توقعات نمو الطلب العالمي على النفط بعد الأزمة الاقتصادية
في الأسبوع الماضي تمت مناقشة موضوع سياسات الطاقة وأثرها في مستقبل الطلب العالمي على النفط، في هذا الجانب أشار المقال إلى أن الخفض في التوقعات المستقبلية للطلب على النفط هو في الأساس نتيجة سياسات الدول الغربية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على النفط وخصوصا المستورد من مناطق يعتبرونها غير آمنة، وحماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي، يعزز هذا الخفض في التوقعات الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم من وقت إلى آخر وآخرها الأزمة المالية الحالية. حيث تمثل هذه السياسات في مجملها والأزمات الاقتصادية في مجملها تحدا كبيرا للدول المنتجة للنفط للاستثمار في حقول جديدة، وإضافة طاقات إنتاجية جديدة، في ظل تذبذب كبير في أسعار النفط، استمرار ارتفاع تكاليف التطوير والإنتاج وارتفاع الطاقات الإنتاجية الاحتياطية إلى مستويات قياسية.
كذلك أشار المقال إلى أن الطلب العالمي على النفط يحتاج على الأقل من أربعة إلى خمس سنوات ليعود إلى المستويات التي كان عليها في عام 2007 في حالة تعافي الاقتصاد العالمي تماما من الأزمة الاقتصادية الحالية. في هذا المقال ستتم مناقشة هذا الموضوع بصورة أكثر تفصيلا.
أساسيات أسواق النفط المتعارف عليها المتمثلة في العرض والطلب، الطاقات الإنتاجية الاحتياطية والمخزون العالمي من النفط جميعها اليوم لا تدعم الارتفاع في أسعار النفط التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الأشهر القليلة الماضية. حيث إن الطلب العالمي على النفط ما زال ضعيفا والطاقات الإنتاجية الاحتياطية ارتفعت إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميا، كما ارتفع المخزون النفطي العالمي إلى مستويات قياسية هو الآخر، حيث وصل المخزون العالمي من النفط والمنتجات لبلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فقط إلى نحو 2.7 مليار برميل. لكن الأسواق العالمية للنفط أصبحت أيضا تتأثر بعوامل أخرى باتت تعرف بأساسيات السوق الجديدة، مثل المضاربين على اختلاف أنواعهم ومسمياتهم، سعر صرف العملات وخصوصا الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى والتوقعات والتكهنات المستقبلة عن حالة الاقتصاد والأسواق. السؤال المهم في هذا الجانب هو؛ ما درجة تأثير هذه العوامل في الأسواق العالمية للنفط، وإلى أي مدى يمكن لها أن تصمد أمام أساسيات الأسواق التقليدية وخصوصا تلك المتعلقة بالعرض والطلب وحالة الاقتصاد.
يجمع معظم المختصين في هذا المجال إلى أن العرض والطلب وباقي أساسيات السوق النفطية المتعارف عليها هي التي تحدد اتجاه الأسواق على المدى البعيد، بينما باقي العوامل (الأساسيات الجديدة) تعمل فقط على تفاقم هذا الاتجاه في المدى القريب. لذلك من المهم جدا معرفة متى سيعود النمو في الطلب العالمي على النفط، والأهم من ذلك بأي وتيرة سيعود؟. إن دراسة وتحليل الفترات السابقة من تراجع الطلب على النفط أو الكساد الاقتصادي تساعد على إلقاء الضوء على هذه التساؤلات، على الرغم من اختلاف الأسباب والدوافع في بعض الأحيان.
في السنوات المقبلة سيتميز الطلب العالمي على النفط باستمرار التباين في نمو الطلب على النفط بين الدول الناشئة، كالصين، الهند والبرازيل، حيث تتميز هذه الدول بنمو اقتصادي جيد، والدول الصناعية، كبلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. تتوقع معظم الدراسات في هذا الجانب في المتوسط، أن الطلب العالمي على النفط سيزداد بنحو أربعة ملايين برميل يوميا خلال السنوات الأربع المقبلة من 83.9 مليون برميل يوميا في عام 2009 إلى 88 مليون برميل يوميا في 2013. هذه الزيادة في الطلب تمثل معدل نمو سنوي قدره مليون برميل يوميا في المتوسط، وهو معدل جيد مقارنة بمتوسط معدل نمو الطلب للعقدين الماضيين.
مجمل النمو في الطلب على النفط، أربعة ملايين برميل يوميا، من المتوقع أن يأتي من الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنميةnon- OECD، حيث يتميز معظمها بنمو اقتصادي جيد، زيادة في عدد السكان، وبداية الرخاء الاجتماعي ونمو الطبقة المتوسطة. الصين وحدها فمن المتوقع أن تشهد نموا في الطلب عل النفط يقدر بنحو 1.5 مليون برميل يوميا من النمو الكلي. حيث من المتوقع أن يصل الطلب على النفط في الصين إلى نحو 9.5 مليون برميل يوميا في عام 2013. أما في باقي دول آسيا من المتوقع أن تشهد نموا في الطلب على النفط أيضا يقدر بنحو 1.2 مليون برميل يوميا. الطلب على النفط في الشرق الأوسط وإفريقيا، عدا دول منظمة أوبك، من المتوقع أن ينمو بنحو 0.4 مليون برميل يوميا خلال السنوات الأربع المقبلة. في دول منظمة أوبك من المتوقع أن ينمو بنحو 0.6 مليون برميل يوميا في الفترة نفسها. أما في أمريكا اللاتينية ودول الاتحاد السوفياتي السابقة فمن المتوقع أن ينمو الطلب بنحو 0.2 مليون برميل يوميا لكل منهما.
من جهة أخرى، الطلب على النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من المتوقع أن يبقى نوعا ما مستقرا عند 45.5 مليون برميل يوميا خلال السنوات الأربع المقبلة. هذا الركود في نمو الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يسلط الضوء على العديد من التغيرات الهيكلية في الطلب على النفط في هذه البلدان، بما في ذلك وصول اقتصادياتها إلى مرحلة النضج وضعف فرص تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، العمل على استبدال مصادر النفط التقليدية بمصادر الطاقة المتجددة، تباطؤ وتيرة النمو في استهلاك وقود النقل، وضع سياسات صارمة لترشيد استهلاك الطاقة والاهتمام المتزايد بقضايا أمن الإمدادات، وضعف معدلات النمو السكاني. كانت هذه الاتجاهات في نمو الطلب على النفط واضحة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث شهدت تغيرا في سلوكيات المستهلك في هذا المجال. حيث إن الطلب على البنزين في الولايات المتحدة، وهو يمثل نحو 50 في المائة من الطلب على النفط في الولايات المتحدة قد بلغ ذروته في عام 2007. كما أن النمو في إنتاج الإيثانول والتصديق أخيرا على قانون لتحسين معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للمركبات الخفيفة سيساعد على هذا الاتجاه، حيث إن هذا القانون سيعمل على خفض وتيرة استهلاك النفط نتيجة دخول أسطول من المركبات أكثر كفاءة خلال العقد القادم. في أوروبا انخفاض معدلات النمو السكاني وارتفاع كثافة المركبات حاليا، من الطبيعي أن يبطئ معدل النمو في ملكية السيارة. إضافة إلى ذلك استمرار التحول إلى مركبات أكثر فعالية تعمل بوقود الديزل، سيساعد على الحد من استهلاك الوقود للميل الواحد. في الوقت نفسه، سياسات الحكومات تهدف بصورة متزايدة الآن إلى الحد من استخدام الطرق وذلك عن طريق تحسين النقل العام أو من خلال وضع ضوابط على حركة المركبات داخل مراكز المدن. كما أن استمرار انتقال العديد من الصناعات المستهلكة بكثافة للطاقة (مثل البتروكيماويات، الحديد والصلب وغيرها) من أوروبا إلى الدول الناشئة، كذلك سيساعد على الحد من استهلاك النفط ومنتجاته. في اليابان، الطلب على النفط وصل ذروته منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وبدأ بعد ذلك بالانخفاض تدريجيا. الطلب على النفط في كوريا الجنوبية وصل ذروته أيضا منذ نحو عشر سنوات وبقي بعد ذلك مستقرا. إذن ذروة الطلب على النفط هو حقيقة الآن، حيث إن الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد بلغ ذروته بالفعل، لكن ليس هو الحال كذلك في الاحتياطيات والإنتاج.