثل هذه التفاصيل دافعي الضرائب وحاملي السندات على تشكيل آراء فيما يتعلق بالسياسة المستقبلية. وكما هو الحال مع السياسة النقدية، فإن السياسة المالية تعمل بصورة أكثر فعالية حين يعرف الناس ما هو متوقع، كما يقول Leeper.
ويمكن أن يؤدي اعتماد بعض القيود متوسط الأجل إلى المزيد من حرية العمل في فترات الركود. فعلى سبيل المثال، دعت هيئة الرقابة في السويد في أيار (مايو) إلى تخفيف السياسة المالية لدعم الاقتصاد.
ومن الصعب وضع قواعد سليمة. وليس هناك نظرية جيدة حول المستوى الصحيح للدين العام. وليس هناك أيضا بحوث قوية تقول إن معدل التضخم البالغ 2 في المائة أفضل من ذلك البالغ 4 في المائة، حتى وإن كان هذا ما تستهدفه عديد من البنوك المركزية. وقد تؤدي القواعد الصارمة بشكل مفرط إلى تشديد السياسة في فترة الركود، إلا أن السماح للدورة قد يترك مساحة مناورة كبيرة، كما يتبين من الفوضى المالية في بريطانيا. ولكن حتى القواعد غير الكافية أفضل، إذا تمت مراقبتها بصورة جيدة، من عدم وجود قواعد على الإطلاق >

الأكثر قراءة