رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التسيُّب الإداري.. من يوقفه؟

مستوى الأداء الإداري الحكومي يحدد مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذه حقيقة يثبتها التفاوت بين الأمم في مقدار التقدم الحضاري والصناعي والتقني. إذ إن المؤسسات الحكومية كصانع للقرار العام هي عناصر التغيير الاجتماعي التي تقود المجتمع نحو مستويات أعلى وأوضاع أفضل من التحضر الإنساني والتقدم العمراني. ولذا فإن الأمم المتقدمة أو تلك التي استطاعت أن تلحق بركبها لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه إلا عبر مؤسسات حكومية قادرة على تحويل الإرادة السياسية وتطلعات المجتمع إلى مشاريع تنموية مستدامة متكاملة ليس في جانبها المادي وحسب ولكن الأهم بناء الخبرة وتوثيق المعرفة التراكمية وعدم التوقف في البحث عن الأفضل. البحث عن الأفضل عنوان التقدم وجوهر التطور فالمجتمعات الناضجة (إن صح التعبير) لا ترضى أن تتوقف عند مستوى معين من التنمية والتطور لأنها تعلم أن هذا يعني التراجع وفقدان القدرة التنافسية وعدم البقاء في رأس القائمة فكما يقال ''إن لم تتقدم تقدم''! صلاح القطاع العام متطلب أساس للتقدم والتطور لأنه يشكل البيئة الاقتصادية والثقافية التي تحوي جميع مكونات المجتمع وبالتالي يسيره ويوجهه ويحدد هويته. لا شك أن المؤسسات هي انعكاس لقيم وثقافة المجتمع إلا أنها بذات الوقت تملك الصلاحيات والموارد والسلطة العامة ما يؤهلها أن تكون في موقع المبادرة والتأثير فـ ''إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'' كما يؤثر عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه.
الإشكالية التي نواجهها في ثقافتنا الإدارية هو ذلك الهجين بين القيم البيروقراطية والقيم الاجتماعية. فترى المكاتب الفارهة والآلات الحديثة والملفات المنمقة المرتبة والأنظمة واللوائح الدقيقة إلا أن السلوكيات والقرارات لا تنسجم مع المعايير المهنية والتنظيمات الإدارية ليتحول المكتب إلى مجلس يستقبل فيه الأصحاب للحديث الخاص وخدمتهم وتطويع الإجراءات لهم . فالإجراءات تطبق عند المستوى التجريدي بانتقائية حسب العلاقة الشخصية فتارة تكون بلسما شافيا تقدم فيه الخدمة للمعارف والأقرباء على طبق من ذهب وتارة يكون سيفا مسلطا على رقاب أولئك المراجعين الذين لا يملكون شفاعة ولا قوة . في هذا المناخ الإداري المفعم بالشخصنة دون خطط استراتيجية يراد تحقيقها يصعب فيه قياس الأداء بل يكون مستوى الأداء غائبا غير مهم. وهذا جوهر المشكلة الإدارية في القطاع الحكومي إذ إن طبيعته الخدمية الاحتكارية وعدم ارتباطه بآلية السوق وعدم وجود أسعار على خدماته وغياب دافع الربحية تجعل من الصعب قياس أدائه. ما يزيد من تفاقم المشكلة غياب الرقابة الاجتماعية عبر مجالس نيابية تضع التشريعات والسياسات العامة وتراقب مستوى تطبيقها من الأجهزة التنفيذية. إلا أن الوضع الحالي يمنح البيروقراطيات العامة كامل الحرية في أن تفعل ما تشاء وتنفذ بالطريقة التي تراها وعند مستوى الجودة التي تحدده وما على مستخدمي الخدمة إلا أن يرضخوا لواقع الأمر ويذعنوا ويسلموا تسليما. وهكذا يقضى على أي باعث للتطوير لتجنح المنظمات الحكومية نحو الركود والجمود والانكفاء على ذاتها. فكيف لها أن تتحرك وهي تنعم بالبيات البيروقراطي وليس هناك من ينبهها من سباتها ويمارس عليها الضغوط. هذا الركود الإداري يترجم إلى خدمات متدنية الجودة تقدم من خلال موظفين يمنون على المراجعين الخدمة ويتجهمون في وجوههم وتعامل جاف يخرج في كثير من الأحيان عن حدود الأدب. وهذه من المفارقات العجيبة إذ من المفترض أنهم يعملون في قطاع الخدمة المدنية أي أنهم خدام لعموم الناس.
من المظاهر المؤسفة التي توضح حجم اللامبالاة وتردي الخدمات العامة أن يحضر المراجعون قبل الموظفين وأن ينصرف الموظفون قبل المراجعين. وللأسف أصبح عدم احترام أوقات الحضور والانصراف أمرا مألوفا مقبولا وجزءا من ثقافة الأجهزة الحكومية حتى أنه لا يستطيع أي أحد التجرؤ على مساءلة الموظفين عدم التزامهم بالدوام الرسمي فضلا عن محاسبتهم! إنه سلوك ينطوي وراءه السر العظيم للتخلف الإداري العائق الأول للتنمية الوطنية. هناك جهود كبيرة تبذل في الإصلاح الإداري إلا أنها تنظيمات لا تلامس الواقع الإداري ولا تقترب من لب القضية الإدارية وهي إعادة التثقيف الإداري وتطوير السلوك ليس بالتدريب وحسب ولكن عبر إجراءات إدارية ومهنية صارمة تعاقب المتهاونين وتحقق الانضباطية. فالمساءلة تتعلق بالمصلحة العليا للوطن ليس في حاضره وحسب ولكن في رسم مستقبله وقدرته وتمكينه على مواجهة التحديات في ظل المنافسة العالمية الشرسة. من هذا المنطلق يتطلب أن توجه جهود الإصلاح الإداري نحو التفكير خارج الصندوق وإعادة هيكلة صنع القرار العام ووضع حد لاحتكاره من قبل البيروقراطيات. لم يعد يكفي أن يرتكز الاهتمام على تطوير الإجراءات داخل كل جهاز على حده، وإنما الأمر يستوجب نظرة شاملة لنظام الإدارة العامة مبنية على استراتجية وطنية لـ 30 عاما مقبلة، وكيف يمكن الربط بين جهود الأجهزة في تحقيقها من جهة والمدخلات والمخرجات وتحقيق النتائج من جهة أخرى. هذا المنطلق الحقيقي والواقعي للتطوير الإداري، حيث يكون هناك وعي كامل ماذا نعمل ولم نعمل. ومتى ما كانت العلاقة واضحة بين المدخلات والنتائج وتحديد معايير الأداء وجهات رقابية اجتماعية على الأجهزة الحكومية لن يكون هناك مجال للتسيب وأن يعامل المراجعون بصلف واستعلاء وأن يستجدي المراجع الخدمة استجداء وأن ينتفخ ملف المعاملة بالأوراق وأن تكون الإجراءات معقدة وعقيمة تستهلك الوقت لا تنسجم مع روح العصر ولا تستجيب للمتغيرات والمستجدات في المجتمع. لكن هيهات أن نستطيع أن نحدث التغيير الإداري المطلوب ونحن مكبلون بقيود البيروقراطية فحتى إصلاح البيروقراطيات تقوم به بيروقراطية أخرى! ومعالجة المشكلات البيروقراطية يكون بإضافة بيروقراطيات جديدة بنظرة مجزأة تمنحنا الشعور بالإنجاز والإصلاح والتطوير لتظل المشكلة الإدارية مختبئة نعاني أعراضها ولا نستطيع مواجهتها. إعادة تثقيف المنظمات الحكومية أمر حتمي لكنه صعب ومصدر صعوبته أنه خفي لا يدرك في خضم الضغوط اليومية ليستمر التسيب الإداري متجذرا في هذه المنظمات لا ينفك عنها ويظل الموظفون ينعمون بنظامية مخالفة النظام!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي