ضرورة إنشاء كيان حكومي متخصص في دعم ورعاية الأعمال الصغيرة
إضافة إلى مصادر العوائق التي تعانيها الأعمال الصغيرة والتي تم التطرق إليها في المقالات السابقة، يوجد مصادر أخرى لعل من أبرزها غياب مؤسسة عامة تتولى دعم ورعاية الأعمال الصغيرة ونقص المعلومات. ويتسبب نقص المعلومات في الخوف والتردد من الإقدام على الاستثمار وبدأ الأعمال والتوسع فيها. وللتغلب على نقص المعلومات في الوقت الحالي يحاول المبتدؤون تقليد المشاريع الصغيرة القائمة أو سؤال ملاكها عن طبيعة أعمالهم والعوائق التي تقف أمامهم وكيفية التغلب عليها وتحقيق الأرباح. ولا تتوافر لكثير من ملاك الأعمال الصغيرة الخبرة والمعرفة الكافية لإدارة أعمالهم، بل إن الكثير منهم لا يفقه حقيقة الأعمال التي يملكونها ويلقون بالمسؤولية على الموظف (أو المالك الحقيقي) الأجنبي الذي تحمل مشقة العمل في المؤسسة وجنى معظم أرباحها. من جهةٍ أخرى، لا يوفر كثير من ملاك المؤسسات المعلومة المهمة والدقيقة التي يخشون أن تهدد أعماله وترفع درجات المنافسة التي يواجهونها.
ولتوفير المعلومات ودعم المؤسسات الصغيرة ورعايتها أنشأ عدد كبير من دول العالم مؤسسات حكومية مسؤولة عن هذه الأعمال وأهم ما تضطلع به هذه المؤسسات:
1- العمل على توفير الدعم التشريعي والنظامي للأعمال الصغيرة، من خلال صياغة وطرح ومتابعة تبني مشاريع قرارات الدعم والمساندة والرعاية للمؤسسات الصغيرة. وتسعى هذه المؤسسة إلى تفعيل هذه الأنظمة والمطالبة بالمخصصات المالية لممارسة أنشطتها. وتسعى أيضاً إلى تعديل الأنظمة التي تؤثر في الأعمال الصغيرة وجعلها مشجعة لها. ومن تلك الأنظمة بعض الرسوم التي تتقاضاها المؤسسات العامة المحلية والوطنية والتي لا تميز بين الأعمال الصغيرة والكبيرة. مراعاة المؤسسات الصغيرة ينبغي أن تمتد إلى الرسوم على الخدمات الحكومية والمنافع العامة، فرسوم اللوحات الموجودة على المحال مثلاً سواءً الصغيرة والكبيرة واحدة. وقد تكون هناك حاجة لإعادة النظر في بعض رسوم المخالفات المفروضة على المؤسسات الصغيرة، وإمكانية أن يعطى المخالفون من أصحاب المؤسسات الصغيرة فترة سماح معينة لتصحيح المخالفات النظامية، حيث يتم فيما بعدها فرض الغرامات وتحصيلها. فكثير من أصحاب المؤسسات الصغيرة يشتكي من كثرة الغرامات المطبقة على مؤسساتهم.
2- وجود مؤسسة مركزية مسؤولة عن مساندة ورعاية ودعم الأعمال الصغيرة يساعد في توحيد وتركيز الجهود المبعثرة التي تقوم بها جهات متعددة للعناية بالأعمال الصغيرة ودعمها كما سيعمل على تكثيف مستويات الدعم والرعاية. ففي المملكة يتبنى بنك التسليف والادخار عدة برامج لدعم تمويل الأعمال الصغيرة كما توجد برامج أخرى متعددة لدعم الأعمال الصغيرة مثل برنامج المئوية. وعند توحيد عمليات دعم الأعمال الصغيرة في مؤسسة واحدة تتركز الجهود وتصبح أكثر فاعلية مما يرفع كفاءة استخدام الموارد وتوجيهها. وفي حالة تخصص مؤسسة حكومية في رعاية الأعمال الصغيرة ودعمها وعدم تحملها أعباء أخرى فستتراكم عندها الخبرات المتصلة بالأعمال الصغيرة وأفضل سبل دعمها، مما سيؤدي إلى استحداث برامج أخرى وتحسين أداء البرامج القائمة.
3- ستعمل المؤسسة الوطنية التي ترعى الأعمال الصغيرة على توفير المعلومات ذات العلاقة مثل متطلبات إنشاء الأنواع المختلفة من هذه الأعمال وأمثلة لكل نوع من الأعمال وكيف تتم عمليات حساباتها، وإدارتها، وكيف يتم تطويرها. كما ستوفر معلومات عن المتطلبات النظامية والقانونية لبداية ومسيرة الأعمال، وكذلك كيفية وضع خطط العمل أو دراسات الجدوى للأعمال الصغيرة. وتوفر للمبتدئين وملاك الأعمال الصغيرة بشكل عام معلومات عن كيفية استخدام الوسائل الحديثة للتسويق كالإنترنت، وكيفية استخدام وسائل البيع الحديثة كالبيع بالشبكة وبطاقات الائتمان. إن توفير أكبر قدر من المعلومات ذات العلاقة للأعمال الصغيرة دون تكاليف هو صورة من صور الدعم الذي يمكن أن تقدمه الحكومة لمساعدة الأعمال الصغيرة والذي سيعزز من فرص نجاح ونمو الأعمال الصغيرة.
4- سيساعد وجود جهة مستقلة تتولى رعاية المؤسسات الصغيرة في عقد اتفاقيات وتنظيم التعاون مع مؤسسات القطاعين الخاص والعام لتشجيع الأعمال الصغيرة أو بعض منها.
5- سيساعد وجود جهة مستقلة مسؤولة عن الأعمال الصغيرة في حماية هذه الأعمال ضد المنافسة الأجنبية غير العادلة والتي تأتي على شكل إغراق بسلع منخفضة السعر والجودة مما يقضي على كثير من الأعمال الصغيرة العاملة في إنتاج السلع المحلية ويرفع معدلات البطالة.
6- سيساعد وجود جهة مستقلة على وضع معايير للأعمال الصغيرة ورفع جودة أعمالها مما سيدفعها للنمو والتميز.
7- يمكن أن تقوم الجهات المسؤولة بتشجيع الأعمال الصغيرة على تكوين جمعيات وروابط تسويقية، مما يساعد على تسويق منتجات الأعمال الصغيرة ويخفض من تكاليف المؤسسات الصغيرة التي تعمل في المجالات الإنتاجية.
8- جمع المعلومات والبيانات عن الأعمال الصغيرة بما في ذلك عددها وأنواعها وأرباحها وتكاليفها وعمالتها وعناوينها وتحديد المصاعب التي تواجهها. وستوفر هذه المعلومات مؤشرات كمية عن الأعمال الصغيرة تساعد على تبني القرارات الصائبة وتعظيم الفوائد.
9- يمكن استخدام الجهة المتخصصة في الأعمال الصغيرة لتقديم عمليات إنقاذ للمؤسسات الصغيرة في حالات تعرضها بشكل واسع للإفلاس أو في حالات ظهور الأزمات الاقتصادية.
10- يمكن أن تقوم المؤسسات المتخصصة في الأعمال الصغيرة بتوجيهها لأفضل سبل الحصول على تمويل أو إعانات أو دعم من الجهات الحكومية أو الخاصة.
11- يمكن أن تقوم بتوفير برامج تدريبية تقليدية أو باستخدام التقنيات الحديثة مثل الإنترنت أو توجيه الراغبين لأماكن الحصول على تدريب في مهارات معينة.
12- يمكنها تنظيم وتوجيه المتطوعين من ذوي الخبرات الراغبين في مساعدة ملاك الأعمال الصغيرة.
13- يمكنها تنظيم تصدير سلع الأعمال الصغيرة ومساعدتها على الحصول على الدعم اللازم لعمليات التصدير والمنافسة في التجارة العالمية.
إن وجود مؤسسات متخصصة لرعاية المؤسسات الصغيرة ودعمها لا يضمن عدم تعرض هذه المؤسسات للخسارة والإفلاس، ولكن وجود الكيانات الحكومية يساعد المؤسسات الصغيرة وملاكها على مواجهة العقبات التي تعترضهم ويحسن من مستويات إدارة هذه المؤسسات مما يرفع من فرص نجاح هذه المؤسسات ويدعم التنمية المستدامة ويخفض البطالة ويرفع من دخول الأفراد. وترتفع في المملكة ضرورة إنشاء كيان حكومي يوحد جهود دعم ورعاية الأعمال الصغيرة ويعمل على زيادة مستوياته لتتمكن من توظيف ملايين الأيادي العاملة السعودية المقبلة إلى سوق العمل في الأعوام المقبلة.