عبث الدراما الرمضانية جلب الصداع للمنازل

عبث الدراما الرمضانية جلب الصداع للمنازل

عام مضى على قراءتنا الأولى لظاهرة المسلسلات الرمضانية، حذف ما حذف من مقاطع، واعتذر من اعتذر، حتى انتهى كل شيء ولم يكن البعض يعرف لاحقا هل يفرح بالعيد لمفهومه البديهي فقط أم يفرح بكونه جاء ليضع حدا لهوس عبثي من الدراما والكوميديا والتراجيديا التي بقيت تغزو البيوت على مدار شهر كامل محاطة بكم مهول من دعايات العصير والشوربة ومشروبات الطاقة التي جلبت الصداع للرؤوس، العيد كان بمثابة الخلاص المؤقت للمشاهدين الذين بدأ يساورهم الغبن على المتابعة اليومية لأعمال لم تكن مشاهدتها أفضل ما يمكن فعله في تلك اللحظة، في الوقت الذي لا يبدو ذلك الشعور مهما بالنسبة للمنتجين الذين بدؤوا في العيد ذاته التفكير فيما يمكنهم فعله لرمضان القادم حينها، الحالي الآن.تغير الكثير منذ عام، كنا نجد وقتا للنقد النوعي، والآن يغمرنا الكم فلا نكاد ندرك شيئا إلا بشق''الأعين''، كنا نملك حق الاختيار بين برنامج ديني وآخر ثقافي والآن لا تكاد الخيارات تخرج عن نطاق مسلسل كوميدي أو آخر تاريخي أو ثالث مأساوي وفي رواية أخرى ''اجتماعي''، لا شيء محددا يمكن قوله في عام أنتج حصيلة من المسلسلات تكفي لتكون خطة برامج درامية كافية لتعرض على مدى عشرة أعوام في أي قناة هذا لو افترضنا أن القناة ستعرض عشرة مسلسلات في اليوم الواحد! هذه الحصيلة تقف جنباً إلى جنب مع حصيلة أخرى تتحدث عن معدل ست دقائق قراءة في السنة، وأربعة كتب سنويا لكل مليون عربي، وكما ذكرنا سابقا هذا العام يعد الأعلى في تاريخ الإنتاج العربي بما يتجاوز مائة مسلسل تعرض جميعها في شهر فقط!هذا لا يعني فقط أن العرب - وعلى غير العادة- أصبحوا مؤهلين للمنافسة العالمية في مجال ما، وهو حشد أكبر من الإنتاج الفني في نطاق زمني ضيق، بل يعني أيضا أننا أمام وجود مستهلك تلفزيوني يتم إغراقه في مقابل المراهنة على معناه الاستهلاكي الأوسع ليكون محركاً لعجلة معلن متحفز وقنوات مستعدة بكل أنواع الفواصل والشارات السابقة واللاحقة والأثنائية أيضا، طبعا في ظل مسلسلات آخذة في التناسل الكمي على نحو يجعلها تضيف رقما فقط في كل عام على قصة انتهت غالبا في جزئها الأول وتم إعادة تأهيلها بطريقة أو بأخرى، وهو الأمر الذي جعل كاتبة كأمل زاهد في جريدة ''الوطن'' تطالب بعدم مهاجمة المسلسلات نظرا لامتلاكها مقومات مهاجمة نفسها من خلال إفلاس مطرد ومحتوى مفرغ، غير أن هذا البعد المعنوي النقدي لا يغير شيئا في قواعد اللعبة المادية التي تصر دائما على مخاطبة الجمهور بما يريد، في ظل وجود مستهلك ينجح دائما في أن يكون وفيا لهذه المنتجات لكي تنهال عليه بهذا الكم دونما خشية لثورة معلوماتية ولا لأزمة اقتصادية.
لست بحاجة لتقييم مدة جودة أو متعة الإعلانات التلفزيونية الرمضانية، عليك فقط أن تعرف أن فواصلها الموسيقية وحواراتها المكررة ستبقى تراود عقلك الباطن لوقت غير قصير بعد نهاية الشهر الكريم، وحتى ذلك الوقت ليس عليك إلا أن ترفع ورقة من الأرض لتجد عليها إعلان مسلسل كوميدي، أو أن تفتح ثلاجتك فتجد مسلسلا تاريخيا، حتى حين تتعثر وأنت في طريقك فقد يكون ذلك بفعل ''عمل''علق بك عبر الأثير نتيجة مرورك العابر على مسلسل يحاصرك للعام الثاني برعب الشعوذة، وقد تكون تعثرت لأن سهما''طاش''من إحدى المعارك التاريخية في أحد المسلسلات ليسقط أمامك، في لوحات الشارع ستجد قناة تعرض عليك ''باقة'' مما لذ وطاب لها ولمعلنها من أعمال تستهدف حسك الاستهلاكي الأصيل، وصور كبيرة لممثلين ودعاة ولاعبي كرة قدم وفنانين وأشخاص لا يعرفهم أحد أحيانا جميعهم ينظرون لك بابتسامة ويطالبونك بمشاهدتهم، ستهرب من عاصفة تلفازك الأثير نحو فراشك الوثير، ومازال صوت الشارة الموسيقية للإعلان يتردد في لاوعيك على صورة أشخاص يحملون هلالاً يدخلونه حينا ويخرجونه حينا آخر، تنقلب على الناحية الأخرى فتحاصرك مقطوعة غنائية لا تخلو من وحشية في الصوت تكاد تصف وضعك بدقة في تلك اللحظة وتقول ''أم الحالة.. أم الحالة!!''

الأكثر قراءة