الشقيري.. فيما بعد الخواطر!
من تابع منكم الأجزاء الرمضانية السابقة من برنامج «خواطر» للشاب أحمد الشقيري، ربما لاحظ أن الرجل كان يسعى جاهداً إلى تسليط الضوء على مناطق خلل في السلوك المجتمعي، وكان يمارس هذا الدور في مدن عربية كبرى مثل جدة والقاهرة وغيرهما، حتى إنه جرب أن يمارس الكشف عن السلوك في مساحات أضيق من المدن بكثير... ومنها «الأسانسير» أو المصعد على سبيل المثال!
انتقل الرجل هذا العام إلى طوكيو، ولاحظت في خطابه أنه يكثر من استخدام عبارات مثل «شوفوا يا أمة» أو «شايفين يا أمم!»، وقد يتجاوزها في غير حين إلى التعبير بالإيماء أو ضرب الكف بالكف للتعبير عن الذهول والصدمة!
اللغة القديمة في الأجزاء السابقة لبرنامج «خواطر» كانت تنبّئ عن مساحة متفائلة من الأمل في إمكانية التغيير، والدليل أن الرجل كان يتنقل بفريق العمل المكافح إلى مدن سعودية وعربية بحثاً عن المشكلة وتسجيلاً للمقترح من حلول.
أما الخطاب السائد في الجزء الحالي، فيمكن وصفه بأنه نتاج معايشة لواقع عربي يقود للقنوط! واضطر الرجل معه للانتقال إلى طوكيو ليدون النماذج السلوكية المدنية في بلد شديد المحافظة على العادات والتقاليد. أكاد أجزم هنا أن الشقيري لم يجد ما يطمح إليه من أثر في بيئته، خصوصاً عندما يعايشه كمواطن عادي طوال العام بعد عرض برنامجه الرمضاني الشهير، فلا الشباب تعلموا الانتظام في الدور، ولا توقفوا عن قطع الإشارات، ولا ابتسم الكثيرون في وجوه غيرهم، ولا توقفت المقاهي عن تقديم الشيشة للأطفال، ولا تابت العواصم العربية عن استخدام الأطفال كعمالة رخيصة لأداء المهام الشاقة... إلخ!
يبدو أن ما يمر به الشقيري يمثل نقطة تحول في تعاطي الإعلام المرئي التوعوي مع معطيات الواقع، وأن في هذا التوجه إدراكا عميقا لتفاعل مجتمعاتنا «اللحظي» مع كل ما يقرأ أو يشاهد أو يسمع. وأن هذا النمط من التفاعل لا يعمر طويلاً وغالباً ما يتم نسيانه عند أول «ملهاة» في صباح يوم حياة جديد! فكان لا بد من استعراض وثائقي الهوى لمجتمعات أخرى ومراحل تطورها ووصولها إلى المدنية في أرقى صورها.
ما أخشاه حقيقة هو أن يصاب الأخ أحمد أو من يمارسون شيئاً من تجريدية التنوير بإحباط أكبر إن لم يفلح خطابهم المتجدد في صنع فرق يذكر! وعزاؤهم للاستمرار في هذا، بعيداً عن الرأي النفعي للفضائيات، هو أن هناك من يكتبون في الشأن الإصلاحي منذ أكثر من ربع قرن في الصحافة المحلية دون أن يصيبهم القنوط أو حتى زائر يأس رغم سياج الإحباط المفروض من خلال مراقبة (خفيفة) للممارسات السلوكية في مجتمعاتنا.
يعتقد جاري المتابع (أبوعلي) أن الانتقال إلى طوكيو أو حتى إلى فانكوفر أو ستوكهولم لن يشكل فرقاً كبيراً في التأثير في شبابنا، ويتمادى الرجل قائلاً: «القرار الإداري لازم يتدخل، ما فيه مدنية من دون إدارة وقانون.. والخواطر لحالها تعتبر فضفضة حلوة... لكن التنفيذ يا ناس.. أحلى!».
مخالصة: طالما أن هناك مساحات إعلامية مهدرة فضائياً في رمضان وفي غير رمضان، فلماذا لا تدخل «الخاطرة»، بعيداً عن الوعظية، حيز الجدل باستحضار حلول منمذجة عملياً في التعليم والتخطيط والرصف والتشجير و... انتهت المساحة يا بوحميد!