العوائق المحلية في وجه الأعمال الصغيرة

4- العمالة وتوجيه الدعم للأعمال الصغيرة
تم التطرق في المقالات الثلاث الماضية إلى ما يمكن اعتباره أهم ثلاث مصادر للعوائق أو المخاطر التي تقف في وجه الأعمال الصغيرة في المملكة، والمتمثلة في الأنظمة والإجراءات، والتغير المفاجئ والحاد في مستوى الإيجارات، ونقص التمويل. ويوجد, إضافة إلى تلك المصادر, عدد آخر من مصادر العوائق لعل من أهمها معضلات توافر العمالة ونوعيتها. وتعد العمالة أهم مصادر الإنتاج وتحدد إنتاجيتها وكفاءة استخدامها ربحية الأعمال وقدرتها على المنافسة. وتوظف الأعمال الصغيرة الجزء الأكبر من العمالة في المملكة أسوةً بدول العالم. وتكثر العمالة الأجنبية في الأعمال الصغيرة المنتشرة في المملكة. والحقيقة التي يعرفها الجميع أن الجزء الأكبر من الأعمال الصغيرة يملكها أجانب ويديرها أجانب ويعمل فيها أجانب، حيث يجري التستر بشكل واسع في مجال الأعمال الصغيرة بدرجة تفوق الأعمال المتوسطة والكبيرة. ولهذا فقد يرى البعض أن دعم الأعمال الصغيرة هو دعم لتوظيف الأجانب ورفع لدخولهم وتحويلاتهم، مما يناقض جهود السعودة وخفض البطالة بين السعوديين. وسيشجع الدعم غير الموجه للأعمال الصغيرة على تدفق سيل من العمالة الأجنبية إلى المملكة، صحيح أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وسيستفيد منه بعض المتسترين من المواطنين، ولكن توظيف المواطنين واستفادتهم ستكون محدودة.
وللاستفادة من الدعم المقدم للأعمال الصغيرة في توظيف المواطنين ينبغي توجيه جهود الدعم، حيث تتناسب مع كثافة استخدام العمالة السعودية في المؤسسات المدعومة. ويمكن ربط أي دعم بمستوى توظيف العمالة السعودية عن طريق تحديد نسب معينة من السعوديين، حيث يتوجه الدعم إلى المؤسسات التي توظف أعلى نسب من المواطنين. وبهذه الطريقة سيتركز الدعم في الدرجة الأولى في الأعمال التي يعمل فيها مواطنون ثم التي يشكل فيها المواطنون نسبا أعلى. ويمكن اشتراط حد أدنى لمشاركة العمالة الوطنية في إجمالي عمالة المؤسسات الصغيرة للتأهل لأي دعم. ويبدو أن تخصيص ما لا يقل عن 30 أو 25 في المائة من إجمالي الوظائف للعمالة السعودية مناسب في الوقت الحالي، ومن الممكن رفعه مستقبلاً في حالة نجاحه في توظيف السعوديين. وعند استهداف الدعم للمؤسسات الموظفة للعمالة الوطنية يتم تعظيم العائد من الدعم ويسهل تبرير واستمرار واستحداث برامج الدعم. وتستهدف دول العالم في الدرجة الأولى عند توجيه الدعم للأعمال صغيرةً أو غيرها خفض مستويات بطالة المواطنين ودعم النمو الاقتصادي الداخلي المستدام.
ويمكن توجيه الدعم باستهداف المؤسسات الأصغر من بين المؤسسات الصغيرة. ويوظف بعض هذه المؤسسات شخصا أو شخصين، وقد تعمل في الأعمال الصغيرة عائلة واحدة مكونة من أحد الأبوين أو كليهما وعدد من الأطفال والمراهقين القادرين على العمل. وقد تكون الأعمال الصغيرة موجودة في المناطق النائية أو الريفية أو المناطق الحدودية والبعيدة عن المراكز الاقتصادية المهمة. ولهذا من الأولى منح أولية في تلقي الدعم لسكان هذه المناطق لخفض مستويات البطالة في مناطقهم، والتي تعاني في العادة من ارتفاع مستويات البطالة وتراجع الدخول مقارنةً بالمتوسطات الوطنية.
ويرى معظم ملاك الأعمال الصغيرة (والكبيرة) ضرورة تسهيل منح تأشيرات عمل لمؤسساتهم الصغيرة لمواجهة نقص العمالة ومساعدتهم على تحقيق أرباح أعلى. وهذه الرؤية مبنية على المصالح الذاتية وهي مشروعة وليس هناك عيب فيها، ولكن المصالح الوطنية تتطلب التركيز على تحفيز تشغيل العمالة الوطنية لخفض مستويات البطالة. وأعتقد أن الدعم الحكومي للمؤسسات الصغيرة ينبغي أن يكون مبنياً على توظيف العمالة الوطنية وألا تكون الملكية هي العامل الوحيد الذي تتركز عليه عملية منح وتقديم الدعم. فمن السهل تجاوز عقبة الملكية بالنسبة للأعمال الصغيرة، حيث يوجد عدد كبير من السعوديين المستعدين للتستر مقابل مبالغ صغيرة، أو بدافع العاطفة والعلاقات الشخصية.
وإضافة إلى جنسية العمالة توجد قضايا أخرى متعلقة بشؤون العمالة وتؤثر في الأعمال الصغيرة والتي من أهمها توافر الخبرة والتدريب للعمالة وإدارة الأعمال الصغيرة. ويحتاج الداخلون الجدد والقدامى إلى قطاعات الأعمال الصغيرة سواءً كانوا ملاكاً أو عاملين إلى التدريب على بعض المهارات الأساسية التي لا تتوافر لديهم، ولهذا ينبغي العمل على إيجاد برامج تدعم تدريب الراغبين في الدخول إلى قطاعات الأعمال الصغيرة، وحتى لو كانت هذه البرامج قصيرة ومختصرة فهي مفيدة جداً لمن يبحث عنها. ويمكن توفير البرامج التدريبية بالطرق التقليدية أو الطرق الحديثة المخفضة للتكاليف.
وتؤهل مراكز التدريب المهني عددا كبيرا من المواطنين على تعلم المهارات المهنية التي تحاول تمكينهم من دخول سوق العمل سواء في مؤسسات صغيرة أو كبيرة. وعلى هذه المراكز تدريب الطلاب على مهارات كيفية بدء وإدارة الأعمال الصغيرة وتعظيم الأرباح في مجالات مهاراتهم والتي ينبغي أن تكون جزءا مهما من البرامج المهنية لهذه المراكز. فمع إعطاء المتدربين في هذه المراكز جرعات من المعلومات عن كيفية بدء الأعمال الصغيرة وكيفية إداراتها وتحقيق النجاح فيها يمكن أن تتفتح في أذهان المتدربين إمكانية امتلاكهم لأعمالهم الصغيرة، كما ينبغي العمل على بث روح المبادرة لدى الشباب للعمل والنجاح من خلال أعمالهم الخاصة. وتستحث روح المبادرة لدى الشباب وتعزز من خلال برامج الدعم والرعاية والمساندة المادية والمعنوية التي يقوم بها العقلاء والمثقفون والمؤسسات الحكومية المتخصصة في الأعمال الصغيرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي