الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفيات بدأت بـ جدال «المطبخ»
في مثل هذا الشهر قبل 50 عاما حدث أحد أبشع الخلافات حول الحرب الباردة. ويتبادر إلى الذهن أن تكون هذه الحرب في إفريقيا أو آسيا، إلا أنها وقعت بين الأمريكان والسوفيات.
ففي الرابع والعشرين من تموز (يوليو) من عام 1959 دخل كل من الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف Nikita Khrushchev ونائب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون Richard Nixon في نقاش حاد حول مدى جدارة النظام الاقتصادي لبلديهما، وعرف هذا النقاش بعدها باسم ''جدال المطبخ''.
#2#
أما عن الموقع فقد كان وسط مكائن الغسيل وأفران الغاز وغيرها من سلع الاستهلاك الأمريكية التي أحضرها الأمريكيون إلى موسكو بمناسبة المعرض الوطني الأمريكي، حيث تعتبر هذه المناسبة فرصة للمواطنين الروس لإلقاء النظرة الأولى على منتجات الغرب الرأسمالي. وبعد مضي نصف قرن على هذه الحادثة، يذكر بعض الشهود كيف كان دور المعرض في تغيير حياتهم، حيث أظهر لهم الوجه الحقيقي لحياة الأمريكيين بالمقارنة بالشعب السوفياتي المحروم الذي كان من شأنه أن يضرب الأسس الشيوعية لديهم.
ووصف إدوارد أفانيان الذي ساعد في تنظيم المعرض عام 1959وهو مسؤول سابق في وزارة الثقافة السوفياتية بأن الأمر كان صادما نوعا ما. وأضاف ''لم يكن المعرض بالمستوى المطلوب، حيث كان يفتقر للإنجازات التكنولوجية العظيمة أو حتى الغريبة، سلع لا تتعدى أن تكون مطابخ ومكائن غسيل إضافة إلى أفران غاز، وهي أمور لا تمثل الإنجازات الأمريكية''.
ويردف'' أرادت قيادتنا من مثل هذه المعارض أن تظهر كل ما هو جديد، وأن يكون كل ما في المعرض بمثابة الدعاية لمدى تطور التكنولوجيا في البلد''.
وبلغ عدد زوار هذا المعرض نحو 2.7 مليون زائر في فترة افتتاحه التي استمرت ستة أسابيع من تموز (يوليو) وحتى آب (أغسطس) من عام 1959، حيث حدق الزوار في سيارات شيفروليه وكاميرات بولارويد إضافة إلى شركة بيبسي, حيث تم استهلاك ثلاثة ملايين كوب من البيبسي خلال فترة المعرض.
وقد تم افتتاح ساحة المعرض الكبيرة الواقعة في ميدان سوكولنيكي شمال شرقي موسكو بدعم من الاتفاقية السوفياتية ـ الأمريكية، بعدما اتفقت السلطتان على استضافة مثل هذه المعارض من أجل عرض إنجازات البلدين. إلا أن الأمريكيين استقبلوا المعرض السوفياتي المماثل الذي افتتح في نيويورك في تلك السنة بفتور وملل، حيث لم يجدوا أي متعة في التجول بين نماذج مختلفة من الطائرات السوفياتية النفاثة والقمر الصناعي ''سبتنك''.
#3#
وبدأ الجدال الشهير في يوم الافتتاح الأول للمعرض الوطني الأمريكي في استوديو
التلفزيون، ومن ثم اصطحب نيكسون خروتشوف وسط سرب من الصحافيين والمساعدين والمترجمين ليريه البيت الأمريكي العصري.
ولعب نيكسون – الرئيس الأمريكي لاحقا - دور القائد السياحي ولكن بأسلوب دبلوماسي جدا, مما اضطر خروتشوف إلى الاستهزاء به وإثبات أن البيوت السوفياتية تتمتع بدرجة الرفاهية ذاتها التي تتمتع بها البيوت الأمريكية.
ووفقا لبعض التعليقات التي وردت في الصحف الأمريكية، قال نيكسون ''أردت فقط أن أريكم هذا المطبخ الذي يشبه مطبخ أي منزل في كاليفورنيا''. إلا أن خروتشوف رد سريعاً ''نحن نملك مثل هذه المطابخ'' بينما كانت معظم البيوت السوفياتية آنذاك تفتقر حتى إلى الثلاجات.
ويشير نيكسون إلى غسالة الأطباق ''هذه أحدث موديلاتنا، ونركبها حاليا في معظم المنازل لأننا نريد أن نجعل حياة المرأة أسهل''. ورد خروتشوف بعدها سريعاً '' إن سلوكك الرأسمالي هذا لا يتماشى مع الاشتراكية''.
وأشار هذا الجدال الذي دار بينهما إلى بعض العيوب في الاقتصاد السوفياتي الموجّه، التي قادت في النهاية إلى إضعاف النظام الشيوعي قبل انهياره عام 1991.
وعلى الرغم من قدرة هذا النظام على بناء الصواريخ والقنابل الذرية، إلا أنه فشل في تأمين السلع الاستهلاكية التي يحتاج إليها المواطنون.
إضافة إلى المشاكل المتكررة التي أقضت مضجع المجتمع السوفياتي في العقد الأخير من النظام الشيوعي مثل نقص الغذاء, إلى جانب آلاف الطوابير التي تنتظر حصولها على سيارات عادةً ما تكون ذات جودة رديئة مقارنة بما يتمتع به المجتمع الغربي, كان من شأنها أن تقضي على هذا النظام.
وكان النظام يرى أن ما تقوم به الرقابة من إغماض لأعين المجتمع الروسي عن الحياة في الغرب كفيل بإبقاء الشيوعية بأمان واستقرار.
إلا أن مناسبةً مثل المعرض الأمريكي الوطني في عام 1959 كانت كفيلة ببث الشكوك حيال شعار ''جنة العمال''.
ويقول هانس توك دبلوماسي أمريكي سابق في ملحقية الصحافة والثقافة التابعة للسفارة الأمريكية في موسكو عام 1959 إن الزوار انهالوا بالأسئلة حول الحياة في أمريكا.
وفي مؤتمر جرى أخيرا في مقر السفارة الأمريكية في موسكو بمناسبة الذكرى الخمسين للمعرض قال توك ''إن الروس كانوا يطرحون العديد من الأسئلة، بل الآلاف''.
وأعطى توك بعض الأمثلة على الأسئلة التي كانت تطرح عليه، مثل''كم تكسب من عملك؟ وكم عدد الساعات التي تعملها للحصول على مثل هذه السيارة؟ وأنت تتحدث اللغة الروسية، فهل أنت جاسوس أمريكي؟ كما أظهرت التعليقات الموجودة في سجل الزوار انبهاراً بسلع الاستهلاك الأمريكية، وخاصةً السيارات.
إلا أن تعليق جريدة ''برافدا الجريدة الرسمية المتحدثة باسم الحزب الشيوعي كان قاسيا.
فبعد أيام من افتتاح المعرض كتبت الجريدة '' أين التكنولوجيا؟ أين الإنجازات العلمية الأمريكية؟ هذه هي الأسئلة التي طرحها الزوار على المرشدين في المعرض''.
كما كتبت أيضاً '' إن التعطش للمعرفة وللتكنولوجيا وإنجازاتها، لا يمكن أن يروى فقط بتقديم مشروب ''بيبسي كولا'' لزوار المعرض''.