ما يستطيعه الوزير..!
لم يكن القصد من مقالي في الأسبوع الماضي المعنون "ما لا يستطيعه الوزير" إيجاد المبررات أو التثبيط أو الإيحاء بنظرة تشاؤمية تعجيزية في أنه ليس بالإمكان عمل الأشياء بشكل أفضل، وأن الوزير يقف مكتوف الأيدي لا يقوى على تطوير العمل وإجراءاته وتحقيق رؤيته وتطلعاته، وتبعا عجز وزارته في تقديم المشاريع والخدمات المطلوبة اجتماعيا والإسهام في التقدم بخطوات أوسع على طريق التنمية الوطنية الطويل والشاق. لقد كان الهدف من المقال توضيح الوضع الإداري القائم في البيروقراطيات العامة (الوزارات) وإبراز المعوقات التنظيمية خاصة الجانب الثقافي والسلوك الإداري ذا التأثير القوي الخفي والمغري في الوقت ذاته. مغري لأن البيروقراطية تمنح الوجاهة والمكانة والسلطة وفي الوقت ذاته تخلو من الضغوط فهي غير مطالبة بالربط بين المدخلات والمخرجات ولا يتوقع الكثير ليختزل الأداء في تطبيق الإجراءات الإدارية البطيئة فليس هناك مساءلة اجتماعية عبر مجالس نيابية أو معايير مهنية يلزم تحقيقها. هكذا ينعم البيروقراطيون بدفء البيروقراطية وركودها ليغطوا في سبات عميق غير آبهين بما يجري حولهم ولا إدراك للمتغيرات والمستجدات في بيئة العمل ليستمر الجميع في عمل الأشياء بالنمط والوتيرة ذاتها وكأن شيئا لم يتغير. هكذا تنشأ ثقافة اللامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية وعمل أقل القليل وتصبح جزءا لا يتجزأ من كينونة وسمة البيروقراطية. فثقافة البيروقراطية هي التي تحدد ما يصح وما لا يصح من السلوكيات والتصرفات وتبعا تحدد مستوى أداء الخدمة ومستوى التعامل مع المراجعين وإلى أي مدى هناك رغبة في تطوير العمل والبحث عن الأفضل ومستوى الإسهام في التنمية الوطنية الشاملة. البيروقراطيات في واقع الأمر مجتمعات صغيرة لها قيمها وتقاليدها وجوهر ذلك الاستمتاع بالعمل الروتيني وتطويل الإجراءات وتحوي بين جنباتها أنواع متعددة من الموظفين فهناك المتسلقون والمحاربون والانتهازيون والمنجزون وكل لديه رؤيته ودوافعه وأهدافه. هذا التباين في الأفكار والميول والتصرفات في مجتمع البيروقراطية الصغير يقود إلى نزاعات خفية تستنزف الجهود وتشتت التفكير وتعرقل العمل لتحقيق الأهداف الرئيسة التي أنشئت من أجلها الوزارة. هذا التنافس في ظاهره فني مهني ولكنه في كثير من الأحيان في أصله ومقصده شخصي إلى أبعد الحدود. هذه النزاعات والتكتلات الخفية غير الرسمية تلقي بظلالها على أداء الوزارة الذي يقاس بالمدخلات وليس بالنتائج والتأثير النهائي. مباني الوزارات الكبيرة ومكاتبها الفارهة التي تعج بالموظفين والمعاملات الورقية التي تملأ الملفات والأدراج تعطي انطباعا خادعا للأداء وتغري بالمزيد من العمل الروتيني ليتسنى لكل من تمر عليه المعاملة بمنحها شرف التوقيع عليها والاستمتاع بمكانة المنصب!
هذا الوضع الإداري المرضي يستطيع الوزير تصحيحه ومعالجته إلا أنها مهمة صعبة جدا وبطيئة. أولى متطلبات القيام بالمهمة التصحيحية لمسار البيروقراطية هي التركيز والالتزام. التركيز بتحديد الأولويات وحصر العناصر الحرجة والمهام التي يلزم القيام بها وهذا يعني وضع أهداف استراتيجية مستقبلية تمثل حجر الزاوية في عمل الوزارة، وأن توجه الجهود والموارد في اتجاه تحقيقها. هذا التوجه المستقبلي أمر مؤلم وغير مقبول للبيروقراطيين الذين اعتادوا على العمل الروتيني اليومي دون مساءلة ودون عناء التطلع للمستقبل ما يعني معارضة لمشروع التطوير الإداري والعمل على تقويضه منذ اليوم الأول بمعاول القضايا اليومية الملحة والمستعجلة ولكن غير المهمة. وهذا يتطلب من الوزير الالتزام برؤيته المستقبلية والاستمرار في مقارعة البيروقراطيين وعدم الاستسلام لأساليبهم المتعددة في إضاعة الوقت والاستغراق في القضايا الهامشية الصغيرة. التفكير الاستراتيجي لا يعني بأي حال من الأحوال التحول إلى التنظير وإنما وضع أفكار إبداعية شجاعة طموحة قابلة للتطبيق تنقل مستوى الأداء إلى مستويات أعلى من الجودة والنوعية. الفكرة هنا أداء العمل بوعي! والتخلي عن التفكير الروتيني الرتيب، حيث يكون الجميع على علم ودراية لماذا يعملون؟ وما المراد تحقيقه؟ وما هو التأثير النهائي ومقدار الإسهام في التنمية الوطنية؟
إن إعادة تثقيف البيروقراطيين ـ وهي المهمة الأصعب على الإطلاق في جوهرها ـ استراتيجية للتغيير تعتمد على ربط الإجراءات بالنتائج وربط النتائج بمستوى رضا مستخدمي الخدمة. وهذا يتطلب تحقيق ثلاثة أمور رئيسة: الأول وضع معايير للأداء دقيقة ومفصلة بحيث تكون التوقعات واضحة والمسؤوليات محددة هذه المعايير تكون مستوحاة من استراتيجية الوزارة. الأمر الثاني تطوير قدرات الموظفين في المستويات الإدارية المختلفة ليس فقط المهارات الفنية الإدارية ولكن برامج تدريبية موجهة نحو رفع مستوى الدافعية والأخلاق المهنية وتغيير أفكارهم ونظرتهم تجاه العمل وتطويره. الأمر الأخير والمهم هو المتابعة عبر تقييم الأداء ليس بصورته الروتينية الحالية ولكن بمهنية عالية وجدية تعكس الصورة الحقيقية للأداء. يجب الاعتراف أن هذا من السهل قوله ومن الصعب تطبيقه إلا أنه ليس مستحيلا فضلا عن أنه الطريق الوحيد نحو تطوير أداء البيروقراطية.
فروع الوزارة في المناطق تحتاج, إضافة إلى ما ذكر , إلى منحها صلاحيات إدارية ومالية أكبر لتكون أكثر استجابة لمتطلبات المجتمعات المحلية. وهنا يجب التمييز بين الشأن الوطني وتلك الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمنطقة والمحافظات. لابد أن يكون هناك توزيع للمهام والمسؤوليات حسب هرمية مكانية، حيث تنسجم الصلاحيات والمسؤوليات والمهام مع النطاق المكاني. هذا لا يعني الانفصالية في العمل بين المستويات الإدارية على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي، وإنما هي عملية تكامل من خلال تبادل الخبرات التخصصية والوصول إلى صيغ توافقية بين المستويات الإدارية، فالسكان المحليين لهم مطالب تخصهم في نطاقهم الجغرافي الصغير، والإقليم له متطلبات تنموية، وبطبيعة الحال هناك أهداف وطنية استراتيجية يراد تحقيقها. هذا في جوهره يتطلب التحول إلى اللامركزية، وهو لا يعني إلغاء المركزية ولكن نقل مسؤولية صنع القرارات المحلية للأجهزة الفرعية الأقرب والأدرى بالاحتياجات المحلية. من ناحية أخرى، اللامركزية لا تقلل من صلاحيات المركز بل على العكس تزيدها! فتفويض الصلاحيات نوع من أنواع الرقابة إذ إنها تضيق نطاق الإشراف وتسهم في فاعلية وكفاءة الرقابة. فبدلا من أن تكون الوزارة مسؤولة عن أدق التفاصيل في كل زاوية من زوايا الوطن تكون علاقتها بعدد قليل من المسؤولين المحليين الذين يتوقع منهم تحقيق متطلبات المجتمعات المحلية بإبداعية وكفاءة ويسهل متابعتهم. إن التسلسل الهرمي للسلطة يسهل عملية الرقابة وتقييم الأداء بشرط أن يكون على أساس أهداف استراتيجية ومعايير مهنية وليس روتينية وإلا رجعنا إلى المربع الأول.
ويتبقى على الوزير بعد تطوير جهازه الإداري المسؤولية الأعظم والأهم في تطوير العمل المشترك والتعاون والتنسيق مع البيروقراطيات الأخرى من أجل تحقيق المصالح الوطنية العليا. فالبيروقراطيات بطبيعتها تجنح نحو الانكفاء على ذاتها والحرص على تحقيق مصالحها بغض النظر عن المساهمة في المشروع التنموي الوطني. هذا التفكير الجهوي والتحوصل هو ما يقود نحو التشرذم الإداري، حيث كل بيروقراطية تعمل على شاكلتها بل قد يصل إلى حد التنافس المحموم والتصادم الذي يعرقل الجهود ويستنزف الموارد ويضيع الوقت, والطامة الكبرى عدم تحقيق المصالح الوطنية. لكن يبقى السؤال: هل يأنس الوزير للدفء البيروقراطي ويرغب حال الركود والوضع الآمن المريح, أم يركب الصعاب ويقدم أفكارا جديدة ويواجه التحديات ويقوم بعملية التغيير ويتحرر من قيود البيروقراطية؟! الإجابة على السؤال تحدد ما يستطيعه الوزير!