تحسين الرعاية الصحية يتطلب المزيد من الإنفاق
تبنت الدولة منذ أمد بعيد سياسة تأمين الرعاية الصحية الشاملة المجانية لجميع سكان المملكة، وتبذل لتنفيذ هذه السياسة جهودا كبيرة لنشر الرعاية الصحية في جميع أرجاء المملكة وتمكين السكان من الحصول عليها، وذلك من خلال بناء المؤسسات الصحية من مستشفيات ومراكز رعاية أولية وتأمين الكوادر البشرية والمستلزمات الطبية اللازمة. وتنفق الدولة مبالغ طائلة لتنفيذ سياسة الرعاية الصحية، حيث تشير بيانات الإنفاق الحكومي الفعلي في عام 2007م، إلى أن وزارة الصحة وجمعية الهلال الأحمر السعودي حظيتا بميزانية بلغت أكثر من 23 مليار ريال. وتوفر بعض الجهات الحكومية الأخرى خدمات صحية لمنسوبيها، ومع أن هذه الخدمات لا تتصف بالشمولية، إلا أنها توفر رعاية أفضل لمنسوبي هذه الجهات. ولا تتوافر بيانات منشورة عن إنفاق الجهات الأخرى على الرعاية الصحية، والبيانات المتوافرة عن الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية تقتصر على إنفاق وزارة الصحة وجمعية الهلال الأحمر السعودي، والتي تشكل على كل حال معظم الإنفاق على الرعاية الصحية. فهل إنفاق المملكة على الرعاية الصحية مرتفع أم منخفض مقارنةً بالدول الأخرى؟
وللمقارنة بجهود دول العالم الأخرى في الإنفاق على الرعاية الصحية، يمكن استخدام مستوى إنفاق الحكومات وإنفاق المجتمعات بالنسبة للفرد، أو أن يعبر الإنفاق على الخدمات الصحة بنسبته إلى الإنفاق الحكومي الكلي أو بنسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. وخصصت المملكة في عام 2007م نحو 5 في المائة من الميزانية العامة للدولة للإنفاق على وزارة الصحة وجمعية الهلال الأحمر السعودي، وهو ما يمثل نحو 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد ترتفع هذه النسبة قليلاً إذا أضيف إنفاق الجهات الحكومية الأخرى على الرعاية الصحية. وعند مقارنة إنفاق المملكة على الرعاية الصحية بإنفاق الدول الأخرى بالنسبة لعدد السكان، فإن المملكة تحتل مراتب متوسطة، فالدول النامية تنفق مستويات فعلية ونسبية منخفضة على الرعاية الصحية، بينما تنفق الدول المتقدمة الموفرة لرعاية صحية متميزة نسبا كبيرة من ناتجها القومي. وتتجاوز نسب الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، وقد تصل إلى 8 أو 9 في المائة، فالحكومة اليابانية مثلاً تنفق نحو 6.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية. وتنفق حكومة الولايات المتحدة 6.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية التي تركز على العناية بصحة كبار السن. ويتجاوز الإنفاق على الرعاية الصحية في عدد من الدول الأوروبية 8 في المائة من الناتج المحلي القومي.
وتبلغ حصة الفرد من الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية في المملكة نحو ألف ريال. ويبدو هذا الرقم كبيرا مقارنةً بعدد كبير من الدول النامية، لكنه منخفض مقارنةً بالدول المتقدمة التي ينفق بعض منها أكثر من عشرة أضعاف هذا المبلغ. ولعل انخفاض الإنفاق على الرعاية الصحة مقارنة بالدول المتقدمة من أبرز أسباب انخفاض مستويات الرعاية الصحية على المستويين العام والخاص مقارنةً بمستوياتها في الدول المتقدمة. فنحن كأفراد وكمؤسسات حكومية لا ننفق كما ينبغي على صحتنا، وأمامنا فجوة كبيرة في حجم الإنفاق الصحي إذا أردنا التمتع بمستويات رعاية طبية ممتازة على المستويين الخاص والعام. ويتطلب تحقيق رعاية طبية مرضية مضاعفة الإنفاق الحكومي على الصحة ورفع مستويات الإنفاق الخاص أيضاً. وللوصول إلى مستويات الدول التي تقدم رعاية طبية ممتازة فقد يلزمنا مضاعفة الإنفاق على القطاع الصحي أربع مرات.
ويمكن أيضاً مقارنة بعض المؤشرات الصحية الأخرى لدينا بمثيلاتها في دول العالم، حيث تشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات إلى وجود نحو 46 ألف طبيب في المملكة في عام 1427هـ، وهو ما يعني أن الطبيب الواحد يخدم في المتوسط 520 شخصاً من السكان، وهي نسبة ليست سيئة، ولكنها ليست المثلى وقد تعد متدنية مقارنةً بالدول الموفرة لرعاية صحية رفيعة المستوى، حيث يوجد في هذه الدول طبيب لكل نحو 200 نسمة. ويبلغ عدد الممرضات في المملكة أقل من ضعف عدد الأطباء، أو ممرضة لكل 273 نسمة في عام 1427هـ، بينما تبلغ نسبة الممرضات (والممرضين) إلى عدد السكان في الدول المتقدمة ممرضة لكل نحو 100 شخص من السكان، والحال ينطبق على نسب أسرة المستشفيات لعدد السكان. وهذه النسب تعكس بشكل أو آخر حصص الإنفاق الصحي من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، ولرفع هذه النسب ينبغي رفع مستويات الإنفاق الحكومي والخاص على الرعاية الصحية.
إن رفع مستويات الإنفاق على الخدمات الصحية ليس ضماناً للتمتع بمستويات رعاية طبية ممتازة، ولكنه مطلب أساسي لرفع نوعيتها لجميع سكان المملكة. ودون رفع مستويات الإنفاق على الرعاية الصحية لا يمكن رفع نسب المؤشرات الصحية الأخرى كنسب الأطباء والممرضات لعدد السكان، ولا يمكن أيضاً توفير المستلزمات الطبية وبناء المستشفيات وتوفير الأجهزة والمعدات الحديثة بشكل يتناسب مع عدد السكان. صحيح أن رفع الإنفاق على الخدمات الصحية بنسب مقاربة لإنفاق الدول المتقدمة يتطلب تخصيص موارد مالية ضخمة، لكن العائد من الإنفاق على صحة السكان يرفع مستويات معيشة ورضا السكان، كما أنه استثمار في الطاقات البشرية يرفع من كفاءتها وإنتاجيتها على الأمد الطويل.