ظاهرة الانتحار بين صفوف الجيش الأمريكي
أصبح الإقدام على الانتحار من الأسباب الجوهرية لحالات الوفاة بين صفوف الجيش الأمريكي حديثا. وهناك تقارير حديثة تشير إلى أن الانتحار بين الجنود أصبح المسبب الثاني للوفاة بين صفوف الجيش. ويذكر الجيش الأمريكي أن حالات الانتحار بين أفراد الجيش الأمريكي قد تزايدت بصورة واضحة في أعقاب المواجهات الحالية في العراق وأفغانستان على الرغم من جهود المراقبة والتدخل التي أدخلها الجيش لمنع الجنود من الانتحار خلال هذه الفترة. وقد أشارت أحد الدراسات التي أجريت على حالات الانتحار بين جنود الجيش إلى أن معدل الانتحار بين الجنود الذين تقل أعمارهم عن 24 عاما يبلغ نحو ضعفين إلى ثلاثة أضعاف معدل الانتحار بين المدنيين من العمر نفسه، وإنه كلما كانت فترة الخدمة التي قضاها الجندي أقصر كلما كان معدل الانتحار أعلى. من ناحية أخرى، أشارت إحدى الدراسات الاستطلاعية إلى أنه من بين كل 100 جندي حاولوا الانتحار كان هناك 94 في المائة منهم يعانون الاكتئاب، و67 في المائة منهم كان لديهم محاولات سابقة أو ميل نحو الانتحار.
وفقا لتقرير الجيش الأمريكي عن حالات الانتحار بين الجنود بلغ عدد الجنود الذين انتحروا في عام 2007، 115 جنديا، أي بزيادة 13 في المائة عن حالات الانتحار في عام 2006. عام 2008 كان أسوأ أعوام الانتحار بين الجنود، حيث تساوى لأول مرة معدل الانتحار بين الجنود مع معدل انتحار المدنيين، والذي يراوح بين 19 و20 لكل 100 ألف. غير أن الأرقام الواردة عن حالات الانتحار في مطلع عام 2009 تؤكد استمرار الاتجاه نحو الارتفاع، المثير للاهتمام في الموضوع أن معدلات الانتحار بين العسكريين في الولايات المتحدة كانت أقل من تلك الخاصة بالمدنيين، غير أنه بدءا من عام 2008 أخذ هذا النمط في الانعكاس، حيث أصبحت معدلات الانتحار نحو 20.2 حالة لكل 100 ألف عسكري في مقابل 19.2 من كل 100 ألف من المدنيين، وربما تكون عومل الضغط الناجمة عن الحرب وطول فترة الخدمة والضغوط المترتبة على الصدمات من العوامل الكامنة وراء حالات الانتحار. معنى ذلك أنه إذا استمرت معدلات الانتحار على هذا المنوال فسيقتل الإقدام على الانتحار من الجيش الأمريكي أعدادا أكثر مما يقتلها عدوهم.
وقد صرح الرئيس أوباما أن هذه الأخبار السيئة تذكر بالتكاليف المرتفعة لحرب العراق على الجنود الأمريكيين وأسرهم، كما أشار إلى أن الجيش الأمريكي سيوفر متخصصين نفسيين ويرفع مستويات التدريب النفسي للتعرف على علامات الإقدام على الانتحار ورفع مستوى الصحة العقلية بين الجنود.
تصاعد القلق حول تزايد حالات الانتحار بين الجنود جعل الجيش الأمريكي يخصص ميزانية بنحو 50 مليون دولارا لأربعة من كبار الباحثين في الولايات المتحدة لإجراء دراسة عن حالات الانتحار بين الجنود في الجيش الأمريكي. الدراسة تعد الأكبر من نوعها عن حالات الانتحار والصحة العقلية بين الجنود. وتحاول الدراسة تحديد درجة الخطر والعوامل التي يمكن اللجوء إليها لمنع حالات الانتحار بين الجنود، ورسم أساس علمي لمناهج فاعلة للتدخل المبكر لتقليل معدلات الانتحار بين الجنود، ودراسة المشكلات العقلية المصاحبة لتلك الحالات. يتوقع من الدراسة أن تقوم بإضافة جوهرية إلى معلوماتنا عن الانتحار وفهمه بصورة أفضل والعوامل المساهمة فيه والعوامل التي تساعد على انتشاره بين الجنود. غير أن الدراسة ستتناول تحليل أثر مجموعة كبيرة من العوامل التي يمكن أن تكون مسؤولة عن انتشار الظاهرة، سواء كانت متعلقة بالخدمة العسكرية أو مستقلة عنها، بما في ذلك تجانس الوحدات العسكرية، التعرض للصدمات، الضغوط الشخصية والاقتصادية، التاريخ الأسري، الاعتداءات في فترة الطفولة والصحة العقلية بشكل عام.
الأساليب التي ستعتمد عليها الدراسة مكثفة جدا، حيث ستشمل قواعد المعلومات التي يحتفظ بها الجيش الأمريكي عن أفراده، والتي سيتم معالجتها للتعرف على المسببات المحتملة للانتحار في صفوف الجيش، ودراسة الحالات التي حاولت الانتحار في السابق ومقارنتها بالحالات ذات الخصائص الديموجرافية المشابهة والتي لم تقم بمحاولة الانتحار، وعمل استبانات لعينة من 90 ألف جندي يمثلون خصائص الجيش الأمريكي في مجمله، فضلا عن مسح لـ 80 إلى 120 ألف جندي الذين دخلوا الخدمة في كل سنة من السنوات الثلاث الأولى للدراسة. كذلك ستشمل الدراسة المسؤولين في كل مجالات الخدمة العسكرية، بما في ذلك أعضاء الحرس القومي وجنود الاحتياط.
بهذا الشكل يتوقع أن تستغرق هذه الدراسة المكثفة نحو خمس سنوات، وهي المدة التي يرى فريق البحث أنها لازمة للتوصل إلى العوامل التي تكشف عن دوافع الانتحار لدى الجنود ورسم خطط لكيفية التدخل للحد من تلك الظاهرة الخطيرة.
من الأسئلة المهمة التي ستطرحها الدراسة دور التفاعل الاجتماعي في الجيش الأمريكي الحديث، فلو كان جنديا ما قريبا من زملائه ومات هؤلاء في المواجهات، هل يرفع ذلك من احتمال انتحاره؟ وهل إذا ارتكب جندي ما خطأ أدى إلى التأثير سلبا في وحدته، هل يؤدي ذلك إلى زيادة احتمال انتحاره، خصوصا في الوحدات التي بينها نوع من التجانس؟ وهل كلما ازدادت درجة التجانس بين أفراد الوحدة ترتفع معدلات الانتحار؟ ما الدور الذي تلعبه القيادة العسكرية في مثل هذه الحالات؟ هل القادة العسكريون على علم بالحالات الأكثر تعرضا للانتحار؟ وهل يميل الجنود إلى إخفاء آلامهم النفسية خوفا من الفصل أو العزل؟ وهل التدخل المبكر يؤدي إلى تقليل مخاطر الانتحار؟ هذه وغيرها من الأسئلة المهمة التي تتناولها الدراسة بالتحليل.