بلاء الموارد النفطية
البلاء أمر يحل بالمرء لاختبار رد فعله، والدول والمجتمعات عرضة للاختبار كالأفراد، وليس بشرط أن يكون الاختبار بالشر فقد يكون بالخير. ولعل المركب الإضافي "بلاء الموارد" يعطي ترجمة جيدة للتعبير resource curse، الذي هو مصطلح انتشر في أدبيات اقتصاد الموارد والتنمية للتعبير عن سوء سلوك دول ومجتمعات في إنفاق أموالها التي حصلت عليها من تصدير مواردها الطبيعية الكبيرة، التي أنعم الله سبحانه بها على تلك الدول والمجتمعات. والخالق يبتلي الناس أيهم أحسن عملا، وبعض المجتمعات والشعوب أرشد من بعض في الاستفادة من مواردها الطبيعية.
تبني الحكمة التقليدية فيما يخص دور الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط، في التنمية الاقتصادية على كون الموارد الطبيعية تمنح فرصة ذهبية، بل ربما كانت الأكثر حرجا في المراحل الأولى من التنمية، حيث يعم الفقر بين السكان ويتصف الاقتصاد بتدن واضح في الدخل.
وتبعا لهذه الحكمة، يرى أو يفترض أن تركز الأموال على الاستثمار وتطوير الموارد البشرية، وتوسيع السعة الإنتاجية المحلية، وليس الاستهلاك المعتمد على الاستيراد. ومع سير عمليات التنمية ومع اكتساب الشعب مزيدا من المهارات، فإنه يفترض أن توظف هذه المهارات لسد عجز الموارد مستقبلا.
لكن البيانات الإحصائية والشواهد المرئية دلت على أن الاستفادة من الموارد كانت أقل مما تقول به الحكمة التقليدية. ويعتقد أن جذور المشكلة ترجع إلى أن الأموال التي تجلبها الموارد تصنع تشوهات في الاقتصاد تعوق الاستفادة من تلك الموارد بالصورة التي تقول بها الحكمة التقليدية، وهذه التشوهات تتركز في بنية الدالة الإنتاجية (بلغة مبسطة يمكن أن نفسرها بأنها تناسب رأس المال مع العمل) وفي صنع مجتمع يعيش أفراده على دخل ريعي.
ويوصف الاقتصاد بأنه ريعي حينما يكون مصدر دخله الأهم متجاوزا بشدة تكاليف الإنتاج والعائد المعتاد على رأس المال. ويشبه ذلك أفرادا ورثوا عن آبائهم عقارات تدر عليهم ريعا كبيرا، بحيث تصبح مصدر دخلهم الأول.
وهذه الحالة تصنع آثارا جانبية كانخفاض قيمة العمل والجدية وانتشار الفساد الوظيفي . وقد جاءت نصوص شرعية تعضد هذا المعنى.
أخرج البخاري - رحمه الله - بسنده عن عمرو بن عوف المزني ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان الرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد صالح أهل البحرين وأمرّ عليهم العلاء بن الحضرمي ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة ، فوافوا صلاة الفجر مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما انصرف تعرضوا له فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين رآهم ، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء. قالوا: أجل يا رسول الله.
قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم.
التنافس يعني التغالب على الشيء، محاولة للظفر بأكبر قدر بغض النظر عن كونه حلالا أو حراما، ولذا كان هذا التنافس مذموما، وقد أهلك أمما. وطبيعة الاقتصادات القائمة على الموارد النفطية تغري بطلب مزيد من المال، ولذلك تقوى المطالبات برفع الرواتب والدخول والإعانات والمساعدات. ويشتد الطلب بالرفع لما يراه أكثر الناس من أثره فيهم مصحوبة بارتفاع تكاليف المعيشة. طلب زيادة الرواتب والأجور لم يأت نتيجة إنتاجية زادت، بل لشعور برواج وثراء، وهو ثراء وقتي غير راسخ، ولكن أكثر الناس يتناسون.
حين ترتفع الدخول فإنها توجه إلى رفع المستويات الاستهلاكية، لا الإنتاجية. وهذا يصنع حالة ما يسمى فائض الطلب، أي أن الطلب تجاوز حدود القدرات الإنتاجية في الاقتصاد. وينشأ من فائض الطلب زيادة الأسعار النسبية للعقارات والخدمات - أو ما يسمى بالسلع غير القابلة للتداول في التجارة الدولية - مقارنة بأسعار السلع القابلة لأن تستورد، وهذا قد يرفع أسعار الصرف الحقيقية. وزيادة الأسعار النسبية للخدمات يصحبه عادة ارتفاع معدلات الربح فيها، وهذا عامل رئيس في دفع المستثمرين إلى استثمار أموالهم في العقارات والخدمات أكثر من استثمارها في إنتاج السلع. من زاوية أخرى يحدث ارتفاع أسعار الخدمات زيادة طلب على بعض السلع، لكن بعد أن تكون حصة الاستثمار في الخدمات من إجمالي الاستثمارات قد زادت، وهذا يدفع إلى زيادة الاستيراد أكثر من زيادة التصنيع لتلبية تزايد الطلب على السلع. لكن لماذا ترتفع أسعار الخدمات - أو بعبارة أعم أسعار ما يصعب استيراده - مقارنة بأسعار السلع السهل استيرادها، سواء استوردت أو لم تستورد؟ السبب راجع إلى كون أسعار هذه السلع الأخيرة مقيدة بالأسعار العالمية، ومن ثم فعنصر المنافسة فيها أقوى من عنصر المنافسة على غير المستوردات على المدى الطويل خاصة.
ولكن، كما أسلفت، الرواج وقتي بطبيعته، حيث تبدأ الإيرادات في الانخفاض بصورة مطلقة أو نسبة إلى نصيب الفرد منها، مع تزايد السكان. ويصبح لزاما على الحكومات اللجوء إلى نوع من التقشف. ولكنه من الصعب حمل الناس على خفض أو القبول بخفض دخولهم.
الحل الأكثر سهولة أن تبدأ الحكومات (فيما يسمى ترشيد الإنفاق) بالتركيز على خفض الإنفاق غير الاستهلاكي، بإلغاء و/أو تقليص مخصصات الصيانة ومشروعات البنية والمرافق العامة، مثل المساكن والمستشفيات والمدارس والطرق والمطارات والمياه وغيرها، وتبعا لذلك يبتلع الإنفاق الجاري الاستهلاكي معظم موارد الميزانية، وتبدأ ظروف المعيشة لعامة السكان في الانخفاض، مع تزايد السكان وتقدم عمر المرافق والمنشآت القائمة. وقد مرت هذه الأوضاع الصعبة بالاقتصاد السعودي بعد انتهاء طفرة السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي، ولم يقلل من وطأة تلك الأوضاع، بفضل الله، إلا ارتفاع أسعار النفط قبل سنوات قليلة، وعاد الإنفاق على مشاريع البنية والمرافق العامة، وبالله التوفيق،،،