رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«مأسسة» نهج الباب المفتوح في مواجهة التطرف المقبوح

محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية هي في حقيقتها محاولة لاغتيال العلاقة الحميمية واللحمة الفطرية بين الحاكم والمحكوم المبنية على سياسة الباب المفتوح منذ اليوم الأول لتأسيس هذه البلاد ففلسفة الحكم في السعودية قائمة على حفظ كرامة الناس وصون أعراضهم وتحقيق الأمن والأمان بأسلوب يوازن بين الحريات الخاصة والمصلحة العامة في مناخ من الاحترام المتبادل بين الحاكم والمحكوم. وتتكرر وتتعدد صور الاجتماع والتوحد في كل مراحل التطور التاريخي للبلاد بأشكال وأساليب متنوعة لكن تظل روح الانفتاح وتقاليد التواصل حاضرة وبقوة ليتسع مجلس الحاكم لكل أطياف ومكونات المجتمع دون تمييز, فالكل سواسية يقفون على مسافة متساوية في دائرة المواطنة وما بعد ذلك من تقدير يحدده مقدار المساهمة في المصلحة العامة. هذا حق يكفله العرف السياسي والتقاليد الاجتماعية المتوارثة تم تأصيله والحفاظ عليه منذ أن كان يأتي أحدهم من أقاصي البلاد من جوف الصحراء أشعث أغبر ويقف في مجلس الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ دون وجل ولا خوف يناديه ''يا عبد العزيز'' دون ألقاب مفخمة وإجراءات معقدة وبروتوكولات منمقة ليقول ما يجول في خاطره دون تحفظ ويسأل بصوت مرتفع مفعم بالحرية وبعفوية فطرية فيجيبه الملك ويتحاور معه دون ترفع ولا تعال ولا حواجز وموانع, لأن الملك هو المواطن والمواطن هو الملك. لم تتغير الصورة ولم تتبدل وظلت على النهج ذاته، هذا هو السر العظيم وراء قوة وخصوصية النظام السياسي السعودي فالحاكم والمحكوم من نبت هذه البلاد بثقافتها المبنية على المبادئ الإسلامية العظيمة والقيم العربية الأصيلة. هذا الإطار الثقافي السياسي الاجتماعي الأخلاقي المشترك السبب الرئيس وراء هذا التلاحم لا أقول بين القيادة والشعب فهذه مصطلحات مستوردة لا تنسجم مع المناخ الأسري الحميمي الذي تتصف به الحاكمية الفطرية كونها علاقة الوالد بالولد والأخ بأخيه. لقد استمعت للأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض في أكثر من مناسبة يعلنها صراحة أنه لا يحبذ مصطلح الحاكم والمحكوم فهو على ـ حد تعبيره ـ لا يصف العلاقة الأخوية والأبوية الفطرية التي يقوم عليها النظام السياسي السعودي. لقد سار حكام هذه البلاد على هذا النهج السياسي الأخلاقي واستمروا في فتح الأبواب واستقبال المواطنين والسماع لهم وقضاء حاجاتهم ومعالجة مشكلاتهم ورفع معاناتهم. ولا ريب أن الملك عبد الله بن عبد العزيز قد أخذ هذه العلاقة إلى أوجها عبر التأسيس للغة الحوار والتوافق والتفاهم ليعبر بالبلاد إلى آفاق أوسع من التلاحم والتفاعل وتطوير إدارة الاختلاف. إن سياسة الباب المفتوح جزء من كينونتنا وهويتنا وخصوصيتنا وحصننا الحصين الذي لا يستطيع اختراقه أو أن ينتزعه منا أي أحد, فضلا أن يكون أحد المغررين, الذي لم يصن العهد ولم يحترم العادات والتقاليد واستباح حرمة المجلس الذي هو رمز لتلاحمنا وترابطنا في هذه البلاد. لقد كان أمرا معيبا ومن غير المقبول في ثقافتنا الأصيلة أن تحاول إيذاء من يستضيفك في بيته ويفتح لك الباب ويستقبلك في مجلسه. لقد ظنوا أن الأمير محمد بن نايف هو من يمثل النظام السياسي وما علموا أن هناك 25 مليون سعودي كلهم يمثلون النظام ويقفون صفا واحدا متراصا خلف قيادتهم السياسية، ولذا فإن محاولة الاغتيال هي في حقيقتها محاولة لاغتيال مقدراتنا ومكتسباتنا وثوابتنا وهويتنا الوطنية واعتداء صارخ علينا جميعا. هذا التلاحم والحب والتقدير بين المواطنين حكاما ومحكومين يجب الحفاظ عليه وصيانته وتطويره وتوثيقه. هناك كثير من المتغيرات والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تحتم البحث عن أساليب جديدة في إبراز وتوضيح هذا التلاحم والانسجام بين المواطنين وقيادتهم. لقد أضحى من المهم التحول بسياسة الباب المفتوح كقيمة سياسية تمارس بعفوية وأريحية وأخوية إلى إجراءات قانونية رسمية تتيح الفرصة على مستوى أوسع يتسع لجميع المواطنين في التعبير عن آرائهم وأفكارهم وفي الوقت ذاته توثيق تأييدهم ومساندتهم ودعمهم للدولة. لقد خطت الدولة في هذا الاتجاه خطوات كبيرة بإنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية, وهي بلا شك مبادرات تستحق الإشادة والتقدير وتمثل نقلة نوعية في صناعة القرار العام، إلا أن هذه المجالس تتطلب التطوير في أدوارها وتوسيع دائرة صلاحيتها ومسؤولياتها لتكون أكثر استجابة لمتطلبات وتطلعات المواطنين وقنوات للتعبير عن الرأي العام. هذا من شأنه أن يجعل الجميع يعملون ويتحركون في دائرة الضوء في تلاحم مقنن ومشاركة فاعلة ومبادرات لا تدع مجالا لخفافيش الظلام ليمارسوا إرهابهم الجبان بالتخفي خلف علاقات غير رسمية واستغلال غياب قنوات الاتصال والتواصل الرسمي بين الناس في المجتمعات المحلية . إن العمل المؤسسي في إدارة المجتمعات المحلية سيفضح أولئك الذين يضمرون الشر باسم الفكر أو القومية أو الديموقراطية أو المذهبية ويجعلهم جميعا تحت المجهر ترقبهم عيون وضمائر المواطنين الذين يملكون زمام المبادرة والمداخلة في صناعة القرارات المحلية وإدارة مجتمعاتهم. إن التواصل المؤسسي بين الناس وقياداتهم على المستوى الوطني والمناطقي والمحلي سيكون ـ بإذن الله ـ صمام الأمان والسد المنيع في مواجهة الإرهاب وإحباط مخططات الأعداء في اختراق صفنا وزعزعة أمننا واستقرارنا. إن العمل المؤسسي المحلي سيسهم في التعرف على القضايا والمشكلات في المجتمعات المحلية ومن ثم القدرة على القضاء عليها في مهدها قبل أن تستفحل وتتحول إلى أزمة على المستوى الوطني. إن الارهاب خرج من رحم الأحياء السكانية لأسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية ولو قدر أن كانت هناك هيئات محلية منتخبة تدير الشأن المحلي لتم اكتشافها في حينها والتعامل معها بأساليب أكثر فاعلية وكفاءة. الإرهاب أشبه ما يكون بالمرض الخبيث كلما تم اكتشافة مبكرا كان أدعى للقضاء عليه. والمشكلات الاجتماعية في معظمها مثل الأمراض المستعصية لا تأتي جملة واحدة ظاهرة واضحة ولكن تتراكم عبر الوقت, وهذا مكمن الخطورة, إذ إننا لا ندركها ولا نلاحظها إلا بعد أن تضرب بجذورها فتكون مهمة التخلص منها والقضاء عليها أصعب. من هنا كانت الدعوة إلى إيجاد إجراءات مؤسسية تطبق نهج الباب المفتوح لتكون المشاركة أكثر فاعلية وتؤكد للآخرين أن نظامنا يضمن حرية التعبير والمشاركة شكلا ومضمونا، يشجع على ذلك ما صرح به الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء في العزيمة على الاستمرار في تطبيق سياسة الباب المفتوح رغم محاولة الاغتيال الآثمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي