اليابان عالقة في المنطقة المحايدة
ليس هناك مواطنون في العالم الغني يأخذون إجازات قليلة جدا مثل اليابانيين. ولا غرابة في ذلك. وفي الأسابيع الماضية، غادر ملايين الأشخاص المدن للقيام برحلة الحج السنوية إلى القرى لتبجيل أرواح أسلافهم، ومن المحتمل أن يعلق كثير منهم في الاختناقات المرورية التي تمتد 40 ميلا في الطرق السريعة التي تشبه الفرن تحت الحرارة الملتهبة.
ومن الشائع معاناة هذا البؤس خلال احتفال Obon البوذي، ولكن الأمور أسوأ هذا العام. فأحد التدابير الصارمة للحكومة للتخفيف من الأزمة الاقتصادية هو تشجيع الناس على إنفاق المال على الفنادق والمقاهي ، وغير ذلك من أشكال الترفيه. ولتحقيق ذلك، خفضت تكلفة رسوم الطرق إلى نحو العشر من مستواها المعتاد، ما جذب مزيدا من الناس إلى الطرق المختنقة بالدخان.
وليست تلك المرة الأولى التي يحاول فيها قادة اليابان التشديد على جانب المتعة في الحياة لتعزيز الاقتصاد المحلي في اليابان وجعله أقل عرضة لتقلبات التجارة العالمية. ففي عام 1986، حين كان فائض الحساب الجاري الضخم لليابان مصدرا كبيرا للتوتر مع أمريكا، تحدث تقرير Maekawa، الذي كتبته هيئة من الخبراء اليابانيين، عن مزايا أخذ مزيد من الإجازات باعتبار ذلك وسيلة لكي يسترخي المدمنون على العمل ويزيدوا إنفاقهم أكثر فأكثر. ولكن لم يحدث هذا مطلقا. وبدلا من ذلك، فإن ما قدمته اليابان للعالم في أواخر الثمانينيات هو درس في مدى صعوبة إعادة توازن الاقتصادات. وهدأت الدولة أولا غضب أمريكا وعدّلت دفاتر تجارتها عن طريق زيادة قيمة الين. ولكن مع انخفاض الدولار، عكست مسارها وخفضت أسعار الفائدة، ما أدى إلى زيادة الإنفاق على كل شيء من عضوية نوادي الجولف في الداخل إلى المباني الفارهة في مانهاتن. وأدى الائتمان الرخيص إلى تغذية فقاعة سوق الأوراق المالية والأراضي الكبيرة التي انفجرت وكان لها نتائج كارثية في التسعينيات وما بعدها.
وتغيرت الأوضاع بسرعة حتى هذا العقد وكان فائض الحساب الجاري لليابان أعلى من أي وقت مضى، حيث بلغ 4.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2007. والسبب في ذلك هو أن تأثير التجارة الخارجية في نمو الاقتصاد لا يزال أكبر منه في عديد من الاقتصادات الأكثر انفتاحا. وزاد نمو الصادرات من 4 في المائة سنويا في هذا العقد بداية من عام 1992 إلى نحو 10 في المائة سنويا من 2002-2007. وتظهر أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن مساهمة التجارة الخارجية في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك السنوات كانت عالية في اليابان وعالية بالقدر نفسه في ألمانيا. وتمت إعادة ضخ بعض الأرباح الوفيرة لكبار المصدّرين الذين يبيعون سيارات لكزس وأدوات ألعاب الفيديو وشاشات التلفزيون المسطحة للغربيين خلال فترة الائتمان الرخيص إلى بناء المصانع والاستثمار في التكنولوجيا الجديدة في الوطن، ما عزز النمو بصورة أكبر. ووفقا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولدت صناعات التصدير نحو ثلث الناتج السنوي خلال السنوات التي سبقت الأزمة.
ويشير فائض الحساب الجاري، الذي استمر طوال العقود الثلاثة الماضية تقريبا سواء كان الين قويا أو ضعيفا، إلى أن المسألة هيكلية وليست دورية. ويظهر تقرير جديد لمورجان ستانلي عن الاختلالات الآسيوية أنه طوال فترات الازدهار والكساد منذ أوائل الثمانينيات، كانت الاستثمارات دائما أقل من المدخرات. وقللت الأسر، التي طالما كانت أكبر المدخرين في اليابان، ادخارها في السنوات التي سبقت الأزمة المالية مع ظهور تأثير انخفاض نمو الأجور وارتفاع نسبة المسنين بين السكان: انخفض معدل ادخار الأسر من 10 في المائة في التسعينيات إلى نحو 2.2 في المائة عام 2007، إلا أن الدولة استمرت بإنفاق أقل مما تجنيه ،لأن المصدّرين كانوا يخزنون جزءا من أرباحهم. وقد أسهمت مجموعة من العوامل في إبقاء الطلب المحلي دون المستوى، واستفاد العمّال اليابانيون بصورة أقل من طفرة الصادرات الأخيرة مما كانوا يستفيدون في السابق: تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن حصتهم من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من 73 في المائة عام 1999 إلى 65 في المائة عام 2007. والعوامل الديموغرافية السيئة لليابان، وتقلص عدد السكان في سن العمل وزيادة نسبة السكان المسنين، ساعدت على فرض ضغوط تنازلية على الأجور. فقد كان عدد أكبر من العمال الذين يحصلون على أجور مرتفعة يتقاعدون ويحل محلهم شباب ذوو أجور منخفضة، مما تسبب في تراجع الأجور. ولم ينفق المتقاعدون بسخاء بسبب عدم اليقين بشأن التزام الحكومة بالمعاشات التقاعدية الحكومية.
وأدت خاصيتان أخريان للاقتصاد إلى انخفاض الأجور أيضا، وبالتالي انخفاض الإنفاق الاستهلاكي. الأولى هي أن اليابان تعاني فجوة واضحة بين الشركات الكبيرة، التي تحقق مستوى عاليا من الربحية، والشركات الصغيرة. ووفقا لصندوق النقد الدولي، لا تزال الشركات الصغيرة تكافح مع تراث أزمة الديون في اليابان في التسعينيات. وعلى الرغم من أنها توفر نحو 70 في المائة من الوظائف في اليابان، إلا أنها تحقق أرباحا ضئيلة لتمويل زيادات الأجور منها. والثانية هي أنه في صناعة التصنيع هناك تفاوت كبير بين العمال الذين ينتمون إلى النقابة والذين يتمتعون بأجور عالية وزيادات كبيرة والأمن الوظيفي، وبين العمال ''غير المنتظمين''. وفي السنوات التي سبقت الأزمة أصبح العمال غير المنتظمين يشكلون نحو ثلث قوة العمل، وذلك بسبب سعي الشركات لزيادة المرونة في مواجهة المنافسة من المنافسين ذوي الأجور المنخفضة في آسيا. وأدى هذا التحول إلى انخفاض الأجور عام 2007، مع أن الاقتصاد كان يقترب من مستوى التشغيل الكامل. وكانت ضغوطات الأجور هذه تعني أن طفرة النمو لمدة خمس سنوات في الدولة قبل الأزمة- أطول فترة في تاريخ اليابان بعد الحرب- لم يكن لها تأثير يُذكر على الأسر. وعلى مدى الخمس سنوات حتى عام 2007، نما الاستهلاك الخاص الحقيقي بنسبة 1.1 في المائة سنويا، أي نحو المستوى نفسه خلال ''العقد الضائع'' في التسعينيات. وكان أعلى مما كان عليه في ألمانيا، ولكن أقل بكثير عنه في أمريكا، حيث زاد الإنفاق الاستهلاكي بسرعة تزيد ثلاثة أضعاف تقريبا.
آداب سلوك معوجة
ما سبب عدم توازن الاقتصاد الياباني إلى هذه الدرجة؟ من ضمن التفسيرات التي تعلل سبب كون اليابانيين مصدّرين هو الدعم الحكومي للتجارة والصناعة (تٌعرف الصلات بين الشركات الكبيرة والحزب الحاكم وموظفي الخدمة المدنية بأنها ''الثالوث الحديدي'')، والحس القوي بوجود مهمة مشتركة بين موظفي الشركات، والهوس بالتفاصيل الذي تمكّن اليابان من تصنيع سلع ذات جودة عالية.
علاوة على ذلك، فإن لكراهية الإنفاق جذورا عميقة. ويعتقد Richard Koo، كبير الاقتصاديين في معهد Nomura للأبحاث، أن الطلب المحلي مقيد باحترام العمل الشاق، مما يقيد الناس إلى مكاتبهم بدلا من إطلاق العنان لهم للاستمتاع في المحال أو عن طريق أخذ إجازة. والمشكلة الهيكلية الأخرى هي الطريقة التي يدخر بها اليابانيون من أجل إعادة بناء منازلهم كل 15 عاما أو ما يقارب ذلك. فهذا تراث عمره قرون عديدة ناتج عن الزلازل والحرائق في اليابان، ولكنه يمنع نشوء ثقافة على الطراز الأمريكي تشجع إجراء تحسينات كبيرة في المنازل.
ولا توجد كذلك رغبة في الاقتراض. فنادرا ما يحوّل المستهلكون ديون بطاقاتهم الائتمانية من بطاقة إلى أخرى. ولا تزال الشركات الصغيرة تسدد القروض من الأزمة السابقة؛ وتتجنب البنوك الإقراض بسبب الأزمة الحالية. ويقول Katsuyuki Hasegawa، كبير الاقتصاديين المتخصص في الأسواق في معهد Mizuho للأبحاث، إن ثقافة مكافحة الديون راسخة بصورة عميقة، ويضيف: ''لا تحب الناس الاقتراض، بل يحبون سداد القروض فقط.''
ومن المرجح أن تؤدي الأزمة التي ضربت اليابان منذ عام 2008، والتي من المتوقع أن تتسبب في انخفاض لا يقل عن 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، إلى جعل الناس أكثر حذرا. فسرعان ما انتشر انهيار الصادرات الذي ضرب أولا شركة تويوتا وغيرها من شركات السيارات الكبرى من سلسلة العرض إلى الاقتصاد المحلي. ومع انخفاض الأرباح، تنخفض كذلك استثمارات الشركات. وقفز معدل البطالة من 3.8 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر) إلى 5.4 في المائة، ولكنه كان مع ذلك متزامنا مع هجوم آخر على الأجور. وفي هذا السياق، فإن تضييق الفائض في الحساب الجاري بصورة حادة إلى 1.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول لا يستحق الاحتفال به.
والطريق الذي يجب أن تسير عليه اليابان للخروج من الأزمة على المدى القصير معروف. فقد تدخلت الحكومة ووضعت رزمة حوافز مالية هي الأكثر قوة في العالم الغني. والأمل معقود على تزايد الصادرات إلى الصين مع انتعاشها. وفي السابع عشر من آب (أغسطس)، يتوقع أن تبلغ اليابان عن أول زيادة فصلية لها في الناتج المحلي الإجمالي منذ خمسة أرباع. ولكن على المدى الطويل، يعد إعادة توازن الاقتصاد الطريقة الأفضل لضمان تحقيق نمو أعلى. وهذا مهم بصفة خاصة لليابان لأنها مثقلة بأعلى نسبة ديون عامة إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم الغني، حيث تبلغ 180 في المائة تقريبا، وهو تراث سنوات عديدة من دعم الاقتصاد المحتضر. وسيزيد الدين إلى مستويات أعلى مع تزايد الإنفاق على المسنين، ما يثير احتمالية نشوء أزمة مالية إذا سئم اليابانيون من تمويل عادة الاقتراض التي تلجأ إليها حكومتهم. (حتى الآن، ارتفعت عائدات السندات اليابانية بصورة أقل عنها في دول أخرى تضررت من الأزمة مثل أمريكا وبريطانيا، ويعود ذلك جزئيا إلى أنه يتم الاحتفاظ بمعظم الديون في الوطن، إلا أن صندوق النقد الدولي يحذّر من أن اليابان ستكون عرضة لخطر شديد إذا تنامى فقدان الثقة باستدامة الدين العام.) ولا بد من رفع الضرائب في النهاية لخفض هذه الديون، إلا أن أفضل طريقة لضمان ألا يؤدي هذا إلى جر الاقتصاد إلى ركود آخر هو التشجيع على انتعاش أكثر توازنا، بحيث تلعب الخدمات فيه دورا أكبر. ومثل هذه الشركات- تجار التجزئة، مطوري العقارات، مصففي الشعر وأمثالهم- غير فاعلين بحيث إنهم، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تسببوا في تخفيض نمو إنتاجية العمالة في الدولة ككل من 4 في المائة في سنوات الازدهار من 1976-89 إلى 2 في المائة فقط بين الأعوام 1999 و 2004. ويبدو أن أداء بيوت الدعارة فقط جيد. وقد أظهر تقرير جديد من بنك اليابان أن أعدادهم زادت بصورة كبيرة في مدينة Sapporo الشمالية التي يسود الركود فيها. وفي المقابل، أغلقت المطاعم القريبة أبوابها بأعداد كبيرة.
وقد شرعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي في تفسير سبب الضعف الشديد لصناعات الخدمات في اليابان. فقد كان البحث والتطوير في مجال الخدمات ضئيلا- ربع مستواه في أمريكا، كحصة من إجمالي البحث والتطوير. والمنافسة بين الشركات مقيدة للغاية، وهناك مستويات تركيز عالية جدا وحواجز مرتفعة أمام الداخلين الجدد. وتكنولوجيا المعلومات في الخدمات ضعيفة، وهو ضعف غير عادي في مثل هذه الدولة المهووسة بالتكنولوجيا. ومن ناحية أخرى، تجد الشركات متعددة الجنسيات صعوبة غير عادية في تأسيس فروع يابانية في مجالات مثل الاتصالات والسفر بسبب قيود الاستثمار والحواجز التنظيمية. ولكن من المفترض أن يشجع سجل الخارجيين إلى حد كبير اليابان على تحرير مزيد من القطاعات: وجدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نمو الإنتاجية بين الشركات الأجنبية التي دخلت السوق كان أكبر 1.8 ضعف من المتوسط الوطني.
ومع احتمالية تقلص السكان في سن العمل بنسبة 9 في المائة خلال العقد المقبل، وفقا لتقديرات الحكومة، سيصبح السعي لتحقيق إنتاجية أعلى أكثر إلحاحا. ولهذا المسعى تكاليف خاصة به: ستتطلب إعادة الهيكلة فقدان كثير من الوظائف في بعض المؤسسات، إلا أن صناعة الخدمات غير المقيدة ستولد في النهاية مكاسب متعلقة بالأجور. ودون وجود هذه الصناعة، ستنخفض كثيرا مستويات المعيشة.
وإحدى الطرق الأكثر حكمة لتحقيق إنتاجية أعلى هي الحد من القوانين الكثيرة التي تحيط بصناعات الخدمات، وتحميها من المنافسة باسم مراقبة الجودة. ويمكن مثلا تحرير الزراعة، وكذلك أجزاء أخرى من الاقتصاد محمية بصورة كبيرة، مثل الطاقة والنقل والرعاية الصحية والتعليم. ومن المفترض أن تساعد السياسات التي تشجع على الاستثمار، سواء الخارجي أم المحلي.
الآثمون في التصويت
ولكن في الفترة التي تسبق الانتخابات العامة في 30 من آب (أغسطس)، وهي الانتخابات التي قد تمثل نهاية 54 عاما من الحكم غير المنقطع تقريبا من قبل الحزب الديمقراطي الليبرالي، لا يتم الحديث كثيرا عن إعادة التوازن للاقتصاد. وبدلا من ذلك، يبدو أن السياسيين لا يزالون يركزون اهتمامهم على الصادرات، الموجهة هذه المرة نحو المناطق سريعة التوسع ولكن ذات الهوامش الأقل مثل الصين بدلا من أمريكا. وهناك أيضا حديث عن إعادة تنظيم الأجور عن طريق تقييد توظيف العمّال غير المنتظمين في مجال التصنيع.
ولا يبدو أن أيا من الخطابات الانتخابية كافية لإطلاق القوة العارمة التي قد تتحول إليها اليابان، التي لا تزال ثاني أكبر اقتصاد في العالم. كما لا توفر للشعب الياباني أي سبب للتفاؤل بأن ظروف العمل الشاق اليومي والأجور المتواضعة ستتحسن. وعلى الرغم من الاختناقات المرورية، فإن تمضية أيام قليلة من إجازتهم السنوية البالغة سبعة أيام في تبجيل الماضي أكثر متعة من التفكير في المستقبل >