هيئة السوق المالية وعقوبة السجن
أعلنت هيئة السوق المالية صدور قرار نهائي من لجنة الفصل في المنازعات بإدانة أحد الموطنين وإيقاع عدد من العقوبات عليه في نقطة فاصلة، حيث تضمن القرار ولأول مرة عقوبة السجن التي بلغت مدتها ثلاثة أشهر. ومع أن البعض يقول إنه قرار مع وقف التنفيذ, حيث صادف (بقصد أو من دون قصد) صدور مكرمة خادم الحرمين الشريفين بالعفو عن سجناء الحق العام لكنه رغم هذا يعد قرارا نوعيا وتاريخيا في قضايا السوق المالية السعودية، فصدوره ثم تنفيذه يؤكد مرة أخرى جدية هيئة السوق المالية ومضيها قدما في ترسيخ مفاهيم التداول العادل رغم كل العوائق الثقافية التي تواجهها. ليست هذه هي النقطة المفصلية الوحيدة في قرارات الهيئة, بل مرت قضايا السوق والتداولات بتطورات عديدة ومهمة, لعلي أتتبع في هذا المقال أهم مساراتها.
منذ إنشاء هيئة السوق المالية أصدرت ما يقرب من 41 إعلانا تضمنت عقوبات بين الغرامة والإيقاف وسحب الترخيص (منها 17 إعلانا عقوبات أفراد). وقد صدر أول إعلان من هذا النوع عام 2005 بإيقاع غرامات مالية على 44 من أعضاء مجالس إدارات وتنفيذيين كبار لـ 35 شركة مدرجة أسهمها في السوق, وذلك لمخالفتهم قواعد التسجيل والإدراج وتعاملهم في الأوراق المالية لشركاتهم خلال فترات الحظر، كما تضمن القرار إحالة ثماني مخالفات تنطوي على تداول بناءً على معلومات داخلية للتحقيق. لم يذكر الإعلان أسماء المخالفين أو الشركات ولا قيمة الغرامات كما لم يتم إطلاع الجمهور على الحالات الثماني وهل صدر في حقهم شيء يذكر. في عام 2005 أصدرت الهيئة أربعة قرارات أخرى لم تتضمن إعلاناتها الأسماء أو الغرامات، وإن بدأت في تحديد أسماء الشركات في تطور نوعي لإعلاناتها.
في عام 2006 حدث تطور مهم، وذلك عندما أصدرت لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية ثلاثة قرارات ضد ثلاثة من المتداولين لمخالفتهم في تداول أسهم عدة شركات: من بينها الكهرباء، المتطورة، تبوك الزراعية، بنك الرياض، والغاز. ونص القرار على منعهم من العمل في الشركات المدرجة في السوق أو عضوية مجالس إداراتها لمدة ثلاث سنوات، وتغريمهم 169 مليون ريال. كما هو ملاحظ فقد حدد الإعلان أسماء الشركات والعقوبة وحجم الغرامة ولكنه لم يذكر أسماء المخالفين. وبذلك استمرت الهيئة في سياسة عدم ذكر الاسم الشخصي للمخالف حتى إن ذكرت اسم مؤسسته، ففي إعلان آخر في عام 2006 نفسه أشارت الهيئة إلى قيام أحد المواطنين (دون ذكر اسمه) بتقديم المشورة في الأوراق المالية دون ترخيص وقامت الهيئة بإعلان اسم المكتب وكذلك قرار إيقاع الحجز التحفظي لصاحب المكتب. كما شهد عام 2006 تطورا جديدا عندما أعلنت الهيئة ولأول مرة قرارا من مجلس الهيئة بفرض غرامات مالية على شركات غير ملتزمة بمواعيد الإفصاح عن القوائم المالية ورغم أن المخالفة واحدة لتلك الشركات فقد ظهر اختلاف في قيمة الغرامات الموقعة ولم تقدم الهيئة تعليقات على ذلك القرار وتلك الفروق. أصدرت الهيئة سبعة إعلانات عام 2006 وانتهجت فيها عدم ذكر اسم المخالف بينما أعلنت أسماء الشركات التي تمت فيها المخالفة.
في عام 2007 أعلنت الهيئة صدور قرار إدانة من لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية ضد أحد الموطنين (تم إعلان الاسم في حينه) لارتكابه مخالفات عديدة (لم تذكر المخالفات) لنظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية، تضمن القرار إلزامه بدفع المكاسب التي حققها نتيجة تلك المخالفات إلى حساب الهيئة التي بلغت قيمتها 88 مليون ريال، كما تم فرض غرامة مالية عليه قدرها 2.4 مليون ريال. من المناسب الإشارة إلى أنه في عام 2006 أعلنت إعلانا مقتضبا عن زيادة غير طبيعية في نشاطات المضاربة لعدد من المتداولين في السوق المالية وأن هناك شكا في نمط وطبيعة تلك النشاطات. لذلك قد يكون الإعلان في 2007 عن إدانة المواطن قد بدأت إجراءاتها فعلا عام 2006، لكن الهيئة لم تربط بين إعلاناتها لذا من الصعب التأكد من ذلك بمجرد قراءة تلك الإعلانات المتفاوتة وغير المترابطة. ومع ذلك فان الإعلان عن الإدانة المذكورة يمثل تغيرا نوعيا وتاريخيا، فهذه هي المرة الأولى التي تعلن الهيئة عن اسم المخالف ولأول مرة أيضا تعلن عقوبة بهذا الحجم وتعلن رد المكاسب, وهو الأمر الذي لم يظهر في إعلانات سابقة، حيث تضمنت مجرد فرض غرامة. لكن الملاحظ هنا عدم ذكر أسماء الشركات التي تمت فيها المخالفة ولا نوع المخالفة وهو الأمر الذي خالف التطور المفترض في إعلانات الهيئة. ولكن وفي العام نفسه أعلنت الهيئة إدانة أربعة موطنين (أعلنت الأسماء) منهم اثنان يعملان وسطاء لأحد البنوك, كما حددت الهيئة نوع المخالفات وأضافت لأول مرة عقوبة الإيقاف عن التداول لمدة ثلاث سنوات وعقوبة تعليق الترخيص لمدة سنتين, إضافة إلى عقوبة رد المكاسب وفرض الغرامة التي ظهرت في الإعلان السابق. هذا الإعلان يمثل نموذجا متقدما فعلا لإعلانات الهيئة حيث شمل الفترة التي بدأ فيها التحقيق والتي بدأت عام 2006, كما شمل أسماء المخالفين والشركات ونوع المخالفة والعقوبات كذلك.
لم يحدث تطور مهم في الإعلانات ونوعية العقوبات وإن تزايدت أعدادها بشكل لافت عامي 2008 و2009 حتى صدور القرار الأخير للهيئة الذي أضاف عقوبة السجن لأول مرة. لكن اللافت في الأمر أن العقوبات قبل هذا الإعلان لم تختلف كثيرا سواء كانت المخالفة من نوع التلاعب بآليات السوق من خلال المضاربات أو الاتجار بالمعلومات الداخلية. لم تفرق القرارات السابقة بين هذين النوعين إلا في القرار الأخير حيث أضافت السجن في قضية الاتجار بالمعلومات الداخلية. أعلنت الهيئة أربعة مخالفات تعود للاتجار بالمعلومات الداخلية لم تظهر عقوبة السجن إلا في الإعلان الأخير منها، وهو الأمر الذي يضيف تساؤلات مهمة حول آلية تحديد العقوبة في لجنة فض المنازعات.
في عقوبات الشركات التي يصدرها مجلس الهيئة نجد نوعا من الثبات في حجم العقوبة حتى في طريقة نص البيان, بينما هناك تفاوت غير مفهوم بالنسبة إلى قرارات لجنة فض المنازعات. فنجد حكمين مختلفين في قضيتين متماثلتين للاتجار بالمعلومات الداخلية لأعضاء مجالس الإدارات – حسب الإعلان - دون تقديم توضيحات لماذا كان هذا الحكم أكثر قسوة مما سبقه.
الأمر الآخر الذي لم تزل تغفله الهيئة هو حقوق المتداولين في السوق, خاصة الصغار, وهم المعرضون دائما لمثل هذه التصرفات والتلاعب. أدت الهيئة مشكورة دورها كاملا في اكتشاف المخالفة وتحديد المخالف بل إعلان اسمه ومن ثم محاكمته وعقابه, وفي كل مرة تعلن الهيئة عن رد المكاسب لحسابها وليس لحساب المتضررين. في جميع إعلانات الهيئة وبلا أي استثناء لم تحدد الهيئة الفترة التي تم فيها التلاعب وهو أمر أعتقد أنه سهل وحتى يتمكن المتضرر من تحديد أحقيته ومن ثم مطالبة الهيئة بحقوقه أو على الأقل التعويض ولو بطريقة قسمة الغرماء.