سياسات الطاقة وأثرها في مستقبل الطلب العالمي على النفط
في الأسبوع الماضي تمت مناقشة موضوع ذروة الاحتياطيات والإنتاج وبداية نضوب النفط واحتمال حصول شح في إمدادات النفط العالمية. بعد مناقشة موضوعية مبنية على أسس علمية وفنية بحتة استنتج المقال، أن العالم سيشهد يوما ما ذروة في الإنتاج العالمي من النفط، لكن هذه الذروة ليست بسبب شح الإمدادات والاحتياطيات النفطية أو قلة الاستثمارات وإنما ستكون بسبب وصول الطلب العالمي على النفط ذروته.
في هذا الجانب, أشار المقال إلى أن جميع الأزمات التي شهدتها أسواق النفط العالمية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كانت جميعها أزمة طلب على النفط، أي تراجع الطلب العالمي على النفط عن مستوياته السابقة والمتوقعة، لم تكن أي منها أزمة إمدادات. حتى ما يسمى أزمة النفط عام 1973، لم يكن في الحقيقة أزمة إمدادات بسبب عدم توافر طاقات إنتاجية كافية أو استنزاف الحقول النفطية ووصولها إلى ذروة إنتاجها، بل لأسباب أخرى لا مجال للحديث عنها هنا.
في هذا المقال ستتم مناقشة موضوع ذروة الطلب العالمي على النفط من خلال استعراض التوقعات السابقة للطلب العالمي على النفط ودراسة العوامل التي تؤثر في نمو الطلب العالمي على النفط في المستقبل وخصوصا تلك المتعلقة بسياسات الدول الغربية في مجال أمن إمدادات الطاقة، حماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي.
نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية، الطلب العالمي على النفط اليوم هو في المستوى نفسه الذي كان عليه في عام 2004، حيث تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 400 ألف إلى 500 ألف برميل/ يوميا في عام 2008، وهو أول انخفاض له منذ عام 1985. إضافة إلى ذلك من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط في عام 2009 انخفاضا حادا بين 1.5 و 2.5 مليون برميل يوميا عن العام السابق أو في حدود 2.0 مليون برميل يوميا في المعدل، حسب معظم الدراسات المتخصصة في هذا المجال. يحتاج الطلب العالمي على النفط على الأقل أربعة إلى خمسة سنوات ليعود إلى المستويات التي كان عليها في عام 2007 في حالة تعافي الاقتصاد العالمي تماما من الأزمة الاقتصادية الحالية.
خلال السنوات الماضية قامت جميع الدراسات المتخصصة في مجال الطاقة بخفض توقعاتها المستقبلية للطلب العالمي على النفط، حيث خضعت جميع توقعاتها السابقة لعمليات تنقيح مستمرة لخفض توقعات الطلب على النفط. على سبيل المثال، إدارة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأمريكية US DOE/EIA على مدى السنوات الخمس الماضية قامت بخفض توقعاتها السابقة للطلب العالمي على النفط لعام 2025 من نحو 120 مليون برميل يوميا في عام 2005 إلى أكثر من 100 مليون برميل يوميا في توقعات عام 2009، أي بنحو 20 مليون برميل يوميا. لو استمر نصف هذا المعدل من خفض توقعات الطلب على النفط في السنوات اللاحقة، من المتوقع أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته عاجلا أو أجلا. إن هذا الانخفاض في توقعات الطلب على النفط في المستقبل ما هو إلا إشارة إلى أن السياسات التي تهدف إلى الحد من الطلب على النفط تزداد صرامة يوما بعد يوم، عليه من الواضح هنا أن هناك حاجة إلى الاستمرار في مراجعة توقعات الطلب على النفط وتنقيحها باستمرار، هذا ما تعمل عليه الجهات المتخصصة في هذا المجال. السؤال المهم في هذا الصدد هو إلى أي مدى سيستمر هذا التراجع في توقعات الطلب على النفط في المستقبل.
إن هذا الخفض في التوقعات المستقبلية للطلب على النفط هو في الأساس نتيجة سياسات الدول الغربية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على النفط وخصوصا المستورد من مناطق يعتبرونها غير آمنة، وحماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي كما أسلفنا، يعزز هذا الخفض في التوقعات الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم من وقت إلى آخر وآخرها الأزمة المالية الحالية.
الولايات المتحدة سنت قانونا في كانون الأول (ديسمبر) 2007 يعرف بقانون استقلال وأمن إمدادات الطاقة US Energy Independence and Security Act (EISA . عمد هذا القانون إلى إدخال تغييرات كبيرة على متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود Corporate Average Fuel Economy standards، أو ما يعرف بـ ''كافي'' CAFE. متوسط معيار CAFE الآن للسيارات والشاحنات الخفيفة معا نحو 25 ميلا في الجالون، يهدف القانون الحالي إلى رفع هذا المعيار من المستويات الحالية إلى 35 ميلا في الجالون بحلول عام 2020. هدف الـ 35 ميلا في الجالون بحلول عام 2020 يمثل متوسط زيادة سنوية في كفاءات السيارات الجديدة بحدود 3.4 في المائة سنويا، اعتبارا من عام 2011 السنة الأولى من تطبيق المعايير الجديدة. كذلك حدد هذا القانون حدا أدنى إلزاميا وطموحا من الأنواع المختلفة من الوقود البديلة والمتجددة لتحل محل استخدام البنزين في قطاع النقل. حيث ألزم هذا القانون توريد 36 مليار جالون كحد أدنى من أنواع الوقود البديلة والمتجددة بحلول عام 2022. إن معظم النمو في المرحلة الأولية سيكون من الإيثانول المستخرج من الذرة، لكن بعد عام 2015، معظم هذه الزيادة من المقرر أن تأتي من الجيل الثاني من الوقود الحيوي Second Generation Biofuels.
في أوروبا، وافق رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) 2008 على تنفيذ حزمة من الإجراءات لتغير المناخ وتحديد أهداف للطاقات المتجددة. هذه الأهداف تشمل ما يلي: الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 20 في المائة عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2020؛ تحقيق 20 في المائة من حصة الطاقة المتجددة في إجمالي استهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، والتوصل إلى 10 في المائة كحد أدنى من حصة الوقود الحيوي من مجمل استهلاك البنزين والديزل في مجال النقل في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020.
التقرير السنوي لمنظمة الدول المصدرة للنفط ''أوبك'' لتوقعات النفط العالمية لعام 2030 للسنة الحالية 2009 OPEC World Oil Outlook، قد ناقش أيضا موضوع سياسات الطاقة في الدول الغربية وأثرها في مستقبل الطلب العالمي على النفط. في هذا الصدد بين التقرير إن الإجراءات التي أقرها قانون استقلال وأمن إمدادات الطاقة في الولايات المتحدة EISAمن المتوقع أن تخفض استهلاك النفط في الولايات المتحدة وحدها في حدود ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول عام 2030 حسب السيناريو المرجعي للتقرير.
هذه السياسات في مجملها تمثل تحديا كبيرا للدول المنتجة للنفط للاستثمار في حقول جديدة وإضافة طاقات إنتاجية جديدة، في ظل تذبذب كبير في أسعار النفط، استمرار ارتفاع تكاليف التطوير والإنتاج وارتفاع الطاقات الإنتاجية الاحتياطية إلى مستويات قياسية.