هجرة الأدمغة .. نزيف يتجدد!
وجه تقرير جديد تناقلته وسائل الإعلام الأنظار إلى مسألة قديمة وجديدة في آن واحد، ألا وهي هجرة العقول أو الأدمغة أو هجرة الكفاءات العربية، كما تُسمى في بعض الأحيان. وهي ليست مشكلة جديدة، بل قضية مستمرة، تعانيها بعض الدول العربية مثل: مصر، لبنان، سورية، العراق، السودان، الجزائر، والمغرب أكثر من غيرها. ويشير التقرير إلى أن 70 ألفاً من خريجي الجامعات العربية يغادرون سنوياً بحثاً عن فرص العمل في الدول المتقدمة، والأسوأ من ذلك أن أكثر من نصف الدارسين العرب في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم.
لا شك أن هناك العديد من الأمور التي تؤدي إلى استمرار النزيف العربي، بدرجة قد تكون أكبر من غيرها في بعض المناطق الأخرى من العالم. وبناء على ما يُعرف في دراسات الهجرة بنظرية ''الجذب والطرد''، فإن هجرة العقول تتأثر بعوامل طردٍ تدفعهم لترك أوطانهم وعوامل جذب تجذبهم إلى الدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا.
وتأتي في مقدمة عوامل الطرد محدودية الفرص الوظيفية المغرية، وارتفاع معدلات البطالة في الدول العربية التي تصل إلى أكثر من 14 في المائة لإجمالي القوى العاملة، بل إلى أكثر من ذلك بين الشباب. فعلى سبيل المثال، يرتفع معدل البطالة بين الشباب في الجزائر إلى 46 في المائة. ولا يقل عن ذلك أهمية، قصور أنظمة التعليم وتخلف البحث العلمي، نتيجة ضعف الدعم وعدم وجود البيئة العلمية المحفزة للإبداع. ويضاف إلى ذلك الاضطهاد وعدم توافر الاستقرار السياسي والاجتماعي في بعض الدول العربية. وليس ببعيد عن الأذهان نزوح آلاف العلماء العراقيين جراء الكوارث البشرية التي حلت بتلك الدولة على مدى السنوات الماضية.
أما عوامل الجذب التي تتوافر في الدول المتقدمة، فتتلخص في وجود فرص عمل مغرية من حيث الأجور وبيئة العمل، وتوفر البيئة العلمية المحفزة للإبداع والبحث العلمي، وذلك بسبب توافر الدعم والإمكانات التقنية، إضافة إلى الحرية الفكرية والاستقرار السياسي والاجتماعي في تلك الدول.
لا شك أن لهجرة الكفاءات العربية آثاراً سلبية كبيرة، ولكنها لا تخلو من بعض الإيجابيات كتعزيز التواصل بين الثقافات وزيادة الاحترام المتبادل. إن كثافة هجرة العقول المغادرة تجعل الدول المتقدمة تقطف ثمار يانعة تحمّلت الدول النامية (الفقيرة) تكاليف تنشئتها وتعليمها. وهذا يؤدي إلى ضعف الإبداع في البحث العلمي في الدول العربية من جهة، وإحداث خلل في التنمية من جهة أخرى، إذ لا يمكن تحقيق تنمية حقيقة متوازنة، مع ضعف في البيئة العلمية والفكرية والثقافية. والأسوأ من ذلك، أن الدول العربية، التي تخسر العقول، تضطر – في الوقت نفسه – إلى الاستعانة بالكفاءات الأجنبية من أجل إنشاء مشاريعها التنموية، مما يجعل الخسارة نتيجة هجرة الكفاءات مضاعفة، وإمكانية توطين التقنية محدودة.
إذاً، ما الحل؟ لا بد أن تسعى الدول العربية إلى إصلاح الأوضاع التعليمية، وتطوير البيئة العلمية، وتحسين أجور العلماء المتميزين، خاصة أن الأجور في معظم الدول العربية لا تميز هؤلاء المتميزين عمن سواهم. إن دعم البحث العلمي الجاد بشكل خاص وإيجاد بيئة خلاقة ومحفزة للإبداع العلمي بشكل عام، لكفيل بإحداث تغيير في اتجاه هجرة الكفاءات العربية. ولا شك أن التنسيق بين الدول العربية والتكامل فيما بينها من خلال برامج فاعلة لاستقطاب الكفاءات سيؤدي إلى الحد من هجرتها إلى خارج الوطن العربي.
وينبغي ألا ننسى العلماء المتميزين الذين أثبتوا جدارتهم في الدول المتقدمة، فلا بد من ربطهم بالدول العربية وتوثيق صلاتهم بها، من خلال إشراكهم في المؤتمرات العلمية التي تُنظم في الدول العربية، وطلب استشارتهم، وتسهيل تنقلهم من دولة إلى أخرى، وأخيراً إن الحاجة ماسة إلى قيام جامعة الدول العربية بإجراء دراسات جادة لفهم هجرة العقول العربية، ومعرفة أوضاع هذه الكفاءات في الخارج، وتجهيز قاعدة معلومات خاصة بها.