هل انتهى الركود الاقتصادي الحالي؟ سياق تاريخي

أعلنت هيئات ومنظمات اقتصادية كبرى مؤشرات تدل على اتجاه الركود الحالي إلى الانتهاء، ومن المرجح جدا أن يجيء هذا الانتهاء في وقت أبكر مما كان يظن قبل شهور (بعض الناس ينقل عنهم الإعلان بانتهاء الركود وهذه عبارة غير دقيقة). وكلمة حالي وضعت للتمييز عن الركودات السابقة، ولا تتضمن بالضرورة أن الركود ما زال مستمرا. وكان آخر ما صدر في هذا الاتجاه – حسب علمي - تقرير التقييم الاقتصادي غير النهائي الصادر من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في الثالث من أيلول (سبتمبر) 2009. والذي توقع أن تكون معدلات انكماش النواتج المحلية الإجمالية للدول الغربية خلال هذا العام أقل مما سبق توقعه قبل أشهر قليلة.
رغم ذلك لا تخلو التقارير الصادرة من تلك الهيئات من التأكيد على أن العودة إلى ما يسمى بالأوضاع الطبيعية يسير غالبا ببطء ويتطلب وقتا. ولكن مثل هذه العبارات تجلب تساؤلات، فالدول تتفاوت في ظروفها، بل حتى داخل الدولة الواحدة هناك تفاوت بين القطاعات الاقتصادية في ظروف انتعاشها. وكما قال تولستوي بأن العوائل السعيدة تتشابه، ولكن كل عائلة غير سعيدة لا تتشابه مع العوائل الأخرى في طريقتها.
وأعني بالركود recession، التي تترجم أحيانا إلى انكماش. ويعرف الركود تقنيا بأنه انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أي بعد استبعاد أثر التضخم) يستمر أكثر من ربعين متتاليين، متسببا في تقلص حجم الإنتاج في الاقتصاد. أما إذا انخفض معدل النمو الاقتصادي، مع بقائه فوق الصفر فلا يعد ركودا بل تباطؤا.
وأتى الركود الاقتصادي الحالي تاليا لثاني أطول فترة نمو اقتصادي راسخ منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. ومن المؤكد أن يكون نهاية للتوسع الاقتصادي، فلكل شيء إذا ما تم نقصان. ويجلب التوسع نهايته بنفسه، لأنه يحفز سلوكيات تعمل على تقويض التوسع، وبالأخص يجلب التوسع ضغوطا تضخمية تصنع آثارا وسلوكيات تنهي التوسع. وقد رأينا في الأزمة المالية العالمية كيف أن النمو الاقتصادي العالمي أنتج إفراطا في السلوك المالي والذي بدوره وضع بذور الركود.
وتتأثر الآراء بانتهاء أو قرب انتهاء الركود الحالي باعتبارات كثيرة، وتتلخص في فحص وتقييم مؤشرات اقتصادية حقيقية ومالية، والفحص والتقييم يستند على التاريخ. والمسألة ليست علما محضا بل يجمع بين العلمية والفن.
والركود الحالي بدأ مع آخر 2007 أو مطلع 2008، ومؤكد أنه أطول كثيرا من الركودات السابقة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ متوسط طول كل ركود سابق (منذ الحرب العالمية الثانية) نحو عشرة أشهر ونصف. ولنستعرض آخر ركودين.
ركود 1990/91 إبان أزمة احتلال جيش صدام للكويت وركود 2001 مع أحداث سبتمبر المعروفة، كانا قصيرين وخفيفين نسبيا. ركود 1981/82 استغرق نحو عام وثلث عام، وارتفعت البطالة إلى حدود 11 في المائة، وهي نسبة أعلى من البطالة التي تواجهها الاقتصادات الغربية الآن ( نحو 9 في المائة في أمريكا). ركود 1981/82 جاء بعد الثورة الإيرانية وارتفاع أسعار النفط إلى أرقام قياسية مصحوبة بموجة تضخم عاتية. وقد تركزت اهتمامات رئيس مجلس الاحتياطي الأمريكي آنذاك (فولكر) على خفض التضخم برفع أسعار الفائدة، على حساب النمو الاقتصادي.
الصورة الآن معاكسة. رغم موجات التضخم خلال الشهور والسنوات السابقة، إلا أن اهتمامات مجلس الاحتياطي الأمريكي انصبت على خفض أسعار الفائدة، لتخفيف حدة الركود. بسبب وجود خلافات بين الظروف الاقتصادية الكلية الآن وظروف الركودين السابقين، اتجهت أنظار الاقتصاديين للمقارنة بالكساد الكبير في عقد الثلاثينيات من القرن الميلادي الماضي. وقد زاد من قناعة المقارنة وجود أوجه شبه كبيرة: تدهور أسواق الأسهم وتدني إنفاق المستهلكين. ورغم أوجه الشبه هذه، إلا أن هناك فروقات جوهرية أيضا. فالبطالة وصلت نحو 25 في المائة في الكساد الكبير، والناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة عالية جدا، قاربت 30 في المائة. وكلا النسبتين مستبعدتان جدا في الركود الحالي. فرق ثالث جوهري. انهار النظام البنكي آنذاك، ولم يكن هناك ضمانات على الودائع.
الركود الحالي أسوأ من الركودات السابقة التي تلت الحرب العالمية الثانية، لأن (الحالي) نبع من تصحيحات في أسواق الأصول (المالية) وهي تصحيحات عملت على القضاء على مدخرات وتصعيب أو تجميد النظام الائتماني.
ما الصورة الآن؟
بصفة عامة تدل المؤشرات على تحسن السوق المالية، ويبدو أن سوق الائتمان تتحرك من حالة الذعر إلى حالة الخوف.
ومن المؤشرات الداعمة البيانات الأولية الصادرة عن الصين بتحقيق نمو اقتصادي تجاوز 5 في المائة خلال النصف الأول من هذا العام.
وتشير المؤشرات إلى اتجاه الاقتصاد الحقيقي في الغرب إلى التحسن أو الاستقرار، ومن المؤشرات الأجور في غالبية القطاعات وأسعار النفط ومبيعات السيارات. ورغم ذلك فمازالت تلك المؤشرات أسوأ، وبصورة عامة، من التجارب السابقة التي تلت الحرب العالمية الثانية. ويلاحظ زيادة فيما يعرف بمدى أو تمدد BAA spread (عائد السندات نسبة إلى ما يخص أوراق الخزانة). وهذا المدى على دين BAA مؤشر على مدى قوة الخطر في أن الشركات ذات الجودة الأقل ستعلن التوقف عن السداد.
وخلاف ما سبق، هناك مشكلة المالية العامة الفيدرالية الأمريكية. فالعجز المتوقع العام القادم 2010 في حدود 1.2 ترليون دولار، وهو أقل من قرابة 1.7 ترليون دولار عجز قياسي متوقع هذا العام. وترى اللجنة المهتمة بميزانية فدرالية مسؤولة CRFB، بأن معظم المحايدين يرون بأن أمريكا وصلت حدا بالغ الخطورة في أوضاع ميزانيتها. ومقارنة بالكساد الكبير في عقد الثلاثينيات من القرن الميلادي الماضي، تشير المؤشرات إلى أن الركود الحالي أقل سوءا من ذلك الكساد الكبير. ولكن ليس في كل شيء، فمثلا انخفضت أسعار المنازل في الركود الحالي بصورة أقوى حدة مما حدث في فترة الكساد الكبير (على الأقل في أمريكا).
الخلاصة وبناء على المعطيات السابقة، من المتوقع أن يكون الانتعاش العالمي تدريجيا جدا، مصحوبا بتغيرات هيكلية في الاقتصادات على المستوى الكلي وعلى المستوى الجزئي والفردي، ومن ثم فستكون معدلات النمو الاقتصادي أقل بسبب تغيرات دائمة في السلوك الاقتصادي. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي