رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مقترح لمؤسسة عامة للزكاة والجمعيات الخيرية

فيما بعضهم يفجر نفسه ليقتل ويهدد المسلمين في ديار الإسلام ومرزحه، هناك من يعمل لخدمة الدين الإسلامي وشريعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم, فهذه مصلحة الزكاة والدخل تعمل بحزم وهدوء وتعلن أنها حولت إلى حسابات الضمان الاجتماعي مبلغ 23.8 مليار ريال سعودي تمثل حصيلة الزكاة المستحقة شرعا على المكلفين المسجلين لديها خلال السنوات الخمس الماضية (من 2004 إلى 2008). وأوضح البيان توزيع هذا المبلغ على السنوات المالية, حيث بلغت الإيرادات أعلى قيمة لها عام 2007 (6.6 مليار)، بعد أن نمت سنويا بمتوسط 22 في المائة خلال تلك الفترة، وهو معدل قياسي فعلا ويعكس جهودا كبيرة ومشكورة في جباية الزكاة. كما قامت المصلحة بتحويل تلك المبالغ إلى الضمان الاجتماعي الذي يتولى عملية إيصالها إلى المستحقين لها وفقا لمقتضيات الشريعة الإسلامية السمحة التي تهتم بسلامة الإنسان المسلم وكرامته. ورغم كل احترامي لإعلان المصلحة ولأعمالها, إلا أنني كنت أتمنى أن يكون الإعلان أكثر تفصيلا لما لذلك من فوائد بحثية ودراسية مهمة جدا, فلو تم عرض مستويات التحصيل وفقا لأشهر السنة ونوع المكلف - مؤسسة فردية أم شركة - وكذلك بحسب نوع الشركة (مساهمة أو مسؤولية محدودة), وكذلك مستويات التحصيل وفقا للمناطق, فنحن نتعامل مع الركن الثالث من أركان الإسلام, والمصلحة أعلنت قيمة المحصل بشكل إجمالي فلا مانع إذا من عرض التفاصيل المهمة للدارسين والمهتمين بذلك, بل لو صدر دليل إحصائي من المصلحة لكان ذلك أفضل وأتم. إن بيانات الزكاة ـ رغم أهميتها الدينية –لها أهمية اقتصادية, ونشر التفاصيل الخاصة بقيم ومؤشرات التحصيل سيسهم (بلا شك عندي) في تطوير مؤشرات اقتصادية كثيرة جدا.
الإعلان الذي نشرته مصلحة الزكاة والدخل يستحق الوقوف عنده, خاصة أنه يأتي في مناسبة عظيمة وهي شهر رمضان المبارك شهر الخير والصدقات وتطلع المستحقين إلى حقوقهم المشروعة عند الأغنياء. إن إعلان المصلحة في هذا الوقت إعلان يرد بشكل عملي وعلمي وهادئ على كل مدع. نعم هنا أهل الإسلام وهنا دولته. هنا يرفع الأذان – الله أكبر – وهنا نردد جميعا لا إله إلا الله وإن اختلفنا في بعض الأمور سعيا إلى معرفة الحق، هنا تجبى الزكاة كما شرع الله وتسلم لمستحقيها, وهنا ترى مظاهر الصيام وتشريعاته, وإلى هنا يحج الناس إلى بيت الله الذي في مكة. إذا لم يكن هذا هو الإسلام وإذا لم يكن القائمون على ذلك هم أهله .. فمن إذا؟ هل هم الذين يقتلون النفس التي حرم الله ويسعون في أرض الإسلام بالخراب ويسلطون عليهم الأعداء ويكثرونهم؟ نحن لسنا في زمن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته ـ رضوان الله عليهم, ونحن بالطبع نخطئ ونقع في المعاصي ونسأل الله المغفرة والرحمة، لكن الإسلام ليس دين الفوضى بل هو سيادة القانون الذي شرعه الله وأقام عليه من اختاره لولاية أمر المسلمين ولهم علينا البيعة وألا ننازع الأمر أهله. يأتي إعلان مصلحة الزكاة ليؤكد اهتمام ولاة الأمر بشرائع الإسلام وسننه الكبرى على أنهم يتفهمون الخلافات الفقهية بين المذاهب الإسلامية ويتفهمون ما أصاب الأمة من فتن لقيادة سفينة الوطن بسلام حتى يجد المسلم أرضا أمانا يعبد الله فيها كما شرع.
يأتي إعلان المصلحة ليؤكد أهمية أعمالها، وأهمية تطويرها, خاصة مع تطور سوق المال السعودية ونمو القطاع الخاص بشكل لافت جدا. نمو إيرادات الزكاة بمعدل 22 في المائة ليس أمرا يسيرا, خاصة أن الزكاة تمثل 2.5 في المائة فقط من الوعاء الزكوي, ما يشير إلى نمو الوعاء بمعدل 22 في المائة سنويا, وهو أمر يدل على نمو كبير في قطاع الأعمال في المملكة. يأتي إعلان مصلحة الزكاة بعد الكشف عن شبكة 44 التي أعلنت عنها وزارة الداخلية, كما أشار البيان إلى استغلال الأعمال الخيرية لتمويل أعمالها. الجمعيات الخيرية تجمع الصدقات التي تمثل زكاة الأفراد المكلفين وكفاراتهم لتقوم بتوزيعها على مستحقيها في عمل ضروري يمثل مهمة القطاع الثالث. لكن مع الأنباء التي تشير إلى استغلال هذا القطاع ومع ضعف الإشراف عليه فإن العمل الخيري في حاجة إلى إعادة تطوير وتنظيم لتحقيق إشراف فاعل جدا حتى تطمئن قلوبنا بأن زكاة الأفراد تصل إلى مستحقيها فعلا.
على هذا أرى أن الوقت قد حان للنظر إلى موضوع جباية الزكاة كمنظومة واحدة يجب أن تخضع لإشراف مؤسسة واحدة. من هنا أقترح فصل جباية الزكاة عن ضريبة الدخل وإنشاء مؤسسة عامة لجباية الزكاة والعمل الخيري, حيث تنقل إليها مهام مصلحة الزكاة والدخل في جانب الزكاة وتنقل إليها أعمال الإشراف على المؤسسات الخيرية في جانب تحصيل الإيرادات, بحيث تتم أعمال جباية الزكاة على الشركات والمؤسسات من قبل هذه المؤسسة (كما هو الحال بالنسبة للمصلحة) وتقوم الجمعيات الخيرية بتحصيل زكاة الأفراد كما هو الحال الآن, ولكن يجب عليها إيداع متحصلات الزكاة في حسابات المؤسسة العامة للزكاة مباشرة, وهذا في جانب الإيرادات، أما في جانب توزيعها على المستحقين فيجب أن يتم ذلك بتنسيق الجهود بين الجمعيات الخيرية والضمان الاجتماعي بحيث يتم الصرف للمستحقين وفقا لخطة مشتركة بين الضمان والجمعيات الخيرية وتحت إشرافه أو كما هو الحال الآن لتبقى تحت إشراف الشؤون الاجتماعية.
بالتأكيد هذا مجرد تصور أولي, وهو يحتاج إلى دراسة مفصلة وعمل استشاري واسع النطاق, المهم هو تركيز الجهود واستثمار الأوضاع الجيدة التي تمر بها المملكة, كما أن هذا يمكن فعلا من تطوير الأدوات أكثر, بالتالي زيادة عدد المكلفين ومن ثم زيادة إيرادات الزكاة وزيادة نصيب المستحقين. كما أن الزكاة في حاجة إلى آلة إعلامية قوية توجه الناس إلى الأهمية الشرعية في إخراج الزكاة بطريقة نظامية تضمن إطلاع المجتمع بشكل دوري على نتائج الجباية ومن ثم إيصالها إلى مستحقيها. كما أن المصلحة في حاجة إلى رفع هيكلها الإداري لتصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات الفصل في المنازعات بشكل أسرع، كما أن ذلك سيقضي على كثرة القرارات والتعميمات وتفسيراتها التي تحتاج أحيانا إلى تفسير أيضا. كما أن رفع مستوى الهيكل الإداري يساعدها على تطوير كادرها الوظيفي, فقد اضطرت المصلحة في السنوات الأخيرة إلى أن تركز عمليات الجباية ومراجعة الحسابات للشركات الكبيرة في المركز الرئيسي في الرياض, ما زاد الأعباء بشكل مطرد, خاصة مع نمو القطاع الخاص ونمو سوق المال السعودية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي