أصحاب المؤهلات العالية ينسفون نظرية «دور البطالة في الإرهاب»
أعلنت قوات الأمن السعودية القبض على مجموعة من 44 شخصا كانت تقوم بنشر الفكر الضال والتغرير بالأجيال الشابة واستغلال العمل الخيري في تمويل أنشطتهم الضالة. ليست هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها الأمن السعودي في كشف هذه الشبكات فقد نجح قبل ذلك كثيرا وبلغت أصداء ذلك النجاح الآفاق حتى قررت الكثير من الدول الاستفادة من التجربة السعودية الناجحة. في رحلته للكشف عن هذه الشبكات التي تهدف إلى زعزعة الأمن وهز استقرار الوطن لم يضطر الأمن السعودي إلى التأثير على معيشة المواطن العادي فلم تعلن حالات الطوارئ ولا يزال الناس يسافرون برا وبحرا وجوا بكل سلاسة ويسر ولم تزل الحياة في المملكة آمنة ومستقرة وهادئة. لم تتعامل المملكة مع أي دولة تورط أبناؤها في عمليات إرهابية داخل المملكة بطريقة تسيء لشعوبها ولم تتعامل مع مواطني هذه الدول سواء المقيمين في المملكة أو القادمين إليها معاملة مختلفة، وهذا يعكس الفكر الإسلامي الأصيل والتحضر الحقيقي الذي يتمتع به هذا الشعب ورجال أمنه المخلصين فلا تزر وازرة وزر أخرى، وذلك بالطبع عكس الحال مع كثير من دول العالم التي اتهمت الشعب السعودي بأسره وضيقت على أبنائه الشرفاء لمجرد تورط فئة قليلة من شبابه.
لكن مجموعة 44 التي ألقي القبض عليها أخيرا تختلف بشكل جوهري عن مثيلاتها السابقة. فقد أوضح البيان أن بعضهم يحمل مؤهلات عليا، دكتوراه، وخبرات تقنية متقدمة، وبدت الأعمار متفاوتة نوعا ما فقد تراوحت بين 20 و60 سنة. ليست هذه الخلية نوعية في تركيبها فقط بل حتى في التجهيزات والأدوات التي تم ضبطها فمن أسلحة وذخائر إلى دوائر إلكترونية متقدمة كما تم توظيف واستغلال العمل الخيري. وقد أكد البيان على أنه تم كشف هذه المجموعة برغم مبالغة البعض منهم في التخفي. هذا الاختلاف النوعي لمجموعة 44 له دلائل كثيرة جدا، استعرض في هذا المقال القليل منها.
الدلالة الأولى: أن القبض على هذه المجموعة النوعية قد ينسف نظرية دور البطالة بين الشباب وأنها هي سبب وقوعهم في الفكر الضال، فهذه المجموعة ذات تعليم عال ومنهم حملة للدكتوراه ومنهم من تلقى تعليما وتدريبا متقدما في النظم والدوائر الإلكترونية وهذا مؤشر على أن هذه المجموعة تعمل في وظائف مرموقة كما يشير إليه البيان (المبالغة في التخفي)، فالبطالة لم تكن سببا ليدفع هؤلاء لاعتناق هذا التوجه وهذا الفكر، كما أن البيان أشار إلى ارتباط تاريخي بالتوجهات الجهادية التي ظهرت إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان فالقضية إذا قضية فكرية ذات بعد تاريخي والتعامل معها – كقضية أمن فكري – يجب أن ترتقي لمثل هذا التطور المهم.
الدلالة الثانية من هذه القضية أن قوات الأمن استطاعت أن تحقق تقدما كبيرا في عملياتها من خلال الوصول إلى شخصيات مهمة وذات تأثير فكري مهمة وتقوم بعمليات لوجستية خطيرة كما أنها تمثل شخصيات ذات تأثير وظيفي واجتماعي مرموق أو أنها مرجعيات لهذا الفكر فمنهم من يحمل الدكتوراه ومنهم من بلغ الستين، وكأن يد القوات الأمنية قد بدأت تصل إلى جذور هذا الفكر وسيقان شجرته الرئيسة، وهذا إنجاز يسجل لقوات الأمن بلا شك. فالعمليات السابقة كانت تستهدف فئات تنفيذية وهي عرضة للاكتشاف بسببا المواقع العملياتية المتقدمة التي تضطلع بها بينما بقيت المجموعات المجهزة والمحرضة و الداعمة لهذا الفكر صعبة المنال لأنها تجيد المناورة و التخفي كما أن مواقعها الاجتماعية تسمح لها بذلك. الدلالة الثالثة، أن الفكر الضال لا وطن له فعلا، فهو ينكر حق الوطن عليه وهو الذي علمه ودربه أعلى تدريب وأرقاه، وبدلا من أن يخوض مع وطنه معركة التقدم التكنولوجي والفكري ويقدم الجديد ويدفع بعجلة التطور في السباق العملي ضد التخلف والأمية والجهل والمرض ومواجهة المتربصين بخيرات هذه الأمة وعقيدتها الراسخة، نجده ينقلب ابنا عاقا وناكرا لجميل الوطن عليه ومشككا في ثوابته ويصبح حربة مصوبة ضدنا ومسعر حرب في أرضنا وبين أبنائنا ومقدراتنا. فأين تلقى هؤلاء تعليمهم العام والجامعي ومن صرف عليهم الغالي والنفيس حتى تلقوا تعليمهم العالي و تدريبهم المتقدم؟ إنه هذا الوطن بكل أهله المسلمين الطيبين والمتسامحين. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
الدلالة الرابعة، أن العمل الخيري لم يزل يستغل من خلال هذه المجموعات وما ذلك إلا لأن المؤسسات الخيرية لم تستطع القيام بواجباتها الأمنية من خلال إقناع المجتمع بأنها الطريقة المثلى لفعل الخير والقيام بأعبائه. يجب على هذه الجهات أن تعرف أن عليها واجبا أمنيا متمثلا في حماية العمل الخيري من الدخلاء عليه وأن تمارس عملها بكل شفافية ووضوح والتزام تام بالقوانين المنظمة له. إن وجود مثل هذه الظواهر سوف يؤثر بلا شك على رغبة الناس في دعم العمل الخيري وهو قطاع ثالث لابد من حمايته وأن يحصل على حقه من الدعم المنظم الذي يخدم المجتمع ويساهم في تعافيه.