كيف ولماذا نتشبث بثقافتنا؟ في السويد .. كيف تحول الناس إلى نبذ العنف؟

في هذه الرسالة سأحاول تكملة المشوار الذي بدأته في الرسالة السابقة وذلك بإعطاء قرائنا الأعزاء إطارا نظريا ومن ثم الاستعانة بممارسة ثقافية من السويد، البلد الذي ينظر الكثيرون إليه اليوم كنموزج للإيواء الإنساني وقبول الآخر.
أنا أعلم أن كثيرا من القراء متلهفون للتعرف على الأجوبة للأسئلة الكثيرة التي أثرتها في المقالات السابقة ولا سيما مسألة المقاربة بين الإسلام كفكر ومنهج حياة والعصر الحديث بما يكتنفه من غموض رغم التطور الهائل ولاسيما في نظم التكنولوجيا والمعرفة. وأعدهم بالعودة إلى تلك الأسئلة في القريب العاجل.
الثقافة تفرض نفسها علينا ونحن أطفال صغار. من منا اختار بنفسه وإرادته الحرة الدين الذي هو عليه. إننا نتبع الدين الذي عليه آباؤنا وأمهاتنا إن كنا مسيحيين أو مسلمين أو بوذيين أو غير ذلك.
وقس على ذلك الأغلبية الساحقة من الممارسات الثقافية التي نقوم بها، الطفل الهندوسي يقدس البقرة لأن والديه والمجتمع الذي نشأ فيه لقّناه ذلك. فلا غرو أن نرى الكثير من الهندوس يفدون ذواتهم لمفاهيمهم الثقافية التي من وجهة نظرنا الدينية باطلة. ويجب ألا نستغرب، إن نظر الهندوسي إلى ممارساتنا الثقافية بالنظرة نفسها التي نراه من خلالها.
وهكذا إذا أردنا معرفة القيم الثقافية لأي مجتمع أو فرد في المجتمع علينا أولا معرفة التربية البيتية والمدرسية لذلك المجتمع في مرحلة الطفولة. تربية الطفل في البيت والمدرسة لها أكبر أثر في نشأة المجتمع والفرد لأننا نعكس الكثير الكثير مما تعلمناه ونحن صغار في تصرفاتنا وممارساتنا ونحن كبار.
من خلال التربية البيتية والمدرسية نتعلم ونحن صغار الجيد والرديء، والحلال الحرام، والشريف والمهين، والمسموح والممنوع، والمحبوب والمنبوذ من الممارسة الثقافية. والممارسة هذه هي بنت مجتمعها ولكن غالبا ما يكون للمحيط الاجتماعي الغلبة على الخيار الفردي فيها.
وباختصار شديد فإن البيئة والمحيط والتربية النابعة منهما تمنح الطفل القدرة الثقافية التي تؤهله كي يصبح عضوا فاعلا في المجتمع الذي ينتمي إليه وفيه ومن خلاله يستقي السعادة، وإن تكن من وجهة نظر الآخرين تعاسة.
"تصرف مثل الناس" عبارة غالبا ما تقال لأفراد وهم في طريقهم لدخول المجتمع كأعضاء نافعين وفاعلين. وإن قيلت في السعودية مثلا فإنها تعني أن الفرد المعني بالعبارة عليه التشبث بالممارسة الثقافية الرائجة والمقبولة في هذا البلد وليس الممارسة الرائجة والمقبولة في الصين أو تايلاند على سبيل المثال.
والنمو الثقافي لا يقف عند الطفولة. نحن ننمو ثقافيا بتقدم العمر، ولكن بنسبة ضئيلة مقارنة بما حصلنا عليه ونحن صغار. وكلما كبرنا ازداد وعينا واستيعابنا للممارسات الثقافية المختلفة فنبدأ، بمقارنة ما عندنا بما لدى الآخرين وقد يحدث ألا نكون سعداء عندئذ بممارساتنا ولكننا نتشبث بها مع ذلك. والتشبث بالممارسة الثقافية قد يصل إلى درجة الشهادة، ولهذا يفضل كثير من الأفراد بتر عضو من جسمهم على قبول مخالفة صريحة لممارسة ثقافية يقدسها المجتمع.
هذه مقدمة يسيرة جدا لكيف ولماذا نتشبث بثقافتنا، ولنعد الآن إلى السويد وندرس بإيجاز أيضا ما يحصل الإنسان عليه عند الصغر في البيت أو في المدرسة من التربية الثقافية وكيفية تطبيقها عند الكبر وقد أوردنا مثالا عمليا لها عن دور الكنيسة ومدى ابتعادها عن العنف ودورها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في الموضوع المنشور في هذه الجريدة (انظر صفحة الرأي ....)
ليس هناك شيء في السويد أهم من التربية المدرسية، بلغت تخصيصات وزارة التربية لهذا العام (2009) أكثر من 53 مليار كرون أي نحو سبعة مليارات دولار ولا يتجاوز عدد منتسبي الوزارة أكثر من 200 شخص، وهذا معناه أنه جرى تقليص النفقات الإدارية إلى أدنى حدّ ممكن. وكي تخمّن عزيزي القارئ أهمية هذا المبلغ فإنه يساوي نحو خمس ميزانية مصر التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، ونحو نصف ميزانية سورية التي يبلغ عدد سكانها 20 مليون نسمة.
الحديث عن التربية والتعليم في السويد لا يمكن منحه حقه في هذه العجالة، ودعنا نركز على ممارسة ثقافية واحدة فقط يعيرها المجتمع السويدي أهمية بالغة ألا وهي "ثقافة الأعنف" أي عدم استخدام العنف في التعامل بين أفراد المجتمع ونبذه وفضحه إذا وقع داخل السويد أو خارجها.
والعنف في السويد لا يعني العنف الجسدي فقط. إنه يشمل العنف الفكري والعنف ضد الطبيعة أو أي ممارسة غرضها انتهاك قيمة الإنسان كأرفع مخلوق على وجه الأرض.
وأول من يطبق ذلك هم المنتمون إلى سلك التعليم. فالعنف الجسدي والفكري والأيديولوجي يعاقب عليه القانون إن حدث في أي مرحلة من التعليم. وقد حدث أن أحيل مدرس إلى المحكمة وأودع السجن لأنه جرّ أحد تلامذته من رقبته بقسوة.
وكثيرا ما يحدث أن يعاقب أحد الوالدين بالسجن أو الغرامة إن شاهد أحد المدرسين آثار الضرب على التلاميذ سببها البيت. وهناك هواتف خاصة ومجانية مفتوحة ليلا ونهارا يمكن لأي شخص ولا سيما الأطفال والنساء الاتصال بها والتبليغ عن أي ممارسة عنيفة.
ولا يحق للمدرسين في مختلف المراحل تلقين أو توجيه التلاميذ حسب المفاهيم الدينية أو الفكرية أو الأيديولوجية التي ينتمون إليها. وإن حدث ذلك غالبا ما يطرد المدرس من المدرسة. ويتم تنشئة التلاميذ على حب الطبيعة بأشجارها وطيورها وحيواناتها.
لا أظن أن التلاميذ والطلبة في أي مكان آخر من العالم يسافرون داخل البلد وخارجه للتطبيق النظري لهذه الممارسة الثقافية مثل السويد. الرحلات المدرسية داخل البلد تنظم لتعليم التلاميذ كيفية الاعتناء بالطبيعة وحماية الأشجار والغابات والرفق بالحيوان.
لم ألحظ سويديا يقطع شجرة أو غصن شجرة. ولم ألحظ سويديا يستفز حيوانا أو طيرا. فالطيور تعشش بين البيوت وتقترب من الإنسان وكأنها على علاقة حميمة معه. والأرانب تسرح وتمرح بين البيوت في مدينتنا، أما الطيور المائية التي لا مقدرة لها على الطيران فلها من الحرية أن تعبر الشارع وتنتظرها السيارات بفارغ الصبر كي تصل إلى الجهة الأخرى.
وإن حدث أن داست سيارة شخصا وتوفي يتحول المكان إلى مزار يؤمه الناس بالزهور والشموع رغم أن العنف غالبا ما يكون دون قصد في هذه الحالات. أما القتل العمد فله قصة أخرى حيث تتناوله الجرائد على صفحاتها الأولى ويحتل مكانا بارزا في نشرات الأخبار ويدرسه من جميع جوانبه المختصون من أكاديميين وغيرهم.
ولأن العنف في جميع أشكاله وأغراضه ممارسة ثقافية مهينة ومنبوذة ورديئة وغير مقبولة على الإطلاق في السويد ينظر إليها السويديون باستغراب شديد يفوق الاستغراب والتعجب الذي يلازمنا عندما نرى هندوسيا يعبد بقرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي