الاقتصادات الآسيوية
ظهرت بوادر انتعاش اقتصادي أخرى في أمريكا في الأسابيع الأخيرة، ولكنها لا تعد شيئا مقارنة بالغابة المورقة التي تنتشر في الشرق فقد نمت الاقتصادات الآسيوية الناشئة بنسبة تقارب 10 في المائة على أساس سنوي في الربع الثاني، في الوقت الذي انخفض فيه الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا بنسبة 1 في المائة. وفي عام 2009 بشكل عام، تشير التوقعات الأخيرة إلى أن آسيا الناشئة قد تنمو بنسبة لا تقل عن 5 في المائة، في الوقت الذي تتقلص فيه اقتصادات مجموعة السبعة بنسبة 3.5 في المائة. ولم يسبق أن كانت فجوة النمو بين الاثنين واسعة بهذه الصورة. فكيف تمكنت هذه الاقتصادات التي تعتمد على الصادرات من فصل نفسها عن العالم المتقدم؟ وهل يمكن أن يدوم انتعاشها؟
تخفي أرقام النمو اختلافات كبيرة داخل آسيا خلال العام الماضي. فقد كانت الصين والهند وإندونيسيا بين الاقتصادات القليلة في العالم التي واصلت التوسع خلال فترة التباطؤ العالمي (مع أن النمو في الصين توقف فعليا في أواخر العام الماضي). إلا أن الاقتصادات الآسيوية الأصغر والأكثر انفتاحا تضررت بشدة. وما بين أيلول (سبتمبر) وآذار (مارس) انخفض الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 13 في المائة في هونج كونج وماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وتايلاند.
ولكن الدول التي نشرت حتى الآن أرقام الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني تظهر انتعاشا قويا. وبمقارنة الربع الثاني بالربع الأول بمعدل سنوي، نجد أن الناتج المحلي الإجمالي للصين نما بنسبة 15 في المائة، وبنسبة تقارب 10 في المائة لكوريا الجنوبية، وارتفع بنسبة 21 في المائة في سنغافورة، وبنسبة 5 في المائة في إندونيسيا. ومن المحتمل أيضا أن تظهر دول أخرى في المنطقة بوادر انتعاش. وعلى الرغم من أن الناتج في كوريا الجنوبية وسنغافورة كان لا يزال أقل منه قبل عام، إلا أن التغييرات الفصلية مفيدة أكثر في اكتشاف نقاط التحوّل - وهذه هي الطريقة الأكثر شيوعا لقياس معدلات النمو في أمريكا.
والانتعاش في الإنتاج الصناعي في آسيا الناشئة أكثر لفتا للنظر، حيث قفز بنسبة 36 في المائة على أساس سنوي في الربع الثاني. ووفقا لـ ''باركليز كابيتال''، فإن آسيا الناشئة هي المنطقة الوحيدة في العالم التي استعاد فيها الناتج مستوياته قبل الأزمة. ويعود هذا بدرجة كبيرة إلى الصين، التي ارتفع فيها الإنتاج الصناعي بنسبة 11 في المائة خلال الـ 12 شهرا حتى تموز (يوليو)، إلا أن جميع الدول الآسيوية شهدت زيادة قوية. وفي المقابل، استمر الإنتاج في أمريكا، حتى تموز (يوليو) في الانخفاض.
ويعني التحول الحاد في هذه الدورة، وحقيقة أن الناتج المحلي الإجمالي بدأ هذا العام بأقل من مستوياته عام 2008، أن معدلات النمو لعام 2009 بشكل عام قد تعطي صورة مضللة. خذ تايوان مثلا: يتوقع ''جي بي مورجان'' أن يكون الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 أقل بنسبة 3.8 في المائة عنه في عام 2008، ما يعني عاما آخر محبطا للآمال. إلا أن هذه التوقعات تعني أيضا أن الناتج المحلي الإجمالي سينمو بنسبة قوية تبلغ 5.4 في المائة خلال العام حتى الربع الرابع. ووفقا لهذا المقياس، من الواضح أن الاقتصادات الناشئة في آسيا تقود الانتعاش العالمي. وحتى لو نما الاقتصاد الأمريكي خلال النصف الثاني من هذا العام، لا يزال من المتوقع أن يكون في نهاية العام أقل مما كان عليه في بدايته.
لقد فاجأ انتعاش آسيا كثيرا من المتنبئين. ففي أيار (مايو) مثلا، توقع صندوق النقد الدولي أن يكون انتعاش آسيا ''فاترا'' على الأرجح لأن الاقتصادات المتقدمة - وبالتالي الطلب على الصادرات الآسيوية - ستظل ضعيفة. ويبدو أن المتنبئين يدركون دائما قدرة النمور الآسيوية على الانتعاش من فترات الركود. خلال الأزمة المالية في شرق آسيا عامي 1997- 98 مثلا، اضطرت الدول في جميع أنحاء المنطقة إلى تخفيض قيمة عملاتها نتيجة لحالات العجز الكبيرة في حسابها الجاري وهجمات المضاربة على عملاتها, وأدى هذا إلى تضخم ديون الشركات بالعملة الأجنبية من حيث الأسعار المحلية، ما تسبب في حالات إفلاس واسعة النطاق وفشل كثير من البنوك. وفي عام 1998، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لتايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية بنسبة 10 في المائة.
واستنتج كثير من الأجانب أن النجاح الاقتصادي لآسيا خدعة على أساس حقن الشركات المفضلة بالمال الرخيص من قبل الحكومات. وأدى الإفراط في الاقتراض والاستثمار إلى تعزيز النمو بشكل صناعي، كما قيل؛ وتنبأ المتشائمون بعقد من النمو الضائع. ولكن بدلا من ذلك، عاد النمور مزمجرين. وفي نهاية عام 1998، توقع استطلاع المتنبئين الخاص بـ ''الإيكونوميست'' أن تتقلص كوريا الجنوبية مرة أخرى بصورة ضئيلة عام 1999. وتبين أن النمو الفعلي بلغ نسبة مذهلة، عند 9.5 في المائة. وصحيح أن النمو القوي في آسيا أخفى الاستثمارات التبديدية، وعدم كفاية الأنظمة المصرفية، والفساد، إلا أن المكونات الأساسية للنمو- النمو السريع للإنتاجية والأسواق المنفتحة نسبيا ومعدل الادخار المرتفع لتمويل الاستثمار- كانت لا تزال موجودة. ويساعد هذا على تفسير سبب انتعاش اقتصادات شرق آسيا بسرعة أكبر مما توقع كثيرون.
#2#
مشهد آسيوي يبدو مكررا
وبالمثل، حين أدى انهيار تكنولوجيا المعلومات العالمية إلى جر آسيا نحو الركود عام 2001، تبين أن المتنبئين أكثر تشاؤما بشأن التوقعات المستقبلية لآسيا. ومرة أخرى، انتعشت آسيا بصورة قوية إلى حد ما. ولطالما كان الغربيون سريعين جدا في إعلان موت المعجزة الاقتصادية الآسيوية. وقد يدخل هذا في إطار التمني، ولكنه يعكس أيضا بعض الأفكار الخاطئة حول مكونات نجاح آسيا. وفي هذا العام، انتشرت توقعات على نطاق واسع بأن اقتصادات آسيا لن تنتعش إلا بعد انتعاش أمريكا وأوروبا. إلا أن الاقتصادات الآسيوية التي يفترض أنها تعتمد على الصادرات استأنفت النمو قبل بقية العالم.. فكيف حدث ذلك؟
ويقول المتشككون إن الاتجاه التصاعدي يعكس ببساطة زيادة مؤقتة من إعادة بناء المخزون، دون زيادة حقيقية في الطلب. وخفضت الشركات الإنتاج إلى أدنى من مستوى المبيعات من أجل التخلص من المخزونات الفائضة، لذا عليها الآن إعادة فتح المصانع. وقد يكون هذا أحد العوامل في بعض الدول، ولكن في دول أخرى لا تزال الشركات تستهلك مخزوناتها.
وتسارع انخفاض المخزونات في كوريا الجنوبية في الربع الثاني، وكان انخفاض المخزونات يبشر بالخير لتحقيق مكاسب إضافية في الإنتاج خلال بقية العام. وبدلا من ذلك، كان الانتعاش مدفوعا بالاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. فقد ارتفع الاستهلاك الخاص في كوريا الجنوبية بمعدل سنوي بلغ 14 في المائة في الربع الثاني. وفي الصين، الاستثمارات الثابتة (على أساس مستمر للناتج المحلي الإجمالي) أعلى بنسبة 20 في المائة عنه قبل عام، فيما ارتفع الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي في المناطق الحضرية بنسبة تقارب 11 في المائة وزادت مبيعات السيارات بنسبة 70 في المائة.
وأحد الأسباب التي جعلت الاقتصادات الآسيوية الناشئة تنتعش قبل اقتصادات العالم المتقدم هو أن الانكماش فيها كان ناجما جزئيا فقط عن التباطؤ في أمريكا. وفي عام 2008، انخفض الإنفاق المحلي بسبب ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية (التي تشكل حصة أكبر بكثير من ميزانيات الأسر عنها في دول أخرى) وبسبب تشديد السياسات النقدية التي تهدف إلى الحد من التضخم. فقد بدأ النمو في الصين مثلا بالتباطؤ قبل تعثر الطلب العالمي، حيث أدت سياسات الائتمان الهادفة إلى منع النشاط المفرط في الاقتصاد بانهيار أسواق العقارات والبناء.
وساعدت الحوافز المالية والنقدية القوية في جميع أنحاء المنطقة على إنعاش الطلب المحلي. وكان لدى آسيا أكبر الحوافز المالية من أي منطقة أخرى في العالم. فقد احتلت أخبار الرزمة الصينية العناوين الرئيسية للصحف، ولكن كان الدعم الحكومي في كوريا الجنوبية, سنغافورة, ماليزيا, تايوان, وتايلاند هذا العام لا يقل عن 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ودخلت معظم الدول الآسيوية، باستثناء الهند، هذا الركود بميزانيات مالية أفضل من نظرائها الغربيين، لذا كان لديها مجال أوسع للإنفاق. ويتوقع Bank of America Merrill Lynch أن يرتفع الدين العام للمنطقة إلى نسبة متواضعة تبلغ 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2009، أي نصف متوسطه فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
علاوة على ذلك، كان الإنفاق عن طريق الاقتراض في آسيا أكثر فاعلية منه في أمريكا أو أوروبا، لأن الأسر الآسيوية ليست مثقلة بعبء الديون الضخمة، لذا من المرجح أن يتم إنفاق التخفيضات الضريبية أو المعونات المالية بدلا من ادخارها. ومن الأسهل أيضا إيجاد مشاريع بنية تحتية مجدية في الدول الأكثر فقرا - من سكك الحديد إلى شبكات الكهرباء - لإنفاق المال عليها.
وفي الصين، كان تسهيل الائتمان أكثر أهمية من الحوافز المالية. وعلى الرغم من التباطؤ الحاد في الإقراض في تموز (يوليو)، إلا أن الإقراض الجديد من قبل البنوك في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام كان أعلى من مستوياته قبل عام بثلاثة أضعاف. وفي جميع أنحاء آسيا الناشئة، كان المال الرخيص أكثر فاعلية في زيادة الإنفاق مما كان عليه في الغرب. والسبب في ذلك هو أنه خلافا لأمريكا وأوروبا، فإن الأنظمة المالية المحلية ليست معطلة، لذا تمكنت البنوك من زيادة الإقراض. وبما أن الأسر والشركات الآسيوية لم يسبق أن اقترضت بإفراط (باستثناء كوريا الجنوبية) فيمكنها تحمل تكلفة اقتراض مزيد من المال.
من المؤكد تقريبا أن معدلات النمو ستنخفض قليلا بعد الانتعاش المذهل في الربع الثاني. ومع ذلك، رفع Mike Buchanan، الخبير الاقتصادي في Goldman Sachs، توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي في آسيا الناشئة إلى 5.6 في المائة لعام 2009 بشكل عام وبنسبة 8.6 في المائة عام 2010. وهو يتوقع أن تكون نسبة النمو في الصين مذهلة هذا العام، 9.4 في المائة، والعام المقبل، 11.9 في المائة. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للهند بنسبة أكثر تواضعا تبلغ 5.8 في المائة هذا العام المالي (الذي ينتهي في آذار (مارس) 2010). وقد شكلت الصادرات 15 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للهند عام 2008، مقارنة بنسبة 33 في المائة في الصين، لذا من المفترض أن تكون الهند أقل تأثرا بالانكماش العالمي. ولكن بسبب ماليتها المريعة (عجز ميزانية بنسبة 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي)، كان لدى الحكومة مجال أقل بكثير لتحفيز النمو. ويتوقع أن تؤدي أيضا الأمطار الموسمية الضئيلة إلى تخفيض الناتج الزراعي هذا العام. إلا أن Buchanan يتوقع أن يزيد النمو إلى 7.8 في المائة العام المقبل.
الفقاعات المتصاعدة
على الرغم من أن هذه الاقتصادات بدأت للتو فقط الشعور بالتحسن، إلا أن صنّاع السياسة يواجهون الآن مشكلة صعبة: كيفية المحافظة على الانتعاش القوي دون تفجير الفقاعات؟ وهناك قلق متزايد من أن يؤدي تدفق السيولة إلى تغذية فقاعات أسعار الأصول، التي قد تتسبب في زعزعة استقرار الاقتصادات حين تنفجر. وفي الصين، تضاعفت تقريبا أسعار الأسهم منذ بلوغها أدنى مستوى لها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وشهدت معظم الدول الآسيوية مكاسب بنحو 50 في المائة أو أكثر منذ بداية العام. وبعد انخفاضها العام الماضي، بدأت الآن أسعار المنازل بالارتفاع في هونج كونج وشنغهاي وسيؤول ومناطق أخرى. وارتفعت قيمة مبيعات المساكن بنسبة 70 في المائة في الصين خلال العام الماضي. ووفقا لأحد التقديرات، ذهبت نسبة الخمس من جميع الإقراض الجديد هذا العام في الصين إلى سوق الأوراق المالية أو العقارات.
ويمكن أن ترتفع أسعار الأصول أكثر من ذلك. وعلى الرغم من المكاسب الأخيرة، إلا أن متوسط أسعار المنازل في معظم الدول لم يرتفع عنه قبل عام. ومع أن الأسهم بدأت تبدو أغلى، إلا أن سوق الأوراق المالية في الصين لا يزال أدنى بنسبة 47 في المائة عن ذروتها عام 2007. ولكن لا شك أن الدرس الذي يمكن استخلاصه من أمريكا في السنوات الأخيرة هو أنه من الأفضل منع الفقاعات من التشكّل. والأوضاع النقدية في آسيا الآن متساهلة جدا بحيث إن الاقتصادات بدأت في الانتعاش؛ وعلى البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة, ولكن مع اقتراب الأسعار من الصفر في العالم الغني واحتمالية أن تظل عند هذا الحد لفترة من الزمن، فإن هذا قد يجتذب رأس المال الأجنبي ما يزيد من السيولة المحلية. وبدأ رأس المال في التدفق بالفعل بسبب النمو في المنطقة الأسرع من بقية مناطق العالم.
وتكمن المشكلة الأساسية في أنه على الرغم من أن الاقتصادات الآسيوية فصلت نفسها عن أمريكا، إلا أن سياساتها النقدية لم تنفصل. وفي عالم يتنقل فيه رأس المال، لا يمكن للاقتصاد التعامل مع أسعار الصرف والسيطرة في الوقت نفسه على السيولة المحلية. ومن خلال محاولة إبقاء عملاتهم منخفضة مقابل الدولار، فإن الاقتصادات الآسيوية مجبرة في الواقع على اتباع السياسة النقدية لمجلس الاحتياط الفيدرالي مع أن اقتصاداتها أقوى بكثير. ويؤدي تدخل الصرف الأجنبي لإبقاء عملاتها منخفضة إلى تضخم السيولة المحلية. وتضخم الأسعار الاستهلاكية ليس خطرا وشيكا لأن الأسعار في انخفاض في معظم الدول الآسيوية. وانخفضت الأسعار الاستهلاكية الصينية بنسبة 1.8 في المائة خلال العام حتى تموز (يوليو), إلا أن أسعار الأصول تبدو متضخمة بصورة خطيرة. والحل البديهي هو السماح لأسعار الصرف بالارتفاع، ولكن لأن الصادرات لا تزال أقل من مستواها للعام الماضي، لا تزال الحكومات مترددة في تحرير عملاتها.
الحفاظ عليه
حذّرت عدة بنوك مركزية في المنطقة، بما فيها بنك الشعب الصيني وبنك كوريا والهيئة النقدية في هونج كونج، بشأن خطر فقاعات الأصول. ولكن لا يحتمل أن يتم تشديد السياسة بصورة كبيرة قبل العام المقبل، لأن تعزيز النمو لا يزال الأولوية الرئيسية للحكومات. وفي الواقع، ستساعد تأثيرات الثروة الناتجة عن أسعار الأصول الأعلى على زيادة الإنفاق, لذا من المرجح أن تواصل السيولة الوفيرة تغذية أسعار الأصول. ويتوقع Andy Rothman، وهو اقتصادي في شركة CLSA للسمسرة، حدوث ''أكبر جولة من تضخم أسعار الأصول شهدتها الصين منذ تفكيك الاقتصاد الذي تسيطر عليه الحكومة.
ومن الواضح أن ازدهار الائتمان ليس مستداما، ولكن من غير المرجح أن تشدد الصين السياسة النقدية إلى أن يصبح التضخم إيجابيا ويصل نمو الناتج المحلي الإجمالي لها على أساس سنوي نسبة 10 في المائة. وبدلا من ذلك، سيحاول صنّاع السياسة احتواء الفقاعة عن طريق تشديد معايير الإقراض. فعلى سبيل المثال، حذرت هيئة التنظيم المصرفي في الصين البنوك الالتزام بالقواعد المتعلقة بالقروض العقارية للمنازل الثانية، التي تتطلب دفعة أولية لا تقل عن 40 في المائة من قيمة العقار. وأصدرت أيضا أوامرها للبنوك بضمان أن يذهب الإقراض إلى الاقتصاد الحقيقي، وليس الأسهم.
ويمكن أن تزوّد الحوافز المالية وتأثير الثروة لأسعار الأصول المرتفعة دعامة مؤقتة فقط للإنفاق المحلي. ولا يمكن لآسيا أيضا الاعتماد على الانتعاش القوي في الصادرات إلى أمريكا، حيث من المحتمل أن يظل الإنفاق منخفضا خلال الأعوام القليلة المقبلة لأن الأسر مجبرة على زيادة الادخار من أجل سداد الديون. وعلى المدى الطويل، يجب أن ينتج نمو آسيا من الطلب المحلي بدلا من الصادرات.
ومع ذلك، فإن السياسة التقليدية التي يصفها الغربيون- بأن على الأسر الآسيوية تقليل الادخار وزيادة الإنفاق - بسيطة أكثر من اللازم, فالاستهلاك الخاص في الصين منخفض بشكل غير صحي، حيث يبلغ 35 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن المتوسط في بقية آسيا، البالغ 58 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ليس أقل بكثير من المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 61 في المائة. ولا يمكن اتهام الأسر في كوريا الجنوبية، التي قللت معدل ادخارها من 23 في المائة من الدخل المتاح عام 1998 إلى 3 في المائة فقط العام الماضي، بأنها تقتصد بصورة مفرطة في الإنفاق.
وفي إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايوان وتايلاند، الاستثمار هو الذي يبدو منخفضا جدا. فالاستثمار كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي أعلى قليلا منه في عديد من الاقتصادات الغنية، مع أن الفرص الاستثمارية في الدولة النامية يجب أن تكون أكثر بكثير. وانخفض الاستثمار في ماليزيا مثلا من 43 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1997 إلى 19 في المائة فقط العام الماضي، أي أقل منه في منطقة اليورو أو اليابان وأقل بكثير من معدله في الصين البالغ 44 في المائة. والاستثمار الضعيف هو أحد أسباب تباطؤ معدلات النمو في بعض الاقتصادات الآسيوية خلال العقد الماضي.
وبالتالي، فإن الإجراءات الملائمة لتقوية الطلب المحلي تختلف في أنحاء المنطقة كافة. وعلى الرغم من أنه يفترض أن يكون هدف الصين زيادة الاستهلاك، إلا أن على بعض الاقتصادات الآسيوية الأخرى زيادة الاستثمار. وسيتطلب هذا تحسين البيئة التنظيمية، وشن حملة صارمة على الفساد، وبنية تحتية أفضل، والأهم من ذلك تحسين الاستقرار السياسي.
حتى في دول مثل الصين التي يكون فيها الاستهلاك المنخفض هو المتهم الرئيسي، فإن الإصلاحات الضرورية أكثر تعقيدا مما ينصح به الغربيون عادة بأن على الحكومة زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والرفاه الاجتماعي لتشجيع الأسر على تقليل الادخار. فقد شكلت الشركات، وليس الأسر، معظم الزيادة في الادخار عبر آسيا خلال العقد الماضي. وانخفض إنفاق الأسر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن السبب ليس في كونها زادت معدل الادخار، بل لأن حصتها من الدخل القومي تقلصت مع زيادة حصة أرباح الشركات.
ولزيادة الاستهلاك الخاص، يجب على الحكومات إذن أن تزيد حصة الأسر من الدخل القومي عن طريق تشجيع قطاع الخدمات الذي يتطلب عمالة كثيفة، بدلا من تفضيل الصناعات التصديرية التي تتطلب رأس مال كثيفا ومنحها إعانات وأسعار صرف منخفضة. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن العملات الآسيوية هي من ضمن أكثر العملات المقدرة بأقل من قيمتها في العالم. وستساعد أسعار الصرف الأقوى على تحويل النمو بعيدا عن الصادرات وزيادة القدرة الشرائية الحقيقية للأسر.
حذار من الفجوة
يتوقع أن تزيد الفجوة بين معدلات النمو في آسيا الناشئة ومجموعة السبع إلى تسع نقاط مئوية هذا العام. ولكن ماذا عن المستقبل؟ يقول المتشائمون إن النمو في آسيا خلال الأعوام المقبلة سيكون أبطأ بكثير عنه قبل الأزمة العالمية لأن محرك النمو الرئيسي، أي التصدير لأمريكا، انهار وسيتطلب الأمر سنين عديدة لإيجاد بديل له. ولكن قد يكون في هذا مبالغة في أهمية أمريكا بالنسبة إلى النمور الآسيوية. فيما بين الأعوام 2001 و2006 (حين بلغ العجز التجاري في أمريكا ذروته)، كانت الزيادة في الفائض التجاري لآسيا الناشئة مع أمريكا تشكل 6 في المائة فقط من نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. وإذا لم يكن في الإمكان استبدال هذه الصادرات بالطلب المحلي، سيتباطأ النمو ولكن ليس بصورة كبيرة.
إلى جانب ذلك، يعتمد النمو طويل الأجل على عوامل العرض، وليس فقط الطلب. ويتم تحديد معدل النمو طويل الأجل ''المحتمل'' أو ''السائد'' لدولة ما - الحد الأقصى للسرعة التي يمكن فيها للناتج المحلي الإجمالي أن يتوسع دون إثارة التضخم - بالنمو في عرض العمالة والإنتاجية. وليس من المفترض أن تؤدي الأزمة المالية العالمية إلى تقليص نمو الإنتاجية بصورة ملحوظة في آسيا الناشئة. وفي الواقع، قد تعزز الزيادات الأخيرة في الإنفاق على البنية التحتية في جميع أنحاء المنطقة الإنتاجية عن طريق تقليل تكاليف النقل، خاصة في مناطق مثل الصين.
وفي المقابل، من المتوقع أن تنخفض معدلات النمو المحتملة في أمريكا وعديد من الدول الغنية الأخرى خلال العقد المقبل لأن ارتفاع الديون الحكومية وبالتالي ارتفاع الضرائب يقضي على حوافز العمل والاستثمار، ولأن الأزمة الائتمانية المستمرة تقلل الاستثمار، ولأن التنظيم الحكومي المتزايد يمنع الابتكار. ويمكن أن يؤدي كل هذا إلى الحد من نمو الإنتاجية في الوقت الذي تزيد فيه القوى العاملة في تلك الدول بصورة أبطأ، أو حتى آخذة في التقلص. ومن غير المحتمل أن تحقق النمور معدل النمو السريع مرة أخرى، الذي بلغ 9 في المائة خلال الثلاثة أعوام حتى 2007. إلا أن هذه السرعة تتجاوز السرعة القصوى الآمنة. وقد تحقق آسيا الناشئة ككل معدل نمو سنوي يبلغ 7-8 في المائة خلال الخمسة أعوام المقبلة، أي أعلى بثلاثة أضعاف على الأقل منه في العالم الغني. وقد أثبت التباطؤ الحاد في آسيا أواخر العام الماضي أن المنطقة ليست محصنة ضد انهيار أمريكا. إلا أن سرعة وقوة انتعاشها، إذا استمر، تبين أنها ليست مربوطة بأمريكا أيضا. وإذا كان للأزمة تأثير، فقد عززت تحول القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق.