أوهام طفرة
حينما ارتفعت أسعار إيرادات النفط ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الماضية، كثرت الأوهام حول ثراء البلد، وبنيت عليها مطالبات ومطالبات، ونسي المتوهمون أن يفكروا لأبعد من يومهم.
هل مررنا بتجربة سابقة تعطينا دروسا وعبرا؟
الحقيقة أنه سبق أن مررنا بطفرة أقوى وأعمق تأثيرا، وكان ذلك خلال الفترة 1394/1404هـ الموافق 1974/1984، والتي اشتهرت عند كثيرين باسم الطفرة أو بعبارة أكثر تدقيقا طفرة السبعينيات. في هذه الطفرة، تبدلت فيها حياة المجتمع تبديلا، لا يدرك قوتها إلا من عايشها، بل كانت بعض صورها أقرب إلى الخيال، وقد انتهت تلك الطفرة بسرعة كما بدأت بسرعة.
كيف حدثت تلك الطفرة؟
كان النفط يباع بسعر بخس طيلة عقد الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، وكانت الغالبية تعيش في فقر، تسكن في بيوت طينية بسيطة لا تكييف فيها، بل الكهرباء لم تصل إلى أماكن وقرى كثيرة، ورواتب معظم موظفي الحكومة لا تتجاوز بضع مئات من الريالات شهريا للموظف، وكان التكسب من العمل في مهن يدوية شائعا. كانت مفاهيم السائق والخادمة غير مألوفة في المجتمع، فأهل السلطة والثراء وحدهم من يملكون سائقين وخادمات، وقبلها بسنوات قليلة كانت العبيد والجواري.
لكن حدثت تطورات عربية وعالمية، جعلت أسعار النفط تتزايد بشدة، من نحو دولارين للبرميل مطلع عام 1973 لتصل إلى أكثر من 30 دولارا عام 1400هـ الموافق 1980. وارتفع دخل الحكومة من نحو 15 مليار ريال عام 1972 ليتجاوز 300 مليار ريال عام 1400هـ الموافق 1980، وشكل النفط أكثر من 80 في المائة منها. فاضت خزانة الحكومة بالمال، وبلغت فوائض الميزانية المتراكمة مئات المليارات من الريالات.
تسارع الإنفاق الحكومي تسارعا، ليقارب 300 مليار عام 1981، مقارنة بأقل من 20 مليار ريال قبل بضع سنوات. بنيت مدن صناعية وجامعية وعسكرية وموانئ وطرق سريعة، وأنشئت صناديق التنمية، وانتقل الناس من بيوت الطين إلى مساكن حديثة، واتسع نطاق العطايا والهبات والمنح، وضوعفت رواتب الحكومة، وانتشى الناس من الفرح.
ولنكون أكثر دقة، استأثر بالطفرة أهل المدن الكبرى أكثر من غيرهم. أما الأرياف والمناطق النائية فقد نالت الفتات من مخاض وخيرات الطفرة.
تبعا لنمو الإنفاق الحكومي الحاد، تدفقت السيولة، وزادت أسعار كل شيء، وضرب التضخم البلاد ضربا. واتسعت دائرة الارتزاق، وكثر المتكسبون بطرق مشروعة وطرق غير مشروعة. كثرة المشاريع تطلبت استقدام يد عاملة، لكن التساهل في الاستقدام أوجد آلاف المؤسسات التي فتحت بهدف استقدام عمالة تعمل لحسابها مقابل دفع رسوم ثابتة، ومع السنين ترسخت ثقافة التكسب الريعي، أي الحصول على عائد بدون جهد، وأصبحنا أكثر اعتمادا على الآخرين.
نبتت في المجتمع عدة أوهام عن أوضاعنا المالية، حيث ساد عند كثيرين وهم أن المال وفير جدا متاح لتحقيق كل ما تتمناه النفوس، وحل كل المشكلات التي تواجه المجتمع. وكانت النظرة عند كثرة من أفراد المجتمع أن أسعار وإيرادات النفط ستبقى مرتفعة ومجزية لتأمين مستوى معيشي مرتفع لعامة الشعب، ونظر إلى النفط كما لو أنه مورد غير ناضب.
ساد النمط الاستهلاكي غير المدعوم بقاعدة إنتاجية، ومعه تغيرت سلبا أنماط معيشية، وما زالت فينا، فمثلا صدر قرار قبل سنتين أو ثلاث بتوحيد دوامي البنوك، وتداول الأسهم. إلا أن غالبية الناس اعترضت على إلغاء الفترة المسائية التي تمتد إلى جزء من الليل، وفقا لاستفتاء نشرته جريدة "الرياض" في عددها الصادر يوم الخميس 25/10/1427هـ، الموافق 16/11/2006. هذا الاعتراض من آثار طفرة السبعينيات. فقد كانت الأعمال قبلها تنتهي مع غروب الشمس، وكان الناس يتناولون عشاءهم قبل الساعة الثامنة مساء، وتجدهم يأوون إلى فرشهم مبكرين. هذه الصورة السائدة آنذاك تتفق مع نمط الحياة السائد في الدول والشعوب الأخرى في الماضي وفي الحاضر، لأنه الأنسب كونيا واجتماعيا وصحيا وإنتاجيا. وهو المتفق مع هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها" رواه الشيخان.
تكلم متكلمون مطالبين بالترشيد في الصرف وحسن الإنفاق، وبعد النظر بالتحسب للمستقبل، ولكن هذه النصائح قوبلت بالانتقادات والاتهامات. قيل إن النظرة السوداء قد سيطرت على عقول الناصحين، ورموا بأنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
السنوات السمان لم تستمر، حيث بدأت أسعار النفط بالتدهور التدريجي ابتداء من عام 1982، ثم حدث الانهيار في أسعار النفط عام 1986، فقد انحدر سعر البرميل إلى نحو عشرة دولارات، وانخفضت تبعا لذلك إيرادات الحكومة انخفاضا شديدا. ورغم هذا الانخفاض فالأسعار ما زالت أعلى من بداية الطفرة بنحو أربع مرات، فما أشبه الليلة بالبارحة.
بدأت الميزانية العامة تعاني من العجز ابتداء من عام 1983، وعولج العجز بالسحب من الاحتياطي المتكون من فائض الميزانية، مصحوبا بتقشف في الإنفاق. ثم لُجئ إلى الاقتراض عاما بعد عام منذ 1987. ومع استمرار نقص المال استمر خفض الإنفاق على المشاريع العامة والمرافق والإسكان، وتوقف تنفيذ مشاريع كبيرة، وفي الوقت نفسه تضاعف عدد السكان وبلغ الدين العام مئات المليارات من الريالات. وتبعا لذلك تقلصت استثمارات القطاع الخاص، وضعف نموه، إلا أن الله سبحانه منَّ على العباد بموجة ارتفاع أسعار النفط الأخيرة لتبدأ دورة جديدة من الانتعاش.
فهل نستفيد من دروس الماضي، وبالله التوفيق،،،