شعراء :لا اختلاف في إبداع درويش لكن الشعر لا يحتاج إلى رموز كي يبقى حياً
عام مضى منذ أن رحل درويش تاركا منبره في ارتباك البحث عن وقفة يمكنها أن تملأه بالقدر نفسه من الشعر، رحل حتى بكاه التين والزيتون والشعر, لكنه ــ مع هذاــ خلد نفسه وبدد الرحيل بإبداع حاضر دائما وبأسئلة لا تنتهي حوله..تجربة طويلة وثرية شهدها الشعر واختلف حولها النقاد.. لكن الجميع بلا استثناء اتفق على شفرة درويش الإبداعية الخاصة به دون سواه, فهل تجعل هذه الشفرة درويش رمزا للشعر مستحيل التكرار؟ وهل يحتاج الشعر إلى نماذج يحيا بحضورها ويموت بغيابها؟
في الذكرى الأولى لرحيل الشاعر المعروف، وحول فكرة الرمز الشعري حاورت «الاقتصادية» عددا من الشعراء العرب وحاولت أن تقترب منهم وتعرف كيف أثر درويش فيهم وفي الشعر.
#2#
يقول الشاعر محمد جبر الحربي: (لم تغب قامات الشعر الطويلة باندثار العصر الجاهلي، ولا أفول الأموي، ولا تلاشي العباسي.. أو الأندلسي..ولم يمت الشعر بغياب الرصافي، أو شوقي، أو البردوني، أو الجواهري، أو السيّاب، أو أمل دنقل.
فالشعر ليس فرداً، أو رمزاً، بل هو حالة، ولغة، وزمن، وأحداث، هو حياة تتجدد مع دورة كل شمس، ولا تنتهي بغياب نجم.
وهناك شعراء مع درويش وبعده على القدر نفسه من الأهمية، وإن كانوا ليس على القدر نفسه من الشهرة، فهناك على سبيل المثال لا الحصر: سميح القاسم، وسعدي يوسف، والنواب، والمقالح، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأدونيس.
والبحث عن الرموز في الشعر يقتل الشعر ويقننه، ويحدده، والشعر طليق حر لا يقبل التقنين والتأطير، ولا يعترف بالجداول والتقسيمات، ولا بأفعل التفضيل).
#3#
وتتفق مع الحربي الشاعرة الكويتية سعدية مفرح :( لم أكن أنظر لمحمود درويش باعتباره رمزا شعريا أبدا، كان بالنسبة لي شاعرا عظيما وحسب, خاصة أنه لم يركن للحالة الرمز على صعيد إنتاجه الشعري والذي صار غزيرا ومتدفقا ومفتوحا على آفاق شبه مجهولة في السنوات الأخيرة تحديدا.
ففي تلك التجارب الشعرية التي أنتجها بعد كل تجربة مرضية كان درويش منغمسا في حالة الاكتشاف والتجريب بشكل غير مسبوق بالنسبة له على الأقل.
ولعل في جداريته الشعرية الكبيرة خير مثال على ما أقول تحديدا.
وأنا مؤمنة بأن الشعر ضد الحالة الرمزية على الرغم من إنتاج ثقافتنا العربية لعدد من الرموز الكبيرة على مدى تاريخها الطويل لكنها ظلت رموزا ثقافية أكثر من كونها رموزا شعرية، فالحالة الرمزية في أحد جوانبها تحتاج إلى نوع من الثبات أو الرسو على شاطئ التنظير بما يسهم في ترسيخها ويراكم تجربتها لكن الشعر العظيم في حركة مستمرة وفي تجريب مفتوح على كل الآفاق ..وهذا ما كانت عليه شعرية محمود درويش)
#4#
ويرى الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي أن الشعر سيبقى بخير مادام الإنسان موجودا فهو – الشعر – رفيق هذا الوجود :( لا أتفق مع من يقول إن الشعر العربي أصبح في أزمة بعد رحيل الشاعر الكبير محمود درويش, قبل درويش رحيل المتنبي العظيم وظل الشعر معافى , لم يفقد تأثيره في الناس , ذلك لأن الشعر لا يرتبط بشاعر معين , إنه نتاج وضع حضاري كامل , ومادام الإنسان موجودا على الأرض فالشعر بخير) لكنه يضيف عن تأثره الشخصي بدرويش وذكرى لقائه به (ذائقتنا تربت جماليا على نصوص محمود درويش وإن جيلنا نشأ على صوته الذي يجمع طراوة اللغة وغزارة الصور الشعرية المبتكرة والانتماء إلى الأرض والإنسان والقضية ويتميز شعره بغنائية عذبة وثراء موسيقي أذكر أنني عندما انتهيت من قراءة أعماله الشعرية الكاملة بجزئها الأول في أواسط السبعينيات وكنت في الصف الأول الإعدادي وجدت نفسي فجأة أكتب شعرا موزونا.
كان درويش الشاعر الأول الذي يأسرني في حداثة سني, وكانت أول قصيدة سمعتها له حملت عنوان «أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر .
تسمرت في مكاني حينها وفي اليوم التالي جاء أحد المعلمين بمقاطع من القصيدة فحفظتها وبقيت لسنوات أحفظها.
وبقي اسم درويش يرن في ذاكرتي حتى عثرت على ديوانه «العصافير تموت في الجليل « في المكتبة العامة في مدينتنا, مدينة الثورة, وقرأته خلال جلسة واحدة ثم بحثت عن دواوين أخرى في فهرست المكتبة فوجدت «عاشق من فلسطين « ثم ساعدني مدير المكتبة في الدواوين الأخرى.
بل إن صوته تسلل إلى ثنايا كلماتي فأخذ بناصية قصيدتي كالكثيرين من الشعراء في بداياتهم.
وظلت دواوين درويش ترافقني, وحين زار بغداد في الثمانينيات مشاركا في مهرجان المربد كنا ننظر إليه كشخص هبط من سماء القصيدة !!.كانت لقاءاتي به سريعة.
لكن لقائي الأفضل به كان عام 1995 في عمّان وتحديدا في غاليري الفينيق وكنت بصحبة مجموعة من الأصدقاء الشعراء وثقنا ذلك اللقاء بالصور التذكارية ثم التقينا مرة أخرى في دعوة على العشاء ,بعد ذلك لم أره وبقينا نحلم أن يعود اللقاء ولكن غيابه المباغت وضع حدا قاسيا لهذا الحلم).
وتضيف المفرح حول ما أضافه درويش للشعر وللثقافة حتى برحيله (لقد قدم الكثير للقصيدة العربية طوال حياته الشعرية قدم الكثير لها أيضا في رحيله المدوي، خاصة أن رحيله مثل حالة ثقافية وإعلامية فريدة من نوعها في الوطن العربي الذي لم يعتد على الاحتفاء بالشعراء رسميا للحد المغري للإعلام كما حدث قبل عام عندما رحل درويش فانشغلت به البلاد العربية بشكل غير مسبوق.. وهذه قيمة إضافية يضيفها درويش وهو راحل للثقافة العربية بشكل عام ولثقافة الشعر وقيمة الشاعر في بلادنا تحديدا).
ويعلق الشاعر الحربي على تأثره بدرويش: (كما تأثرنا في بداياتنا بنزار من ناحية اللغة وتبسيطها، تأثر درويش بذلك كما قال، وقد تأثرنا بعد ذلك بدرويش، لارتباطنا الوثيق بالقضية الفلسطينية، وكان هو من أصواتها القوية الجميلة المتفردة، وكان لانتشار الكاسيت، وأدائه المميز دور كبير في انتشار ذلك الأثر، كما كان لترجمة قصائده إلى أعمال موسيقية وتشكيلية السحر نفسه، يضاف إلى ذلك وهج مجلة الكرمل التي فتحت عيوننا على شعره، ونثره الجميل، والتي كانت زادنا في تلك الأيام، وكذلك رسائله في مجلة اليوم السابع).
ثم يختتم الحربي كلامه بأصعب ما يجده في درويش:(لقد كان أصعب ما في درويش تركه، والابتعاد عنه، فأنت إن غادرت الأمسية، وجدته في الديوان، وإن أعدت الديوان إلى بيته، وجدته في المجلة، وإن تركت المجلة، وجدته في الجريدة، وإن أغلقت المسجل، وجدته على شاشة التليفزيون، وإن تركت كل ذلك وجدته في الذاكرة!!).
هكذا إذن اختتم درويش رحلته دون أن يهزمه الموت تماما كما خاطبه ذات مرة ليثبت للموت أن الخلود هزمه ببقاء الحياة في روح الأشياء.
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنةِ النقوشُ على حجارة معبدٍ
هزمتك وانتصرت
وأفلت من كمائنك الخلودُ
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد