طفرة الأطفال

طفرة الأطفال

هل تعد إفريقيا استثناء من القاعدة التي تقول إن الدول تجني "أرباحا ديموغرافية" مع زيادة ثرائها؟

في قرية Jabi على نهر جوبا جنوب الصومال، معظم الأمهات من الفتيات. فهن يتزوجن في سن الرابعة عشرة وينجبن طفلهن الأول بعد فترة وجيزة من ذلك. وواجباتهن مرهقة: إنجاب وتربية الأطفال، العمل في الحقول، إحضار المياه من النهر المليء بالتماسيح، وتنظيف البراز من أكواخ القش. وقد تم ختان معظمهن بطريقة غير متقنة. وليس لديهن وسائل منع الحمل. وليس هناك مدارس. ولكن كم عدد النساء في القرية اللواتي توفين أثناء الولادة؟ تقول Asha Hussein: "لا نستطيع إحصاء العدد".
وبالنسبة لمعظم الناس، هذه هي إفريقيا التي يعرفونها، أي مكان تنتشر فيه العائلات الكبيرة وارتفاع معدلات الخصوبة، وقارة تخضع فيها المجتمعات لضغوط شديدة، حيث يفوق عدد الشباب عدد المسنين بصورة كبيرة. وبما أن إفريقيا مزدحمة ومتدهورة بيئيا وتعاني الفقر والجوع وفيروس الإيدز والحروب الأهلية، يبدو أنها القارة المرشحة لتعاني الكارثة المالثوسية (نسبة إلى العالم مالثوس).
إلا أن هناك إفريقيا أخرى، إفريقيا ينتهج شعبها مسارا مشابها لمسار بقية العالم: إفريقيا يعيش فيها الناس لفترة أطول وينجبون عددا أقل من الأطفال ويعيش فيها الأطفال إلى ما بعد مرحلة الطفولة. فالمدن تحد من النمو السكاني، تماما كما فعلت في آسيا وأمريكا اللاتينية. وقد تكون أديس أبابا وآكرا ولواندا نتنة في أجزاء منها - بصورة تثير صدمة أولئك القادمين من الدول الأكثر ثراء - إلا أن معدلات الخصوبة فيها منخفضة. وقد بدأت طبقة وسطى ناشئة في إفريقيا بأخذ القروض العقارية والانتقال إلى الشقق التي تم بناؤها حديثا - ولا يريدون سوى إنجاب طفلين.
ولا تزال إفريقيا خارجة عن المألوف مقارنة ببقية العالم المتقدم. والقارة التي طالما تم انتقادها (أو الإشادة بها) بوصفها القارة الأكثر كسلا أصبحت الآن القارة الأسرع نموا وتحضرا. فقد زاد عدد سكانها من 110 ملايين شخص عام 1850 إلى مليار شخص اليوم. ولا يزال معدل الخصوبة فيها مرتفعا: يتوقع أن تنجب المرأة العادية المولودة اليوم خمسة أطفال خلال فترة سن الإنجاب، مقارنة بمعدل 1.7 فقط في شرق آسيا. وإذا لم تحدث كارثة ما، قد يصل عدد سكان إفريقيا إلى ملياري شخص بحلول عام 2050. ولمعرفة حجم هذه الزيادة، كان هناك اثنان من الأوروبيين مقابل كل إفريقي عام 1950؛ وبحلول عام 2050، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيكون هناك شخصان إفريقيان لكل شخص أوروبي.
إلا أن إفريقيا بدأت للتو، متأخرة بعض الشيء، في تحول ديموغرافي حققه الآخرون بالفعل: ينجب الناس عددا أقل من الأطفال مع زيادة ثرائهم. وفي عام 1990، كان معدل الخصوبة الإجمالي في القارة يتجاوز ستة، مقارنة باثنين في شرق آسيا، ووفقا لتوقعات الأمم المتحدة، قد ينخفض معدل الخصوبة الإجمالي في إفريقيا جنوب الصحراء بحلول عام 2030 إلى ثلاثة. وبحلول عام 2050، قد يصبح أقل من 2.5. ومن المؤكد أنه ليس من قبيل المصادفة أن تشهد إفريقيا خلال الـ 15 عاما الماضية الفترة الأسرع في النمو الاقتصادي. ولا يبدو أن إفريقيا، التي تتميز من نواح كثيرة، استثناء من القاعدة القائلة إن الدول تشهد تحولا ديموغرافيا مع زيادة ثرائها.
وقد يكون هذا أهم من جميع الأخبار السيئة عن الحرب الأهلية والتصحر وفيروس الإيدز. ومع زيادة ثراء المجتمعات وانخفاض معدل الخصوبة فيها، يزيد عدد السكان في سن العمل. وتأثير ذلك ارتدادي: ينجبون عددا أقل من الأطفال؛ ويكون الجيل الأول من الأجداد قد توفوا؛ لذا تكون لديهم أعداد كبيرة غير متناسبة من البالغين في سن العمل. ووفقا لدراسة أجرتها مبادرة هارفارد للصحة العالمية، فإن نسبة السكان في سن العمل ستزيد في 27 دولة إفريقية من أصل 32 بين عامي 2005 و2015.
والنتيجة هي "ربح ديموغرافي"، يمكن الاستفادة منه لإنتاج دورة قوية من النمو. ويوفر السكان سريعو النمو النشطون اقتصاديا الزخم الأولي للإنتاج الصناعي؛ ثم قد تؤدي الإمدادات الجديدة من العمال الذين يأتون من القرى، إذا تم التعامل معهم بصورة صحيحة، إلى تمكين الدولة من أن تصبح أكثر إنتاجية. وتعد الصين وشرق آسيا أمثلة على ذلك. ووفقا لبعض الحسابات، أسهمت الديموغرافية بنحو ثلث النمو الهائل في شرق آسيا خلال الـ 30 عاما الماضية.
ويعد سكان إفريقيا أكبر أصولها. وقد تصبح قوة العمل فيها يوما ما قوية ومفعمة بالحيوية مثل قوة العمل في آسيا - خاصة مقارنة بقوة العمل في أوروبا. ولكن ليس هناك شيء محتوم بشأن القدرة على الاستفادة من الربح الديموغرافي. ولكي يحدث هذا، يجب على إفريقيا اختيار السياسات الصحيحة ومعالجة مشاكلها الكثيرة. فإذا فشلت الدولة في معالجة تلك المشاكل، قد يصبح الربح الديموغرافي عبئا. وبدلا من أن يكون هناك أشخاص منهمكون في العمل، سيكون هناك الكثير من العاطلين عن العمل؛ وبدلا من الازدهار، ستنتشر الجريمة أو الاضطرابات المدنية.
وليس لدى إفريقيا الكثير من الوقت لتصحيح الأمور. فالفترة التي يمكن تحقيق أكبر الإمكانات فيها، أي حين يكون عدد السكان في سن العمل كبيرا بصورة غير متناسبة، ليست دائمة. وهي قصيرة جدا من الناحية الديموغرافية. فالمجتمعات تشيخ في العمر، وحين يحدث هذا يزيد عدد كبار السن المعتمدين على غيرهم وتضيع الفرصة.
وأمام إفريقيا جيل أو جيلان لإثبات فيما إذا كانت بالفعل خارجة عن المألوف من الناحية الديموغرافية كما يخشى المتشائمون - أي أن يتحول فيها الربح إلى لعنة - أو فيما إذا كانت قادرة على اتباع الطريق التي مهدت لها شرق آسيا وجني فوائد تغير الأنماط السكانية. فهل يمكن أن تستفيد إفريقيا من الربح الديموغرافي؟

مخاوف مالثوس

هناك ثلاثة أسباب رئيسة تدعو إلى التشاؤم. الأول هو أنها لا تزال حتى اليوم تكافح من أجل إعالة شعبها. فعدد سكان إفريقيا لا يزال في تزايد، وإن كان ببطء أكثر بسبب انخفاض معدل الخصوبة. ولا تزال تواجه القيود المعروفة، التي حددها توماس مالثوس في القرن التاسع عشر والمتمثلة في الأرض والمياه.
وتنتج إفريقيا اليوم كمية أقل من الطعام لكل فرد من أي وقت مضى منذ الاستقلال. وحجم المزارع يصبح أصغر فأصغر، بصورة مثيرة للسخرية أحيانا. وتقسيم أجزاء القرى بين الأبناء يشبه قطع طوابع البريد. وقطعة الأرض الصغيرة التي تزيد قليلا على نصف فدان (0.25 هكتار) لا تكفي لإطعام عائلة - وهذا سبب نقص النمو على نطاق واسع في القارة. وتمتد أعباء الأمراض في إفريقيا إلى الحيوانات والمحاصيل. فالموز مثلا عرضة لنوعين من الأمراض- مرض تورد القمة ومرض الذبول البكتيري- اللذين قد يدمران 80 في المائة من المحصول. ويقدّر العلماء أن هناك 30 مليون شخص يعتمدون على الفواكه معرضون للخطر؛ يعيش عديد منهم في مناطق النزاع مثل شرق الكونغو.
ولإطعام شعبها، تحتاج إفريقيا بشدة إلى ثورة خضراء. والتوقعات جيدة بصورة معقولة في مناطق إفريقيا التي تهطل فيها الأمطار بغزارة وتنتشر فيها التربة الخصبة - إفريقيا المبللة. ولكن في إفريقيا الجافة الأكبر، مثل قرية Jabi، فشلت حتى الآن جهود تكرار الثورة الخضراء التي حدثت في آسيا. وأحد أسباب ذلك هو أن آسيا استخدمت أنظمة محاصيل وري كبيرة لا تناسب إفريقيا الجافة. ويعود ذلك جزئيا لكون القادة الأفارقة والجهات المانحة الأجنبية لا يهتمون بالقدر نفسه بصغار المزارعين والتحسينات البسيطة للتربة والبذور. وحتى لو كانت السياسة صحيحة، فإن المزارع الصغيرة تكون أبطأ من الكبيرة في تبني المحاصيل الأفضل وأساليب الزراعة الأكثر تطورا.
وسيزيد التغير المناخي - الاختلاف الكبير عن التحولات الديموغرافية في آسيا وأمريكا اللاتينية - من صعوبة مهمة إعالة الشعب الجائع والعطش. وتعتقد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي أن إفريقيا ستكون القارة الأشد تضررا. وحتى أفضل سيناريو قد يحدث فيها (زيادة درجات الحرارة العالمية إلى 1.1- 2.9 مئوية بحلول 2100) قد يكون مدمرا. وستذوب الأنهار الجليدية وينخفض تدفق الأنهار، حتى مع تزايد الطلب على المياه. ويقول برنامج البيئة للأمم المتحدة أن 75- 250 مليون شخص إفريقي سيعانون العطش. وهذا يعني أن تذهب الفتيات في رحلات أطول لإحضار المياه ما قد يشجعهن على ترك المدرسة وإنجاب الأطفال في عمر أصغر. ووفقا لبعض التقديرات، سيؤدي هذا إلى تدمير أراض قابلة للزراعة بحجم فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا مجتمعة. ويقول المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية إن أجزاء كبيرة من إفريقيا قد تصبح جافة جدا قريبا بحيث لا تصلح للرعي، ما قد يؤدي إلى نزاعات بين مربي الماشية المتنافسين، أو بين مربي الماشية والمزارعين المستقلين كما يحدث في دارفور في السودان.
إلا أن هذه مجرد توقعات وليست أمورا من المؤكد حدوثها. ولا تعني بالضرورة أنه لا يمكن إصلاح الأرض لإعالة المزيد من السكان. فقد زاد الغطاء الشجري في جنوب النيجر مثلا عشرة أضعاف منذ الجفاف المدمر في السبعينيات. والقرار الحكومي بالسماح للمزارعين، بدلا من الدولة، بامتلاك الأشجار جعلها أكثر قيمة عن طريق السماح للمحليين بإدراك منافع اللحاء والأغصان والبذور والفواكه، ما يعني أن تقل احتمالات أن يقوم المحليون بقطعها. والأشجار تحد من تعرية التربة؛ وتساعد بعضها على "إصلاح" التربة بالنيتروجين.
إلا أن الخسائر هائلة في أماكن أخرى. فقد تقلصت الغابات في كينيا بنسبة لا تقل عن 60 في المائة منذ عام 1990، ويعود ذلك أساسا إلى قطع الأشجار من قبل الناس لاستخدامها كوقود. ومن المشكوك فيه فيما إذا كانت الحكومة الكينية قوية بما فيه الكفاية لإنقاذ غابة Mau التي تعتمد عليها نيروبي للحصول على المياه والطاقة الكهرمائية. وإذا لم تتمكن كينيا من إنقاذ الغابة التي تعتمد عليها عاصمتها، فما آمال الغابات المطيرة في الكونغو؟
وبفضل التحول الديموغرافي، ستقل معاناة إفريقيا من الصعوبات التي كانت ستنشأ لولا ذلك. ولكن لا يمكنها التخلص منها تماما، لأن عدد سكان القارة سيستمر بالنمو، وإن بسرعة أبطأ. وقد يؤدي الجوع والفقر والصراع الذي يسبب هذا إلى الحد بصورة خطيرة من الربح الديموغرافي.
ويقودنا هذا إلى السبب الثاني للتشاؤم: تتعرض العائلات الإفريقية إلى ضغوط أكبر من تلك التي كانت العائلات في آسيا أو أمريكا اللاتينية تعانيها حين بدأ تحولها الديموغرافي. وهذا يعني، كما يخشى المتشائمون، أن الدول الإفريقية قد تفشل في اجتياز الدورة الحميدة للتصنيع وزيادة فرص العمل وتحسن الإنتاجية والازدهار.
وهناك شخص من أصل شخصين إفريقيين هو طفل. وقد زادت الأعداد كثيرا بحيث إن الطرق التقليدية لرعاية الأطفال في العائلات الممتدة والمجتمعات بدأت بالانهيار. ففي جنوب إفريقيا، ونتيجة لمرض الإيدز، هناك عدد متزايد من العائلات التي يرأسها أطفال. وجاء في تقرير جديد لمنتدى الطفل الإفريقي، وهي جماعة مناصرة، أن هناك الآن 50 مليون طفل يتيم أو تم التخلي عنه في إفريقيا. وتعتقد أن العدد قد يزيد إلى 100 مليون، ما يعني البؤس بالنسبة لهم والمزيد من الجرائم العنيفة بالنسبة للآخرين.
ويعيش ملايين الأطفال بالفعل حياة صعبة في المدن والبلدات. فالدعارة والموت هما مصير الفتيات الأكثر فقرا. أما الأولاد فيلجأون إلى الجريمة. ولدى إفريقيا أعلى معدل لعجز الأطفال في العالم. ويعتقد البعض أنه قد يكون هناك 10 - 20 في المائة من العاجزين، وهو عدد كبير، ولكن بما أنهم لا يذهبون إلا نادرا إلى العيادات والمدارس فمن الصعب التحقق من ذلك. ويشك أطباء الأطفال أنه يتم قتل بعضهم في طفولتهم المبكرة - ليس بسبب الانتقاء الطبيعي لداروين بل للتخلص من طفل آخر ينبغي إطعامه. وربما يكون توقف النمو البدني في تزايد.
ويؤثر عبء الأمراض بصورة كبيرة في جميع أنحاء إفريقيا. وتسهم الملاريا والإيدز معا بنحو ثلث وفيات القارة السنوية البالغة عشرة ملايين شخص. وفي السنوات العشر حتى عام 1995، توفي أكثر من أربعة ملايين إفريقي بسبب الإيدز، وهناك كثير من الدول التي يزيد فيها عدد الأشخاص الذين يعيشون مع مرض الإيدز عشرة أضعاف على عدد أولئك الذين لقوا حتفهم. ومعظمهم بين سن العشرين والتاسعة والخمسين. وبالتالي فإن الإيدز يضر بالشريحة السكانية - البالغين في سن العمل - التي يعتمد عليها الربح الديموغرافي.
وإذا لم يحصل الشباب على الوظائف، أو دور في المجتمع، قد يلجأون إلى العنف. ويعتقد Henrik Urdal، وهو خبير ديموغرافي نرويجي، أن خطر نشوب نزاع في أي دولة يزيد أربع نقاط مئوية لكل زيادة بواقع نقطة مئوية واحدة في عدد السكان الشباب. لذا فإن الهرم السكاني في إفريقيا، الذي يتسع في مرحلة الطفولة والمراهقة، أفضل من الهرم السكاني في إيطاليا الجرداء مثلا، ولكنه أيضا أكثر قابلية للاشتعال. ويبلغ معدل البطالة 70 في المائة في بعض المدن. ويتم تجنيد العاطلين عن العمل في الميليشيات أو العصابات بسعر أجر يوم واحد. وقد كانت هناك دلائل على ذلك بعد الانتخابات الكينية العام الماضي، حين اتهم السياسيون ورجال الأعمال بدفع المال للشباب لتحويل بعض أجزاء الدولة إلى مناطق حرب. ويعني وجود الكثير من الشباب العاطلين عن العمل أيضا أن هناك الكثير من الشباب المتهور وعدد غير كاف من المسنين. ويعتقد Paul Collier، المتخصص في الشؤون الإفريقية في جامعة أكسفورد، أنه في مثل هذه الظروف يكون الشباب الأفارقة "خطرين جدا".

والسبب الثالث الذي يدعو للتشاؤم هو العنف السياسي والفساد وضعف أو عدم وجود مؤسسات الحكم في إفريقيا. ووفقا لدراسة هارفارد، فإن "الجودة المؤسسية {بالغة الأهمية} لتحويل زيادة نسبة سن العمل إلى ربح ديموغرافي." وأداء القارة في هذا المجال أسوأ بكثير من آسيا أو أمريكا اللاتينية في الستينيات أو الثمانينيات.
وفي أسوأ الحالات، تعني الحرب الأهلية أن التحول الديموغرافي لم يبدأ حتى الآن. فلم ينخفض معدل الخصوبة في الكونغو وليبيريا وسيراليون- التي يمزقها القتال الداخلي. ولا يزال المعدل ستة في الكونغو، تماما كما كان عام 1950. وفي أسوأ الأماكن، تميل الخصوبة لاتباع مسار عدم الاستقرار. فأعلى معدلات الخصوبة في إفريقيا هي بين اللاجئين ومخيمات المشردين داخليا في السودان والصومال، ثم في الدول التي تتعافي من الحرب، ثم في المناطق الصحراوية التي دمرتها المجاعات والمساحة الممتدة من موريتانيا حتى كينيا.
ويخشى بعض مراقبي إفريقيا من أن تكون بعض أجزاء القارة علقت في دوامة: المزيد من الأطفال يعني تزايد المنافسة على الموارد، وتزايد عدم الاستقرار - وأيضا المزيد من الأطفال. ويعتقد Jared Diamond، أستاذ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أن هناك بعض أجزاء القارة تعاني بالفعل انهيارا مالثوسيا من نوع ما. ويرى أن الإبادة الجماعية في رواندا كانت نتيجة وجود عدد كبير جدا من الناس يتزاحمون في مساحة قليلة من الأرض، إضافة إلى التوتر السياسي. ويعتقد المالثوسيون الجدد أن السبب الجذري للانهيارات الأخيرة في أجزاء من موريتانيا وتشاد والسودان والصومال وكينيا، على سبيل المثال لا الحصر، هو تكدس عدد كبير من السكان في مساحة قليلة من الأراضي، فضلا عن الفشل السياسي.
إلا أن مثل هذه الأحداث هي بمثابة تذكير على مدى التغيير الذي يمكن إحداثه. فقبل خمسة وعشرين عاما، كانت الحرب تمزق موزمبيق ونامبيا أيضا، وكانت غانا تترنح من انقلاب إلى آخر. ولكن اليوم تتمتع هذه الدول بالسلام والازدهار، ومن المحتمل أن تستفيد من الربح الديموغرافي.

مالثوس المربك

وإذا أعطيت ولو حتى نصف فرصة، يمكن لإفريقيا أن تظهر ما قلل مالثوس نفسه من أهميته: الابتكار. وأحد الأمثلة على ذلك القفزة الواسعة من الاتصالات القديمة للدولة إلى شركات الهواتف المحمولة المربحة. وقد تسهم مجموعة من التكنولوجيات الجديدة، مثل محطات طاقة الرياح والشمس، ومواقد الوقود الحيوي، وخزانات مياه الأمطار، في تحسين توقعات الكثير من الأفارقة في المناطق الريفية. ولا يتم ري سوى 4 في المائة من الأراضي الزراعية في القارة. وإذا ضاعفت هذه النسبة وأضيفت الأسمدة والبذور والقروض والمعلومات والمستودعات المعدنية المناسبة (في بعض الأماكن قد يضيع ربع المحصول بسبب التعفن والجرذان)، فلن تطعم إفريقيا سكانها البالغ عددهم ملياري شخص فحسب، بل تصدر المنتجات الزراعية أيضا.
وقد تمكنت آسيا الناشئة وأمريكا اللاتينية من استيعاب أعداد أكبر بكثير من الناس بفضل التحضر. وتقول Anna Tibaijuka، رئيسة وكالة Habitat التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن التنمية الحضرية، إن معدل التحضر في إفريقيا هو الأسرع في العالم. وفي عام 1950، كان عدد السكان في الإسكندرية والقاهرة فقط يتجاوز مليون شخص. وقد يصبح في إفريقيا 80 مدينة يسكنها أكثر من مليون شخص، إضافة إلى مجموعة من المدن الكبيرة بقيادة كينشاسا ولاجوس والقاهرة - التي لا تظهر أي منها بوادر مجاعة جماعية. وستستوعب البلدات المتوسطة التي يسكنها 50 ألفا – 100 ألف شخص معظم أولئك القادمين من الأرياف. والتحضر هو جزء من حل مشاكل إفريقيا الديموغرافية، وليس من مظاهرها.
وفي الواقع، مسألة فيما إذا كان يجب اعتبار الديموغرافيا مشكلة إفريقية - أو إحدى مزاياها - لا تزال مفتوحة. وخلال العام الماضي، حققت القارة أسرع نمو اقتصادي للفرد الواحد في العالم، ويعود ذلك جزئيا إلى كونها أقل تأثرا إلى حد ما بانهيار التجارة العالمية، وأيضا بسبب الزيادات الصغيرة التي تشهدها الدول في عدد الأشخاص في سن العمل.
وتشير شعبة الإحصاء في الأمم المتحدة إلى أن إجمالي سكان إفريقيا أقل بنسبة 8 في المائة اليوم مما كان سيكون عليه لو ظل معدل الخصوبة فيها عند مستوياته التي بلغها في السبعينيات. ومن المرجح أن يتسارع الاتجاه نحو انخفاض معدل الخصوبة. وتبلغ نسبة استخدام وسائل منع الحمل الحديثة في إفريقيا جنوب الصحراء 12 في المائة فقط (مع أنها تضاعفت منذ عام 1994). وتبلغ في الصومال 1 في المائة. وبالمقارنة، تبلغ النسبة في آسيا وأمريكا اللاتينية 40 في المائة، لذا من المرجح أن يزيد استخدام وسائل منع الحمل بصورة كبيرة.
ولا بد من وضع الديموغرافيا في إطارها الصحيح. فهي ليست قدرا ووضعا محتوما. وإفريقيا بحاجة إلى ثورة خضراء؛ ومدن أكثر فعالية؛ وزيادة تعليم الإناث؛ وحكومات نزيهة؛ وسياسات اقتصادية أفضل. ودون هذه الأمور، لن تجني إفريقيا ربحها الديموغرافي. ولكن دون التحول الذي بدأته إفريقيا، ستكون فرص القارة في تحقيق هذه الأمور الرائعة أقل مما هي عليه فعليا. فالديموغرافيا ما هي إلا البداية.

الأكثر قراءة