مصر والإسلام العالمي

مصر والإسلام العالمي

ما الاتجاه الذي سيسود بين المسلمين في العالم البالغ عددهم 1.4 مليار شخص - المواجهة العنيفة أم التعايش السلمي؟ وهل سيطمح الإسلام للسلطة السياسية، أم هل ستطغى عليه النزعة الروحانية أو الصوفية؟ يراقب الأشخاص الذين وظيفتهم محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، سواء علماء الدين أو الخبراء الاستراتيجيين مصر، مراقبة وثيقة على الدوام، فهي موطن أكبر جامعة إسلامية سنية، الأزهر، والدولة التي حضنت الإسلام السياسي، بأشكاله الكثيرة المختلفة.
ووفقا لمحللي الإسلام السياسي في مصر، فإن الأخبار الجيدة هي أن جاذبية النوع الأكثر عنفا من الإسلام المتشدد تتراجع منذ بعض الوقت. وهذا التراجع ملاحظ أيضا في عديد من الدول المجاورة، بل في معظم الأماكن الإسلامية، بصرف النظر عن المناطق الملطخة بالدماء مثل وادي سوات في باكستان.
وليس أسامة بن لادن فقط هو الذي يتحصن في المناطق النائية. فقد تراجعت أيضا أيديولوجيته المتمثلة في الجهاد العالمي. وقد تاب عديد من أبرز دعاة الجهاد بعد أن شعروا بالذهول من الاشمئزاز الشعبي من الإرهاب المتطرف وبعد رؤية فشل المتطرفين في تحقيق مكاسب ملموسة.
وتواجه العقيدة الجهادية أيضا ما قد يتبين أنه تهديدات أكبر من تلك التي فرضتها النكسات العسكرية أو الانشقاقات. فرجال الدين الذين ينتمون للتيار التقليدي الأوسع نطاقا للإسلام، الذي يعد معظم المسلمين أنفسهم ينتمون إليه، يدينون التطرف العنيف بجرأة أكبر. علاوة على ذلك، هناك على الطرف المقابل من الطيف المتشككون والمنقحون والإصلاحيون المسلمون، الذين اضطروا لالتزام الصمت خوفا من وصفهم بالمرتدين. وبدأ بعضهم بالتعبير مرة أخرى عن آرائهم، مع أن هذا لا يزال يتطلب كثيرا من الشجاعة.
وإذا كان غلاة المتطرفين بدأوا بالتراجع، وبدأ المعتدلون الجريئون بالتعبير عن آرائهم، فإن هذا يعكس عديدا من العوامل التي تسهم في التقريب. فقد بدأ القلق، الذي بلغ ذروته تحت إدارة بوش، حول أن الإسلام نفسه هو هدف حملة غربية منسقة، بالتلاشي. وتواصل باراك أوباما مع المسلمين، وعزم أمريكا على الانسحاب من العراق، أسهما في تقليل الضغوط على رجال الدين ليبدوا مدافعين صارمين عن الديانة التي تبيح الجهاد. كما أن انتشار الإعلام الأكثر حرية في بعض الأماكن شجع دعاة التحديث وعرّف الجمهور الأكبر بأفكارهم.
وقد جاء أقوى انتقاد للجهاد العالمي أخيرا من شخص مثير للجدل بحد ذاته في الغرب، وهو يوسف القرضاوي، المصري البالغ من العمر 82 عاما الذي يعيش في قطر، وهو شخصية معروفة، من خلال برامجه الإذاعية، بالنسبة للمسلمين في جميع أنحاء العالم. وهو شعبوي ذكي ومثير للجدل من الناحية الدينية، والذي جعلت تعليقاته الانتقادية لليهود والمثليين جنسيا شخصية غير مرغوب فيها في أمريكا، وفي بريطانيا اعتبارا من عام 2008. ونطاق ردود الفعل التي يثيرها القرضاوي واسع جدا. ففي اجتماع للعلماء المسلمين في إسطنبول الشهر الماضي، كان له حضور كبير فاق شخصيات بارزة من عديد من الدول. واصطف الناس لالتقاط الصور معه وشعروا ببهجة كبيرة. ولكن بالنسبة لمراقبي الإسلام الغربيين المتشككين، فإن تبريره الهجمات الانتحارية في إسرائيل يجعله شخصية بغيضة للغرب.
والقرضاوي، مؤلف عشرات الكتب، وراعي موقع إلكتروني إسلامي شعبي، ونجم برنامج ديني على قناة الجزيرة الفضائية الناطقة باللغة العربية، يستفيد إلى أقصى حد من مكانته البارزة بين صفوف العلماء ومن منبره البارز. وفي كتاب جديد ضخم، بعنوان “فقه الجهاد”، يؤكد القرضاوي إيمانه بحق المسلمين في مقاومة “العدوان” و”الاحتلال الأجنبي”. ولكنه ينتقد مفهوم القاعدة للجهاد العالمي بوصفه “إعلانا جنونيا للحرب على العالم” يهدف إلى “دفع المؤمنين المقيدين بالسلاسل نحو الجنة”. وكرر دعوته بإيجاد “طريق وسط”، بعيدا عن الانهزامية أو الحماس المدمّر، واقترح أن أفضل ساحة للجهاد اليوم قد تكون “عالم الأفكار والإعلام والاتصالات”.
وليست تلك مواقف جديدة في الإسلام: انتقد معظم علماء الدين من التيار السائد هجمات 11/9، على الرغم من إشادتهم “بالمقاومة” في العراق وفلسطين وغيرهما من النزاعات التي ينظر إليها باعتبارها تضع المسلمين في مواجهة الغزاة الأجانب. ولكن حين تصدر من القرضاوي، تدبغ دبغة القبول على رفض عديد من المسلمين العاديين جميع الأشكال الجهادية التي تستخدم جميع الأساليب في جميع أنحاء العالم. وربما يواصل المقاتلون الذين يستمدون إلهامهم من القاعدة القتال في براري أفغانستان، الصومال، اليمن والجزائر، ولكن في الأحياء الفقيرة والجامعات التي كانت في السابق تزود المؤن للجهاد، بدأت اتجاهات الموضة بالتغير. وبالنسبة لبعض المسلمين، أدى رفض الجهاد العالمي إلى أصولية سلمية أكثر فردية تشدد على السلوك “الإسلامي” في الحياة اليومية. إلا أن التقوى الشخصية تتنامى منذ جيل من الزمن، وبعضهم منهكون منها؛ فهم يبحثون عن أفكار جديدة.
والحدث المعبّر والمهم في هذا الضوء هو منح وزارة الثقافة في مصر جائزة لأحد الكتاب العلمانيين الأكثر عدائية في الدولة، وهو سيد القمني. ولم تكن السلطات المصرية لتجرؤ على تقديم مثل هذه الجائزة قبل عقد من الزمن. فالحكومة العلمانية، التي كانت محاصرة في ذلك الوقت من قبل الإسلاميين وموجة التقوى الشعبية، كانت تميل إلى تقديم نفسها باعتبارها المدافعة عن الاعتقادات السائدة. وأسهم حظر الكتب وتهديدات القتل ضد العلمانيين (مثل التهديد بقتل الكاتب فرج فودة، الذي تم تنفيذه على يد متشددين إسلاميين عام 1992) في إسكات الانتقادات لنهج المحافظين.
وتعرض القمني، الابن المشاكس لرجل دين محلي، للتهديد بالقتل، إلى درجة أنه أعلن توبته علنا، خوفا على سلامته، من خطاياه المفترضة عام 2005، وتخلى عن الكتابة لعدة سنوات. وتم حظر عديد من كتبه، التي تروي معظمها روايات جريئة عن تاريخ الإسلام المبكر، بناء على أوامر الأزهر، على الرغم من احتجاجات القمني بأنه لا يزال مؤمنا، وإنه من النوع غير العقائدي نسبيا.
وكما هو متوقع، شعر الإسلاميون بالغضب بسبب الجائزة، ورفع عديد منهم دعاوى قضائية مطالبين بإلغائها. ويقول القمني إن حياته في خطر ثانية، بعد موجة الاستنكارات من مختلف طوائف الإسلام في مصر، بدءا بمؤسسة علماء الدين حتى الإسلاميين المتطرفين. وقد نجحت مثل هذه التهديدات في الماضي، وأشهرها قضية نصر حامد أبو زيد، الباحث القرآني الذي هرب من مصر بعد أن أصدرت المحكمة قرارا بتطليقه من زوجته، على أساس أن آرائه التنقيحية تجعل منه مرتدا، وبالتالي غير مؤهل للزواج من امرأة مسلمة. ولكن حتى الآن، لا تزال الحكومة صامدة على نحو غير عادي إلى جانب القمني، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المثقفين هبوا للدفاع عنه، ولكن أيضا ربما تكون إشارة إلى أنها تستشف نفاد صبر الشعب المتزايد من احتجاجات الإسلاميين . وعلى نحو غير عادي، تمت دعوة القمني لبث آرائه على التلفزيون، بما في ذلك أحد البرامج التي تحدى فيها أي عالم دين لإجراء مناقشة مفتوحة. ولم يقبل أي منهم التحدي.
وفي الأرض التي تكون فيها موجات الأثير مشبّعة بكلمات التقوى ورفوف الكتب مليئة بالنصوص الدينية، فإن بروز شخصيات علمانية نسبيا مثل القمني يمثل اتجاها جديدا.
وربما يكون أتباعهم قليلين مقارنة بما يتمتع به القرضاوي. ولكن ربما لن يواجه الواعظ، فيما يتعلق بنزعته المعلنة للجهاد من خلال وسائل الاتصالات الحديثة، الكفار الصليبيين، بل أتباعه المسلمين الذين يريدون التغيير ويرفضون تعرضهم للتخويف.

الأكثر قراءة