هيئة السوق المالية ومهنة المحاسبة
لم يعد هناك شك في التأثير البالغ لمهنة المحاسبة والمراجعة في الاقتصاد العالمي، فلقد تبين ذلك الأثر الخطير للمعايير المحاسبية على قرارات المستثمرين وتنبؤات المحللين وسلوك الأسواق المالية. لم تعد القضية مجرد عرض للقوائم المالية وتحديد نسب الملكية والديون، ولم تعد أهمية المعايير المحاسبية مرتبطة بأثرها في الضرائب وإيرادات الدولة، بل وصلت إلى سلامة النظام الاقتصادي ككل وكفاءة مؤسساته. فمنذ انهيار الشركات الكبرى أوائل القرن الحالي والانتشار الخطير والواسع لأساليب المحاسبة الإبداعية Creative Accounting ، خاصة مع وصول المحاسبين المحترفين والمؤهلين إلى مناصب قيادية تنفيذية عليا، تبين للعالم خطورة صناعة المعايير المحاسبية وخطورة أعمال المراجعين، سواء الداخليين أو الخارجيين فهؤلاء في مجملهم هم حراس النظام الرأسمالي الحديث وسلامة أعمالهم تضمن سلامته.
من أجل ذلك اتجهت هيئة السوق المالية الأمريكية SEC إلى السيطرة على مهنة المحاسبية والمراجعة وأنشأ الكونجرس الأمريكي هيئة خاصة تشرف على مهنة المراجعة وتطوير معاييرها تحت إشراف مباشر لـ SEC والتي تقوم بتعيين المسؤولين في هذه الهيئة. هذه الإجراءات أنهت العصر الذهبي لمهنة المحاسبة والمراجعة في الولايات المتحدة عندما كان المحاسبون والمراجعون يشرفون على مهنتهم بحكم تخصصهم وأنهم وحدهم القادرون على تحديد الأنسب بينما على المجتمع تقبل تلك المعايير والآراء.
في مقابل ذلك، تعمل الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيينSOCPA تحت إشراف وزارة التجارة على أنها تتمتع ببعض الاستقلال في عملية إصدار المعايير والإشراف على المراجعين. فعلاقة SOCPA بوزارة التجارة تعود إلى أن سجل المحاسبين المرخص لهم لم يزل بيد وزارة التجارة، ذلك أن مهنة المحاسبة والمراجعة تعد مهنة حرة والترخيص لمزاولة المهن الحرة من صلاحيات وزارة التجارة. فالهيئة تقوم باختبار المرشح لمزاولة المهنة وتمنحه شهادة الزمالة التي تعتبر من أهم مصوغات التسجيل في سجل المحاسبين المرخص لهم - ضمن شروط أخرى. وإذا كان وضع هيئة المحاسبين SOCPA في ظل هذه الهيكلة مقبولا قبل عقد من الزمان فإنه أصبح محل شك اليوم، وخاصة مع ظهور هيئة السوق المالية CMA على الساحة الاقتصادية السعودية.
فمن الملاحظ غياب أي تمثيل لهيئة السوق المالية في مجلس إدارة هيئة المحاسبين القانونيين، ما يعني غياب أي تأثير أو توجيه لهيئة السوق المالية على قرارات SOCPA وهذا في نظري خلل لا بد من تجاوزه. فعلى الرغم من وجود عدد من منسوبي هيئة السوق المالية في اللجان الفنية لهيئة المحاسبين القانونيين إلا أنني أعتقد أن ذلك لا يعتبر تمثيلا ومشاركة من هيئة السوق المالية، بل مجرد اختيار - باستقلالية - من قبل هيئة المحاسبين القانونين، فلا يوجد في نظام SOCPA ما يجبرها على اختيار ممثل لـ CMA من ضمن أي لجنة من لجانها.
القضية ليست سياسة Politic، بل فلسفة مسار وتوجه اقتصادي خطير. فما هي الأسباب المنطقية التي تفسر بقاء SOCAP تحت إشراف وزارة التجارة، بينما المعايير المحاسبية التي تصدرها تؤثر بشكل أساسي في السوق المالية وفي مشكلة الإفصاح الأزلية. ما الذي يهم وزارة التجارة - بشكل أساسي ومباشر - في مشكلة الإفصاح في الشركات، سواء تطور أو بقي على حاله طالما أن هذه الشركات تلتزم بالنظام - العتيق - وتقدم قوائم مالية وتعقد جمعية عامة.
إن أبرز مثال يمكن أن يوضح لنا العلاقات المهمة بين أطراف المعادلة هو قضيتا بيشة وأنعام. فقد مارست إدارة هاتين الشركتين ولسنوات طويلة نفس الأساليب وعقدت عشرات الجمعيات العامة العادية وغير العادية ولم تحرك وزارة التجارة ساكنا برغم الملاحظات والتحفظات على القوائم المالية التي يعرضها مراجعو الحسابات في تقاريرهم كل سنة. ولكن مع ظهور السوق المالية والتلاعب الكبير الذي شهدته أسهم هاتين الشركتين نلاحظ أن هيئة السوق تعاملت بحزم مع مشكلة الإفصاح، وأخذت برأي مراجع الحسابات وطالبت بتعديل القوائم المالية وفقا لوجهة نظره، كما اتخذت الهيئة قرارات بإيقاف التداول حتى تعديل القوائم المالية، وفقا ''للمعايير المحاسبية''. هنا يتضح التفاعل القوي الذي أبدته CMA مع تقرير المراجع والقرارات الخطيرة جدا على أموال المستثمرين التي أقرتها استنادا إلى تقرير المراجع وخبرته، لذلك أستغرب كيف لا يكون لها دور فاعل جدا في عملية ممارسته لمهنته وفي عملية فحص أدائه، بينما لوزارة التجارة مثل هذا التأثير؟ لا ألوم وزارة التجارة فليس من مهامها مراجعة وتدقيق القوائم المالية أو حتى اتخاذ إجراءات معينة عند مخالفة المعايير المحاسبية لكني ألوم هيئة السوق المالية التي لم تناقش هذه المسألة حتى الآن.
من المعلوم لكل مهتم بمهنة المحاسبة والمراجعة ذلك الزحف الكبير للمعايير الدولية وتأثيره البالغ في اقتصاد الدول. تقف هيئة المحاسبين القانونيين SOCPA وحيدة في الميدان دون أن تجد دعما أو مؤازرة من أي جهة بينما تأثير هذه المعايير إن حدث سيمتد إلى السوق المالية دون أدنى شك. هيئة المحاسبين تعمل بخبرة سنوات طويلة مع الوضع الاقتصادي المحلي وهي في نقاشات لا نهائية مع كل معيار تصدره لذلك فهي أقدر على تحديد مناسبة المعايير الدولية بوضعها الحالي للسوق السعودية ومدى الحاجة للتغيير. لكن التعامل مع المعايير الدولية - بكل أشكال التعامل - يحتاج إلى دعم مباشر وليس مجرد منح وميزانية تشغيلية لا تسمن ولا تغني من جوع. أعتقد أن مرحلة الغطاء القانوني والسياسي الذي كانت هيئة المحاسبين القانونيين بحاجة إليه قد انتهت وهي بحاجة اليوم إلى منظومة من الدعم تكفل لها بيئة عمل حقيقية قادرة على مواجهة تحديات اقتصاد القرن 21. وفي الطرف المقابل تحتاج هيئة السوق المالية إلى منظومة عمل تكفل لها التأثير في صناعة المعايير لتطوير الإفصاح وتكفل لها تحسن أداء المراجعين وتقاريرهم. لذلك فإن منظومة جديدة من العمل بين الطرفين ستحقق مصالح مشتركة للجميع وسيكون الاقتصاد السعودي هو الرابح الأكبر.