الجانب السفلي من الحرب
على من تقع مسؤولية ممارسة أقذر الأعمال في مجال مكافحة الإرهاب؟
أدت حرب جورج بوش على الإرهاب إلى تشويه سمعة أمريكا وإلى إثارة عديد من الأسئلة المقلقة. وقال باراك أوباما إنه يريد المضي قدما بدلا من النظر إلى الوراء. وهذا أمر مفهوم، حيث إن الرئيس الجديد لديه أجندة طموحة. وقد يؤدي الكشف عن الأخطاء السابقة إلى إطلاق العنان لسرب من الدبابير السياسية. ولكن الأسبوع الماضي، مع إقامة أوباما في جزيرة Martha's Vineyard، أطل الماضي القبيح بوجهه على الحاضر.
في الرابع والعشرين من آب (أغسطس)، نشرت وزارة العدل تقريرا حول استجواب وكالة الاستخبارات المركزية للمحتجزين في الخارج، من تأليف هيئة المراقبة الداخلية للوكالة عام 2004. والأهم من ذلك هو أن النائب العام، Eric Holder، أمر أحد المدعين العامين باستعراض ما إذا كان المحققون قد انتهكوا القانون. ويأتي هذا الإعلان في إطار مساع متزايدة لمعالجة أخطاء الماضي، من قبل الحكومة والشركات الخاصة على حد سواء. وفي الثامن والعشرين من آب (أغسطس)، سينظر أحد القضاة الفيدراليين في دعوى تتهم شركة Blackwater الأمنية بارتكاب جرائم حرب. وربما يبشر إعلان Holder بعهد جديد من المساءلة. ولكن على الأرجح أن أولئك الذين يأملون أن تتم محاسبة المجرمين سريعا سيصابون بخيبة أمل.
وبالنسبة للبعض، ليس السؤال هو لماذا عيّن Holder مدعيا عاما خصيصا لهذه القضية، ولكن لماذا لم يفعل أحد ذلك في وقت أبكر. فقد قدمت هيئة المراقبة الداخلية لوكالة الاستخبارات المركزية التقرير إلى وزارة العدل عام 2004. وفي ذلك الوقت، كان مكتب المستشار القانوني في الوزارة يعيد النظر في القوانين لتأييد أساليب استجواب جديدة "معززة"، مثل الإغراق الوهمي بالمياه الذي يشعر معه الشخص أنه يغرق. وكانت توجيهات مكتب المستشار القانوني تشمل محاولات لتبني الاعتدال، التي كانت ستكون هزلية لو لم تكن مروعة للغاية. فعلى سبيل المثال، إذا دفع المحققون أحد المحتجزين باتجاه الجدار، يجب دعم رقبته "بمنشفة يتم لفها عليها لمنع إصابة الرقبة والعمود الفقري".
وقد وصف تقرير هيئة المراقبة هذه الأساليب، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث شكك بفعاليتها وأشار إلى استخدام تكتيكات أخرى غير مصرح بها. فقد تم تهديد أحد السجناء بمسدس ومثقاب كهربائي بعد تغطية رأسه وربط يديه ورجليه. وتم نفخ دخان السجائر في وجوه سجناء آخرين إلى أن تقيأوا. وتم إقناع سجين آخر بأنه سيتم انتهاك أقرباء له من النساء جنسيا أمامه. وأمسك أحد المحققين رقبة أحد المحتجزين بقوة، بحيث إنه غاب عن الوعي أكثر من مرة. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء.
وقد تمت صياغة إعلان Holder بدقة. فالتحقيق لن يستهدف سوى أولئك الذين انتهكوا التوجيهات القانونية. واعترف Holder بأن قراره سيكون مثيرا للجدل، وأصر على أن ضباط الاستخبارات يستحقون "احترامنا وامتناننا للعمل الذي يقومون به". وأكد أن الاستعراض قد لا يؤدي إلى ملاحقات قضائية.
إلا أن هذا الإعلان هز واشنطن. ويقول بعض الجمهوريين إن Holder تجاوز الحد المسموح به. وقال Pete Hoekstra، الجمهوري البارز في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، إن التحقيق "قد يعطل مبادرات وكالة الاستخبارات المركزية في مكافحة الإرهاب". ويقول بعض الديمقراطيين إنه لم يذهب بعيدا بما فيه الكفاية. ومع ذلك، فإنه بمجرد أن يبدأ التحقيق قد يتسع نطاقه كثيرا.
وقد طُلب من John Durham، المدعي العام الذي عينه Holder، أن يتبع طريقا ضيقا، إلا أن التحقيقات قد تغرقه في مستنقع كبير. فهل يمكن أن يكون اختلط الأمر على بعض المحققين بشأن أي الأساليب المبالغ فيها؟ ولماذا يتم معاقبة أذناب وكالة الاستخبارات المركزية بدلا من معاقبة المشرفين عليهم؟ وهل يجب التحقيق مع مؤلفي المذكرات القانونية المريبة؟ وماذا عن رؤسائهم أو المسؤولين في مجلس الأمن القومي أو في مكتب نائب الرئيس؟ يريد بعض الديمقراطيين أن تقوم لجنة بدارسة الدور الكامل للبيت الأبيض في عهد جورج بوش.
لم يتم بعد الكشف عن الكثير من المعلومات. فقد تم حجب صفحات بأكملها من تقرير وكالة الاستخبارات المركزية. وقد تتبعه تقارير أخرى. وتتوقع Sarah Mendelson من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أنه "سيتكشف الكثير خلال الأسابيع والأشهر وربما السنوات المقبلة". وقد بدأت التحقيقات في الكثير من البدايات البسيطة بالانتشار في الدولة. وفي عام 1994، تم تعيين Kenneth Starr للتحقيق في المعاملات العقارية لبيل وهيلاري كلينتون. وبعد أربع سنوات، استغل علاقة غرامية مع إحدى المتدربات للدعوة لاتهام كلينتون.
وفي حين تسعى الحكومة جاهدة لمحاسبة موظفيها، تسير محاولات مقاضاة الشركات الخاصة بصورة متقطعة. فقد لعب المقاولون من القطاع الخاص دورا غير مسبوق في العراق. وإذا كان الإطار القانوني للمحققين مشوها، فإن الإطار القانوني للمقاولين لم يكن موجودا تقريبا في بعض الأحيان.
ولم يعد المقاولون محصنين ضد القانون العراقي، كما كانوا في السنوات الأولى من الحرب، لكن لا تزال سبل الإصلاح القانوني متعرجة. فعلى سبيل المثال، يسمح قانون الاختصاص القضائي الخارجي بمقاضاة المقاولين الذين يعملون لصالح وزارة الدفاع. إلا أن القانون لا يشمل أولئك الذين يعملون في وزارة الخارجية، مثل عمال Blackwater الذين فتحوا النار في ساحة النسور عام 2007، وتسببوا في مقتل ما لا يقل عن 14 شخصا عراقيا. وقد قالت Blacwater إن إطلاق النار كان دفاعا عن النفس. ولا تزال السوابق القانونية لاستخدام قانون الاختصاص القضائي الخارجي قليلة.
ومع ذلك، قد تمهد حالتان تشملان Blackwater الطريق للمزيد من الاتهامات. ففي كانون الأول (ديسمبر)، استخدم المدعون الفيدراليون قانون الاختصاص القضائي الخارجي لاتهام خمسة موظفين في Blackwater، جميعهم من العسكريين السابقين، في حادث إطلاق النار في ساحة النسور. ورفض القاضي عدم النظر في القضية في شباط (فبراير). وفي دعوى مدنية منفصلة في فيرجينيا، تقاضي مجموعة من العراقيين، بمساعدة محامين أمريكيين، شركة Blackwater بموجب قانون Alien Tort Statute، الذي يسمح للأجانب برفع دعوى بسبب انتهاكات "قانون الأمم". ويتهم العراقيون Blackwater بارتكاب جرائم حرب في ساحة النسور وأماكن أخرى. ويزعم إقراران أن Erik Prince، مؤسس Blackwater، متورط في مقتل أحد المخبرين. ووصفت Blackwater هذه المزاعم بأنها "هجومية". ولكن من المؤكد حدوث مضاعفات. ففي الثامن والعشرين من آب (أغسطس)، يتوقع أن يقرر أحد القضاة فيما إذا كان سيسمح باستمرار هذه القضية. ويجب أن يصدر حكما أيضا، من بين اعتبارات أخرى، فيما إذا كان يمكن للعراقيين رفع دعوى "بالوفاة نتيجة فعل غير مشروع" بموجب قانون فيرجينيا؛ ويقول محامو الدفاع إن المقاولين كانوا محصنين مبدئيا من القانون العراقي عام 2007.
ليس مرة أخرى أبدا
في الوقت الذي تستمر فيه هذه الدعاوى القانونية، يتم بذل جهود على نطاق أوسع لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. وقد رفض أوباما أساليب الاستجواب القاسية في يومه الثاني كرئيس. وفي الرابع والعشرين من آب (أغسطس)، أعلن البيت الأبيض أنه سيشكل فريق تحقيق جديد في مكتب التحقيقات الفيدرالي، وليس في وكالة الاستخبارات المركزية. وفي الوقت نفسه، يواجه المقاولون تشديد التدقيق. فشركة Blackwater لا تملك ترخيص عمل في العراق؛ فقد رفض المسؤولون المحليون تجديده. وتدرس لجنة من الحزبين، تم إنشاؤها من قبل الكونغرس العام الماضي، المقاولين عن كثب. وقد ذهب أعضاؤها إلى أفغانستان في الثالث والعشرين من آب (أغسطس) للتحقيق بصورة أكبر.
ولكن مع استمرار الحربين، لا مفر من التنازلات المحرجة. وتقول إدارة أوباما إنها قد تستمر في إرسال المحتجزين إلى الخارج لاستجوابهم، وهي ممارسة تجعل المشتبه بهم معرضين للتعذيب. وفي هذه الأثناء، لا تزال Blackwater تحت اسم Xe Services في حين أن عدد المقاولين في أفغانستان في تزايد. وقال تقرير أولي من اللجنة الحزبية حول المقاولين، تم نشره في حزيران (يونيو)، إن الرقابة لا تزال متقطعة. ولعل أوباما كان يأمل أن يبدأ بداية جديدة مختلفة تماما عن الماضي. ولكنه لا يزال مقيدا به.