رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ذروة الاحتياطيات والإنتاج وبداية نضوب النفط.. هل هو وشيك كما يدعي البعض؟!

تروج بعض المؤسسات والأفراد في الدول الغربية لفكرة ذروة الإنتاج وبداية نضوب النفط، وعلى وجه الخصوص ينشط هذا الادعاء في فترات ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، بالذات عندما تكون متزامنة مع انخفاض في الطاقات الإنتاجية الاحتياطية، زيادة الطلب العالمي على النفط وزيادة التوترات السياسية والجغرافية. بالفعل عندما وصلت أسعار النفط إلى 147 دولارا للبرميل في شهر تموز (يوليو) من العام الماضي، عزا الكثيرين هذا الارتفاع إلى شح الإمدادات النفطية بسبب تجاوز حقول النفط الكبرى في العالم ذروة إنتاجها، على حد ادعائهم. بالطبع هذه النظريات عن ذروة الإنتاج وبداية نضوب النفط ثبت عدم صحتها بعد ذلك، عندما انخفضت الأسعار، تراجع الطلب على النفط إلى دون مستويات عام 2005، ارتفعت الطاقات الإنتاجية الاحتياطية إلى أكثر من 6.5 مليون برميل يوميا، خصوصا لدى دول منظمة أوبك وارتفع المخزون النفطي لدى الدول الصناعية إلى مستويات قياسية. على الرغم من جميع هذه التطورات التي شهدتها أسواق النفط أخيرا، أعاد كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية IEA (مقرها باريس) قبل أسبوعين في لقاء مع صحيفة ''ذي إندبندنت'' البريطانية تحذيرات الوكالة السابقة بخصوص شح الإمدادات النفطية، حيث أشار إلى أن ''العالم يتجه نحو أزمة طاقة حادة يمكن أن تشل تنشيط الاقتصاد العالمي نتيجة شحه في الإمدادات النفطية وذلك لأن معظم حقول النفط الرئيسة في العالم تجاوزت مرحلة قمة إنتاجها''، على حد قوله. أضاف أيضا ''إلا أن النفط الذي تعتمد عليه الحضارة المعاصرة ينفد بسرعة أكثر مما كان متوقعا وأن الإنتاج العالمي قد يصل قمته (ذروته) خلال عشر سنوات من الآن، أي قبل عشر سنوات تقريبا على الأقل من تقديرات معظم الحكومات، وذلك لأن نسبة تهاوي إنتاج النفط Decline Rate الآن تنطلق بما يوازي تقريبا ضعفي السرعة التي احتسبت قبل عامين''، حسب قوله. وقال في ''تحذير صارخ لبريطانيا والدول الغربية الأخرى إن قوة السوق التي تتحكم فيها الدول المنتجة للنفط التي تملك احتياطيا كبيرا من النفط، ومعظمها في الشرق الأوسط، ستزداد سريعا عندما تبدأ قبضة الأزمة النفطية تشتد بعد عام 2010''.
إن تهويل وكالة الطاقة الدولية هذا، حول احتمال حصول شح في إمدادات النفط ليس جديدا، حيث تمثل هذه الوكالة سياسات الدول المستهلكة للنفط. إن فكرة وصول الإنتاج العالمي لذروته ثم يبدأ بالانخفاض بشكل لا مناص منه، على الرغم من أن العرض والطلب في ازدياد مستمر، أصبحت متجذرة في مخيلة الكثير من المؤسسات والأفراد وبعض صانعي القرار في الدول المستهلكة للنفط.
بالطبع لكل جهة أو مؤسسة حق مشروع بأن تعبر عن رأيها وتدافع عن مصالح وسياسات الدول التي تمثلها. لكن المؤسف في الأمر أن بعض المواقع والصحف العربية قد تناقلت المقال كأنه حقيقة واقعة، من دون مناقشة الأفكار التي تضمنها أو استعانت بآراء الخبراء من الدول المنتجة للنفط في هذا المجال. حتى إن بعضها لم يذكر تنويها بأن الأفكار في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبهِ فقط.
لست هنا بصدد انتقاد الرأي الآخر أو التقليل من أهميته، لكن في هذا المقال سأناقش هذا الموضوع من وجهة نظر علمية وفنية بحتة.
نعم أن العالم لديه كمية محدودة من الموارد النفطية. تلك هي طبيعة الموارد الطبيعية غير المستدامة، لكن تحديد كمية النفط القصوى التي يمكن استردادها يتوقف أيضا على عوامل أخرى مثل التكنولوجيا، وأسعار النفط وتكاليف التطوير والإنتاج. التطور التكنولوجي في أساليب البحث، الاستكشاف، الحفر والإنتاج مكن العالم من اكتشاف وإنتاج الكثير من النفط الخام التقليدي في المناطق التي تعذر الوصول إليها في السابق، مثل قاع المحيطات العميقة، خصوصا تلك الموجودة تحت طبقات سميكة من الملح، والقطب الشمالي. وتوجد أيضا تكنولوجيا لتطوير المصادر غير التقليدية مثل رمال القار والسجيل النفطي وتحويلها إلى سوائل تشبه النفط، وتحويل الغاز الطبيعي والفحم إلى وقود سائل التي يمكن استخدامه في مجال النقل.
إضافة إلى ذلك، تركيز نظرية ذروة الإنتاج على النفط الخام التقليدي فقط، تطرح الموضوع بأسلوب خاطئ ومضلل. أولا؛ تعريف المصادر ''التقليدية'' يتغير بمرور الوقت نتيجة الأسعار والتطور التكنولوجي، وإنتاج النفط من الحقول البحرية العميقة أصبح يعتبر تقليديا قبل نحو 20 عاما، وأيضا الإنتاج من حقول المياه العميقة جدا في العقد الماضي. في المستقبل، ارتفاع الأسعار والتطور التكنولوجي يمكن أن تحول الإنتاج من القطب الشمالي إلى ''التقليدي'' أيضا، ونتيجة لذلك تزداد الاحتياطيات النفطية. في نهاية المطاف تقديرات الاحتياطيات النفطية العالمية من النفط التقليدي قد تزداد، بسبب هذه العوامل. فعلا استنادا إلى تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية فإن الاحتياطيات النفطية التقليدية في العالم قد تضاعفت تقريبا منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، من 1700 مليار برميل إلى أكثر من 3300 مليار برميل، في حين أن الإنتاج التراكمي العالمي من النفط خلال تلك الفترة كان أقل من ثلث هذه الزيادة. من المتوقع استمرار هذا الاتجاه في المستقبل أيضا. التوسع في إمدادات سوائل الغاز الطبيعي هو الآخر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار. حيث من المتوقع أن تلعب هذه الإمدادات دورا متزايدا في الإنتاج العالمي للنفط في المستقبل، حيث من المتوقع أن يتضاعف إنتاج سوائل الغاز الطبيعي بين عامي 2008 و2030. ثانيا، التركيز على النفط التقليدي يعتم على كثير من المصادر الهيدروكاربونية التي من الممكن أن تضيف الكثير إلى احتياطيات النفط، مثل رمال القار والسجيل النفطي وبقية المصادر التي يمكن تحويلها إلى سوائل هيدروكاربونية. التطور الحاصل الآن في إنتاج الرمال النفطية الكندية هو أحد الأمثلة على ذلك.
بخصوص الأزمة الحادة المتوقعة في الإمدادات التي أشار إليها كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية. تجدر الإشارة هنا إلى أن جميع الأزمات التي شهدتها أسواق النفط العالمية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كانت جميعها أزمة طلب على النفط، أي تراجع الطلب العالمي على النفط عن مستوياته السابقة والمتوقعة، لم تكن أي منها أزمة إمدادات. حتى ما يسمى أزمة النفط عام 1973، لم يكن في الحقيقة أزمة إمدادات بسبب عدم توافر طاقات إنتاجية كافية أو استنزاف الحقول النفطية ووصولها إلى ذروة إنتاجها، بل لأسباب أخرى لا مجال للحديث عنها هنا.
أما بخصوص ذروة الإنتاج وسرعة تهاوي إنتاج النفط، أود أن أبين أن موضوع تهاوي إنتاج النفط في الحقول النفطية والغازية على حد سواء ليس موضوعا جديدا على الصناعة النفطية، حتى قبل أن يبدأ الحقل بالإنتاج يحدد القائمون عليه أفضل الأساليب الواجب اتباعها لاسترداد أكبر كمية ممكنة من الاحتياطيات وتحديد مسار الوصول إلى ذروة الإنتاج والعمل على إدامته لأطول فترة ممكنة، ومن ثم المحافظة على نسبة تهاو واطئة في الإنتاج. ينبغي أن نتذكر أن هذه الصناعة كانت دائما متعايشة وموفقة في مواجهة هذا التحدي. الصناعة النفطية أيضا كانت متعايشة مع مختلف التوقعات التي أشارت إلى قرب نهاية عصر النفط في العالم منذ الأيام الأولى لنشوئها. إلا أن هذه التوقعات مرت دائما دون أن تتحقق. في الواقع، منذ بدء صناعة النفط الحديثة في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر، مصادر الإمدادات كان لها تاريخ غني ومتنوع، حيث سعى المنتجون دائما لمواكبة الارتفاع المستمر في الطلب العالمي على النفط. مع مرور الوقت، عديد من مناطق إنتاج النفط الغزيرة في العالم قد طورت واليوم لا يزال عديد منها يعتبر من المصادر الرئيسية لإنتاج النفط ويرجح أن تبقى كذلك في المستقبل. وهذا ينطبق على البلدان الأعضاء في منظمة أوبك، حيث إن كثيرا منها لديها مساحات كبيرة من الأراضي غير المستكشفة بصورة كاملة بعد. الجدير بالذكر هنا أيضا، أن التقرير السنوي لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» لتوقعات النفط العالمية لعام 2030 للسنة الحالية 2009 OPEC World Oil Outlook، قد ناقش موضوع نسبة تهاوي إنتاج النفط Decline Rate بناء على دراسة معمقة قامت بها المنظمة أخيرا بهذا الخصوص. حيث أشار تقرير المنظمة، إلى أن نسبة تهاوي إنتاج النفط السنوية في الحقول المنتجة خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC، للفترة منذ عام 2000 تقدر بنحو 4.6 في المائة. الجدير بالذكر أن هذا المعدل كان مستقرا إلى حد ما على مدى السنوات الماضية، من المتوقع أن يظل كذلك في السنوات المقبلة. أما بخصوص نسبة تهاوي إنتاج النفط السنوية في الحقول المنتجة في دول المنظمة فقد أشار التقرير إلى أنها أقل من تلك التي من خارجها.
في الختام أود أن أبين أن العالم سيشهد يوما ما ذروة في الإنتاج العالمي من النفط، لكن هذه الذروة ليست بسبب شح الإمدادات والاحتياطيات النفطية أو قلة الاستثمارات وإنما ستكون بسبب وصول الطلب العالمي على النفط ذروته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي