رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الجامعات الحكومية.. من منظمات إلى مؤسسات

سياسة التوسع في إنشاء الجامعات في مناطق ومحافظات السعودية والتي كان آخرها جامعات الدمام والخرج وشقراء والمجمعة، تعكس حكمة ورؤية وتوجهات القيادة السياسية وفاعلية وكفاءة وحرص وزير التعليم العالي وفريق عمله على توفير التعليم الجامعي وجعله في متناول الجميع بتوزيع جغرافي يضمن تحقيق التنمية المتوازنة، ليس بين المناطق وحسب، ولكن داخل المنطقة الواحدة وبين محافظاتها. لقد بدا جليا أن استقطاب الأنشطة التنموية والتمركز السكاني في نطاقات جغرافية محددة يؤدي إلى صعوبة إدارة المدن والأقاليم وزيادة تكلفتها من جهة وإلى زيادة الهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية من جهة أخرى، ما يعني تفريغ المناطق الريفية من سكانها وهذا بلا شك له تبعات أمنية واقتصادية واجتماعية تستحق الاهتمام والتصدي لها بقرارات عملية واعية مثل قرار إنشاء الجامعات في مناطق متعددة من البلاد. ولا شك أن الجامعات كوحدات اقتصادية تقوم بتطوير وتخريج القوى العاملة المؤهلة وإعداد البحوث والدراسات الميدانية والاستشارات المهنية وفي الوقت ذاته توفر الفرص الوظيفية المباشرة وغير المباشرة كونها عنصر جذب للاستثمارات ومحفزا لقطاعي التجارة والصناعة وهي بذلك نواة التنمية الاقتصادية المحلية والبداية الصحيحة في الاتجاه الصحيح في بناء القدرات المحلية.
إنشاء الجامعات في مواقع متفرقة من السعودية سيكون الخطوة الفعلية في تنفيذ الاستراتيجية العمرانية الوطنية والتي تدعو إلى تنمية المدن المتوسطة وجعلها أكثر جاذبية للأنشطة والاستثمارات الاقتصادية والسكان وتقليل الهجرة للمدن الكبيرة التي تعاني التكدس السكاني والترهل وتئن من وطأة مشكلات الازدحام المروري والتلوث البيئي والجريمة والمخدرات والبطالة والفقر الحضري وهي تتفاقم يوما بعد يوم. لقد مضى على صدور الاستراتيجية العمرانية (2000م) ما يقارب العقد من الزمان دون تنفيذ واستمرت المدن الكبيرة والمناطق النامية تستحوذ على جميع الخدمات بمركزية شديدة على حساب المدن المتوسطة والمناطق الأقل تنمية، إلا أن إنشاء الجامعات قد يكون طرف حبل التنمية المحلية الذي ظللنا نبحث عنه وأول الخطوات الصحيحة نحو نظرة جادة لتطوير المدن المتوسطة وبناء الاقتصادات المحلية. إن سياسة إنشاء المدن الجامعية مثال للسياسات العامة الشاملة التي تحقق أكثر من هدف وتعالج أكثر من قضية وهو ما نحتاج إليه في مواجهة المشكلات المعقدة والمترابطة والمتداخلة. ففي أحايين كثيرة يكون التركيز في اختيار المشاريع العامة على تحقيق هدف بعينه وليس كسياسة تحمل في طياتها عددا من الأهداف والمنافع المترابطة التي يمكن جنيها. إن التفكير من منظور فني ضيق ومحدد يجعلنا نغفل عن التأثيرات الجانبية سواء سلبية كانت أم إيجابية لتظهر في المدى البعيد. قد يكون المشروع الوطني لزراعة القمح مثالا حيا لعدم التحسب للتأثيرات السلبية بينما يبرز مشروع "سابك" لصناعة البتروكيماويات كتجربة ناجحة لسياسة حققت أكثر من فائدة. من هنا يجب ألا ينظر إلى الجامعات على أنها ترف تعليمي أو تلبية لاحتياجات الأفراد، وإنما عامل أساس في تحقيق التنمية المتوازنة ومعالجة قضايا مهمة وملحة مثل الفقر والبطالة والإرهاب والمخدرات فهذه مشكلات بعضها من بعض وتحتاج إلى حزمة من السياسات المترابطة والمتكاملة ومتعددة الأهداف والمقاصد وهذا ما يحققه إنشاء الجامعات في المحليات. كما أن هناك جوانب سياسية لا تقل أهمية في تحفيز وتمكين وتفعيل مشاركة سكان مناطق الأطراف في التنمية الوطنية وتحريك للموارد المحلية وتوفير الفرص الوظيفية وإعادة توزيع الدخل ورفع المستوى المعيشي وتعزيز الانتماء الوطني وكل ذلك يصب في اتجاه بناء اقتصاد وطني متين يمكننا من المنافسة عالميا ومواجهة التحديات وتحقيق مستويات أعلى من النضج. فالاقتصاديات المحلية هي جذور الاقتصاد الوطني وترويتها والاعتناء بها يأتي من خلال إعادة تثقيف المجتمعات المحلية وهو الدور الرئيس للجامعات.
يبقى السؤال الأهم: كيف يتم تفعيل دور الجامعات لتسهم في التنمية المحلية؟ والجواب يكمن في القدرة على التحول من منظمات إلى مؤسسات. والفرق بين المفهومين هو في أن المنظمات تتعامل مع بيئتها ميكانيكيا دون النظر للجوانب الاجتماعية والثقافية، حيث تكون على أساس تبادل المنافع الاقتصادية المادية وحسب. في هذا النوع من التعامل تصبح الجامعات ذات قيمة اقتصادية تقدم خدمات تعليمية لسكان المنطقة في مقابل حصولها على الموارد العامة وهذا يحجم دورها في التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي المتطلب الأساس للتنمية الاقتصادية المحلية. ومن هنا كانت الدعوة إلى تحويل الجامعات إلى مؤسسات ذات قيمة اجتماعية من خلال اختيار قيادات وبرامج تعليمية ومناهج تمثل قيم وتوجهات المجتمع المحلي ومتطلباته. وعندما تكتسب الجامعة التقدير الاجتماعي وتكون قيمتها وأهميتها لذاتها تصل إلى مستوى المؤسسية. على سبيل المثال جامعة هارفارد الأمريكية ذات قيمة اجتماعية تلقى التأييد والدعم والمساندة من جميع أفراد المجتمع الأمريكي فتحظى بتبرعات سخية من رجال الأعمال والمهنيين وغيرهم كونها تمثل رمزا للقيم التي يؤمنون بها. والسبب الرئيس وراء نجاح هارفارد وغيرها من الجامعات في العالم في كسب التأييد هو في فتح مجال المشاركة للمجتمع المحلي في المساهمة في صياغة سياساتها وبرامجها وتلوينها بالثقافة المحلية والشعور بأنهم جزء لا يتجزأ من الجامعة وأنها منهم وإليهم. عند هذا المستوى من النضج المؤسسي تكون الجامعات أكثر قدرة على التأثير في المجتمع المحلي وقيادته في الاتجاه الذي ينسجم معه. هذا هو الدور الحقيقي للجامعات في لعب أدوار اجتماعية بكفاءة وفاعلية والامتزاج مع المجتمع وتحقيق طموحاته وتطلعاته ليس على مستوى تقديم الخدمات التعليمية للأفراد وحسب وإنما الإسهام في بناء الاقتصاد المحلي بتخريج طلاب بمهارات ومعارف مطلوبة تنسجم مع متطلبات الصناعة والقاعدة الاقتصادية المحلية، هذا إضافة إلى تقديم الدراسات الميدانية والاستشارات المهنية عبر خبرات وطنية مدربة تدريبا عاليا.
من هنا كان التطلع ونحن في هذا المسعى والمشروع الوطني الكبير في ألا يكتفي بالتركيز على الزيادة العددية للجامعات مع أهميتها الكبيرة - كما أوضحنا سلفا - ولكن إعادة هيكلتها إداريا وتحويلها إلى مؤسسات غير ربحية (شبه حكومية) تحظى باستقلال مالي وإداري ولكن بمعونات سنوية من الدولة تكون بحسب إعداد الطلاب ونوعية البرامج المقدمة. هكذا نضمن أن تساير الجامعات المتغيرات والمستجدات في بيئتها وتكون أكثر مرونة وإبداعا ونقضي - بإذن الله - أو على أقل تقدير نخفف من أزمات القبول كل عام. لا بد أن يكون هناك حوافز وبواعث لإدارات الجامعات حتى تسعى للتطوير وفي الوقت ذاته يكون تقييمها مبنيا على قدرتها في ابتكار وسائل جديدة لتقديم الخدمات التعليمية والبحث عن موارد جديدة واستجلاب الدعم والمساندة من المجتمع المحلي. ولذا يقترح أن ينشأ مجلس أمناء في كل جامعة يكون مجلسا تشريعيا يرسم السياسات العامة ويحدد البرامج ويجتذب موارد جديدة ويربط بين البرامج واحتياجات سوق العمل. مجلس الأمناء يتكون في عضويته من ممثلين للقطاعات الصناعية والتجارية وأصحاب النفوذ والفاعلين في المجتمع المحلي، أما مجلس الجامعة الحالي فيتحول إلى مجلس تنفيذي لتوجيهات مجلس الأمناء. هكذا تتحول الجامعات إلى مؤسسات حية فاعلة تؤثر وتتأثر بالمجتمع المحلي وتسهم في التنمية المحلية الهدف الأساس لجميع القرارات والمشاريع الحكومية. 

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي