هل يمكن أن تعود الدولة البوليسية؟
كانت سوق الكتب الرئيسية في شارع المتنبي في بغداد الأسبوع الماضي أشبه بخلية من الأحاديث الغاضبة. واشتكى التجار من قوانين الرقابة الجديدة بالقول إن ''هذه ليست حرية التعبير'' وتحدثوا عن تنظيم مظاهرة مثل مظاهرة الشهر الماضي، حين احتج الصحافيون على القيود الجديدة.
ولكن هل سيجرؤ باعة الكتب على ذلك؟ فقد قالوا إنهم يشعرون فعلا بالقلق من أن يكون رجال الشرطة السرية يسجلون أسماءهم. وربما يجب عليهم بدلا من ذلك الذهاب إلى المحكمة ومحاربة الرقابة بمساعدة المحامين. ويقول أحد تجار الكتب: ''هذا غير وارد. فهذا هو العراق الجديد''. وأضاف أن الحماية القانونية لا تهم كثيرا، لأن ''الرجال الذين يملكون الأسلحة هم الذين حصلوا على السلطة''. ومعه حق في ذلك. فقد عملت الحكومة بقيادة الشيعة على تضخيم أجهزة الدولة الأمنية. وأصبحت انتهاكات حقوق الإنسان أكثر شيوعا. ويتساءل كثير من العراقيين سرا، خاصة المثقفين منهم، فيما إذا كانت دولتهم تنزلق ثانية إلى الدولة البوليسية.
وبدأت العادات القديمة من عهد صدام حسين تصبح أكثر شيوعا مرة أخرى. فالتعذيب أمر روتيني في مراكز الاعتقال الحكومية. ويقول سامر موسكاتي، الذي يعمل في منظمة Human Rights Watch في نيويورك: ''الأمور سيئة وتزداد سوءا، حتى حسب المعايير الإقليمية''. وتفيد تقارير منظمته إلى أنه مع غياب الرقابة الأمريكية (وإن كان الأمريكيون قد ارتكبوا انتهاكات شائنة في أماكن مثل سجن أبو غريب)، عاد رجال الشرطة والأمن العراقيون إلى انتزاع أظافر المحتجزين وضربهم، حتى أولئك الذين اعترفوا. ويروي أحد السجناء السابقين كيف أدرك، بعد فترة من التعذيب في إحدى الوزارات الحكومية استمرت لمدة خمسة أيام وأصابته بالعرج، أنه كان محظوظا نسبيا. فحين عاد إلى زملائه السجناء، قال إنه رأى أن العديد منهم فقدوا أحد أطرافهم أو أعضائهم. ويزدحم جهاز الأمن القومي بالنزلاء في أشد فتراته انهماكا منذ الإطاحة بصدام حسين قبل ست سنوات، خاصة في العاصمة. وفي تموز (يوليو)، أعادت شرطة بغداد فرض حظر التجول ليلا، مما سهل على الشرطة، التي تتلقى الأوامر من السياسيين، اعتقال الأشخاص المكروهين من قبل الحكومة بقيادة الشيعة. ويستهدف رجال الشرطة على وجه الخصوص قادة مجالس الصحوة، وهي جماعات من السنة كان العديد من أفرادها متمردين ومتعاطفين سابقين معهم ساعدوا الحكومة على طرد أو اعتقال المتمردين السنة الذين رفضوا التعاون. وبدلا من اجتذابهم إلى مؤسسة السلطة الجديدة، تم سجن العديد منهم في الأشهر القليلة الماضية. وفي أكثر الحالات الحساسة، تم القيام بالاعتقالات من قبل وحدة خاصة تسمى لواء بغداد، وتعرف أيضا باسم ''الفرقة القذرة''، والتي يقال إنها تقدم تقاريرها لمكتب رئيس الوزراء، نوري المالكي.
وكان من المفترض أن يحمي القانون القضائي الذي ترعاه أمريكا الحقوق المدنية للعراقيين. ولكنه يتعرض لضغوط شديدة، حيث يتم جلب نحو 1.500 شخص إلى السجون شهريا بسبب قيام الأمريكيين بإفراغ سجونها في العراق. وانخفض عدد العراقيين في السجون التي يديرها الأمريكيون إلى أقل من 9.000 شخص بعد أن بلغ عددهم أكثر من 21.000 شخص قبل عام، في حين ارتفع العدد في سجون العراق من 35.000 في شباط (فبراير) إلى أكثر من 40.000 اليوم. علاوة على ذلك، أصبحت الأحكام أكثر قسوة، ويزيد عدد الأشخاص الذين يحكم عليهم بالإعدام. ففي يوم واحد في حزيران (يونيو) تم شنق 19 شخصا في بغداد. ويقول تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية في بريطانيا إن أكثر من 1.000 عراقي يواجهون الإعدام، غالبا على أساس اعترافات يقول التقرير إنه يتم الحصول عليها أحيانا تحت التعذيب.
ويعتبر الصحافيون من أبرز ضحايا النظام القضائي العراقي. وفي تموز (يوليو)، تم اعتقال أحدهم لقيامه بتصوير ازدحام مروري في بغداد، بعد أن اعتبرت صوره ''سلبية'' لأنها تسخر من تأكيدات المالكي بأن الحياة في العاصمة بدأت بالتحسن. وفي العام الماضي، انخفض العراق إلى المكانة 158 من أصل 173 - أدنى تصنيف له منذ الغزو الأمريكي - في جدول حرية الصحافة الذي وضعته منظمة مراسلون بلا حدود، وهي جماعة ضغط في باريس، والذي يكشف عن تراجع الحرية في العديد من الدول.
وقد أعلنت الحكومة أخيرا عن خطط لفرض رقابة على الكتب المستوردة وكذلك على الإنترنت، قائلة إنها تريد حظر منشورات الكراهية والمواد الإباحية. إلا أن مراقبي حقوق الإنسان يخشون أن تكون تلك خطوة تمهيدية نحو شبكة أوسع من الرقابة. وتواجه مقاهي الإنترنت قواعد جديدة تلزمها بالتسجيل. وقد يفقد العديد من كتاب المدونات وغيرهم من متبادلي الرسائل الإلكترونية هويتهم المجهولة التي تحميهم.
ويقول بعض العراقيين إنهم يوافقون على هذه الحملة لإعادة تطبيق الضوابط الاجتماعية. فهم يعتقدون أنها طريقة جيدة لمحاربة العنف الطائفي. ولكن حتى لو كان الحد من الحرية سيؤدي إلى زيادة الأمن، فإن القوانين الجديدة جزء من صراع قوة وشيك قد يكون عنيفا. فالمؤسسة الجديدة لم ترسخ بعد نظاما سياسيا متينا، على الرغم من إقرار دستورين منذ الإطاحة بصدام حسين. وتريد الحكومة الفيدرالية بقيادة الشيعة في بغداد إقامة دولة موحدة قوية، في حين لا يزال الأكراد وبعض الجماعات الأخرى يسعون لإقامة دولة فيدرالية.
وعلى أية حال، يحاول المالكي وأصدقاؤه ضمان أكبر قدر ممكن من السيطرة على مقاليد السلطة في الفترة التي تسبق الانتخابات العامة في كانون الثاني (يناير)، وبحماس أكبر من ذي قبل منذ أن أضرت سلسلة التفجيرات الكبيرة في بغداد خلال الشهرين الماضيين بسمعته بشكل كبير بوصفه ضامن السلامة العامة. وتسعى حكومته أيضا إلى تشديد القواعد لتنظيم الأحزاب السياسية والجمعيات المستقلة (بما في ذلك الجمعيات الخيرية)، مما يثير المزيد من الخوف. وتقول ميسون الدملوجي، العضو الليبرالي في البرلمان: ''ليست تلك هي الطريقة التي يتم بها بناء الديمقراطية''. ومن السابق لأوانه القول إن العراق سيعود لتطبيق معايير صدام البشعة. فالبرلمان متنوع وقوي. والصحافة لا تزال تبث مجموعة من الآراء العامة. ولم تصبح المحاكم بعد لينة ومطواعة. إلا أن الاتجاه يسير في الطريق الخاطئ. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين الذي يملك خبرة طويلة في العراق: ''ستكون تلك دولة بوليسية بلا شك. وسيستغرق الأمر عامين أو ثلاثة، إلا أن هذا سيحدث'' >