أصوات أكثر من عدد الناخبين
وتطغى الكآبة على الأمل بعد عملية مشينة للغاية.
بحلول منتصف الصباح في العشرين من آب (أغسطس)، يوم الانتخابات، يقدّر رجال الشرطة الواقفون خارج مدرسة Haji Janat Gul الثانوية، أحد مراكز الاقتراع التي تبعد بضعة أميال شرق كابول، أن أربع شاحنات تحمل كل منها عشرة ناخبين وثلاث أو أربع سيارات زارت المركز. وبعد صراعات طويلة، غالبا ما تكون المجموعة الثانية من الانتخابات عبارة عن تحول التوقعات غير الواقعية إلى خيبة أمل ولامبالاة.
وكان معدل الإقبال ضئيلا في جميع أنحاء كابول. ولكن في مدرسة Haji Janat Gul، لم يضر قلة الناخبين بعدد الأصوات. فبعد ساعة واحدة فقط من بدء التصويت، أدلى ستة آلاف بأصواتهم، ولكن لم تتم رؤية أي ناخب. وأصر الموظفون على أن هؤلاء الأشخاص البالغ عددهم ستة آلاف أتوا في الساعة السابعة صباحا، حين فتحت مراكز الاقتراع: "قالت طالبان إنها ستقطع أصابع الأشخاص الذين يصوتون، لذا جاءوا مبكرا". وهذا مستحيل. فالتصويت يستغرق عادة أربع دقائق. وتصويت ستة آلاف شخص خلال ساعة في 12 صندوق اقتراع يعني أن كلا منهم استغرق سبع ثوان. وتلقت لجنة الشكاوى الانتخابية لاحقا مزاعم بأنه تم ملء صناديق الاقتراع بأصوات مؤيدة لحميد كرازي قبل فتح مراكز الاقتراع، بتحريض من أحد أعضاء البرلمان المحليين وزعيم قبلي محلي.
وقد شكلت ثلاثة عوامل متشابكة يوم الانتخابات في أفغانستان: التفاوت الكبير في نسبة الإقبال في الدولة؛ وتهديد طالبان باستخدام العنف؛ والمزاعم، التي لم يتم إثباتها حتى الآن، بتزوير الانتخابات لصالح كرازي. ويزعم القادة العسكريوين الغربيون أن "طالبان" فشلت في تعطيل الانتخابات، حيث لم يتم قتل سوى 26 شخصا يوم الانتخابات. إلا أن استراتيجية "طالبان" تتركز على الترهيب، وتهدف إلى ردع وليس قتل الناخبين. وقد نجحت في ذلك.
وخلال الانتخابات، كان هناك نحو 400 حادث تمرد، ما جعله اليوم الأكثر عنفا في هذا العام. وكان يبدو أن وجودهم يهدف إلى تسجيل حضور المتمردين في المنطقة. ففي Wardak مثلا، سقط صاروخ على الساحة العامة لكل مركز اقتراع. وتبين أن التهديدات بقطع أصابع الناخبين الملطخة بالحبر الذي لا يمحى لمنع التصويت المزدوج لا أساس لها من الصحة تقريبا. ولكنها نجحت كرادع.
وفي منطقة القوس الشمالي السلمية نسبيا، من Heart في الغرب إلى Nangarhar في الشرق، كانت نسبة الإقبال مرتفعة، إذ بلغت 60 في المائة في بعض المناطق، مع أنها انخفضت في Nangarhar إلى نحو 35 في المائة، وكانت نسبة الإقبال العامة أدنى بكثير من المستوى الذي تم تحقيقه في الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2004. ولكن في بعض أجزاء الجنوب، كانت نسبة الإقبال منخفضة للغاية بسبب الترهيب واللامبالاة. ويقول Haji Ahmad Shah Khan، أحد كبار السن في مقاطعة Nad Ali في هيلمند: "تقوم طالبان بدوريات في المنطقة. ولم يصوّت أحد ولا يستطيع أحد أن يصوّت". وفي يوم الانتخابات، كانت نسبة الإقبال في المقاطعة وفقا لتقديرات رئيس لجنة الانتخابات المستقلة في هيلمند، Abdul Hadee، أقل من 10 في المائة. وفي بعض المناطق، لم يتم الإدلاء بأي أصوات على الإطلاق.
ولم يتم جمع النتائج بعد، ولا تزال النتيجة غير قابلة للتنبؤ. وقد ادعى بالفعل كل من كرازي وعبد الله عبد الله، منافسه الرئيسي من بين 41 مرشحا، النصر. وفي حملته، رهن كرازي حكومته المستقبلية عدة مرات بدعم مجموعة مارقة من زعماء الحرب السابقين. وأظهرت النتائج الأولى التي تم نشرها، من 10 في المائة من مراكز الاقتراع، تقارب الهامش بصورة كبيرة بين المتنافسين. ولكن لا يمكن استخلاص كثير من المعلومات من هذا بما أن النتائج ستختلف بصورة شاسعة عبر مختلف المحافظات، بعد اختلاف نسبة الإقبال والانقسامات بحسب العرق والقبيلة. ولم يتم بعد فرز كثير من الأصوات في المحافظات الجنوبية التي تعد معاقل البشتون العرقية لكرازي.
ويبدو من المحتمل أن الأصوات المقموعة في أنحاء الجنوب ستضر بكرازي، إلا أن خصومه يتهمونه باستغلال أجهزة الدولة للمشاركة في عملية تزوير واسعة النطاق، في ظل غياب المراقبين في المناطق غير المستقرة، ما سمح له بحشو صناديق الاقتراع كما يحلو له. وفي الواقع، أظهرت بعض المناطق غير المستقرة عدد أصوات أكثر مما توحي التقديرات الأولية لنسبة الإقبال. ففي هيلمند مثلا، يعتقد المسؤولون الغربيون أن نحو خمسة آلاف أدلوا بأصواتهم في منطقة Garmser. إلا أن صناديق الاقتراع التي وصلت إلى عاصمة المحافظة، Lashkar Gah، تحتوي على 20 ألف صوت. وفي Musa Qala، بلغ التفاوت ما بين تسعة آلاف و18 ألفا. والآن، يقول Hadee، المسؤول في لجنة الانتخابات المستقلة، إن نسبة الإقبال في هيلمند كانت 25 في المائة. ويعتقد بعض المسؤولين الغربيين أن 20 في المائة من الأصوات على المستوى الوطني قد تكون مزورة.
وتجاوزت الشكاوى الانتخابية ألفا في منتصف الأسبوع. إلا أن إثبات صحتها لن يكون سهلا. فغالبا ما يصوت الأفغانيون في كتل وفقا لما يمليه القادة المحليون، وبالتالي من المستحيل كشف المخالفات. ومن المعروف أنه تم تسجيل ملايين بطاقات التصويت الإضافية بصورة غير قانونية. وليس هناك إحصاء سكاني حديث لتحديد قوائم الناخبين.
وهكذا ستدخل الدولة في فترة خطيرة. وقد وعد الدكتور عبد الله بوضع ثقته في لجنة الانتخابات المستقلة ولجنة الشكاوى، وعدم إرسال مناصريه إلى الشوارع. وسيكسبه هذا امتنان القوى الأجنبية. إلا أن البعد العرقي للانتخابات، باعتبار الدكتور عبد الله ينظر إليه بوصفه طاجيكستاني (هو فعليا من خليط عرقي)، وكرازي باعتباره من البشتون، أثار التوترات الكامنة في المجتمع الأفغاني. ويقول John Dempsey، في كابول لمعهد الولايات المتحدة للسلام، وهو معهد فكري للكونجرس: "الخطر الأكبر هو أن ينظر الأفغانيون لحكومتهم بوصفها غير شرعية أكثر مما ينظرون إليها الآن". وكما يشير، فقد يكون لهذا عواقب على مكافحة التمرد.