حكم عصير الفجل يا شيخ؟!
كثيراً ما أستمتع بمتابعة أسئلة المتصلين على برامج الإفتاء خصوصاً خلال شهر رمضان المبارك فهو موسمها الأهم الذي لا تكاد تخلو فيه قناة فضائية أو إذاعة من برنامج يستقبل كل ماهب ودب من الاتصالات. وسر استمتاعي يكمن في طرافة الكثير من الأسئلة التي يوجهها السادة المتصلون للشيوخ, لدرجة أنني بدأت أفكر جديّاً في جمع أكبر كم من الأسئلة الطريفة وإجابتها الأطرف وإصدارها في كتاب بعنوان أحدها وهو ''حكم عصير الفجل ياشيخ؟!''.
طبعاً لا يخفى على المتابع أن الكثير من هؤلاء المتصلين يمارسون هواية ''الاستهبال'' لا أكثر, وبعضهم حمقى بالفطرة, وهذا لا ينفي وجود كم كبير من الجادين الذين يبحثون عن إجابات لما استشكل عليهم في أمور دينهم, لكن هذه الفئة الأخيرة لا تحمس الكثيرين للمتابعة.
قبل أيام كنت أتابع برنامجاً للإفتاء على شاشة إحدى الفضائيات العربية, وكدت أتمدد ضحكاً من ملامح الذهول والحرج التي قفزت على وجه مذيع البرنامج وهو يحاول قطع مكالمة شخص قرر ''الاستهبال'' على الشيخ المستضاف, وأعجبني كثيراً موقف الشيخ الذي هدَّأ من روع المذيع وهو يؤكد له دون أن يبدو عليه أي تأثر أن من حق السائل طرح سؤاله كاملاً, واسمحوا لي أن أعتذر عن إيراد السؤال هنا حتى لا أجرح صيامكم. ما وددت إيضاحه من هذا النموذج هو أن هناك فقهاء يتمتعون بحكمة كبيرة ورباطة جأش تجعلهم يتجاوزون مواقف هكذا بكل بساطة, فيما لا تحتمل فئة منهم بعض الأسئلة التي قد تكون جادة ولا استهزاء فيها فينزلقون إلى مهاجمة المستفتي, وهذا طبعاً ما يهدف إليه السادة ''المستهبلون''. والأمثلة على ذلك كثيرة حتى قبل ظهور برامج الإفتاء, ومنها ما ذكره ''أحمد الغماري'' عن فقيه مشهور عاصره من أنه كان ضيق الصدر شرس الأخلاق جداً، يحصل له في درسه مع السائلين مناوشات ومشاتمات ومضاربات ونوادر غريبة مشهورة عنه، فكان إذا سأله سائل يجيبه أول مرة، فإذا أعاد عليه السؤال للتحقيق وحل ما أشكل من جوابه يبادره بقوله: اسكت يلعن أبوك. فمنهم من يتحمل له ذلك، ومنهم من يقوم، ومنهم من يشتمه بالمثل فيضربه (الشيخ) بنعله أو ينزل إليه من الكرسي ويتقاتلان!
وعلى خلاف سلوك هذا الفقيه, يتميز فقهاء وعلماء كثر برحابة الصدر, والحس الفكاهي, ومنهم علماء أفاضل وشيوخ أجلاء من الموجودين في ميدان الإفتاء اليوم, وقد سأل أحدهم سائل ''مستهبل'' في برنامج للإفتاء عن حكم أكل لحم البطريق, فما كان منه إلا أن قال: ''إذا لقيته فكله!'', وقالت له إحدى المتصلات يوماً: ''يا شيخ.. أمي امرأة كبيرة في السن وتزحف لكونها لا تستطيع المشي.. وسؤالي هو: هل أمي تعتبر من القواعد من النساء؟!'' فرد عليها ضاحكاً بقوله: ''لا.. أمك من الزواحف!'', وهناك عالم فاضل آخر قال له أحد ''المستهبلين'' على الهواء مباشرة ما معناه: يا شيخ.. امرأتي قبيحة وسيئة الأخلاق و فيها وفيها .. لدرجة أنه لم يبق عيباً معقولاً وغير معقول إلا وصفها به وكان يتحدث بصيغة تبين أن امرأته قريبة منه وتسمع حديثه, وعندما انتهى من كلامه, ضحك الشيخ قائلاً: ''عندنا وعندك خير''!
ولعل من أطرف الإجابات على أسئلة المستفتين إجابة لعالم مشهور من إحدى الدول العربية التي كانت تشهد انتخابات رئاسية عندما طرحت عليه إحدى السيدات سؤالاً عن حكم تصويتها في الانتخابات رغم أن زوجها منعها من ذلك وهددها بالطلاق, فأجابها بقوله: ''إذا كانت الانتخابات ستؤدي إلى الطلاق فالأولى ترك المشاركة فيها، خصوصا إذا كانت انتخابات (بلدك)؛ لأن نتيجتها مقررة سلفاً, ومهما يكن صدقك وإحساسك بالمسؤولية في الإدلاء بصوتك، فلا شيء يضمن أن المزورين سيسمحون لذلك الصوت بالتأثير''!