الاضطرابات المستمرة في إيران

الاضطرابات المستمرة في إيران
الاضطرابات المستمرة في إيران

يزعم الرئيس الحالي أنه فاز بنسبة 63 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل التي تم إجراؤها في الثاني عشر من حزيران (يونيو). ولا يزال مدعوما من قبل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وقوات الأمن، والإعلام الذي تديره الدولة، والبرلمان الذي يهيمن عليه المحافظون الذين ينتمي إليهم. ومع ذلك، لم ينعم محمود أحمدي نجّاد بالراحة منذ تنصيبه في الخامس من آب (أغسطس) لفترة ولاية ثانية مدتها أربع سنوات. وموقعه ليس آمنا على الإطلاق، حيث إن الأزمة لا تزال حادة.
وظهرت الصعوبات التي يواجهها بصورة رمزية في مراسم تأكيد انتخابه التي تم عقدها في الثالث من آب (أغسطس) للإعلان عن ولايته الثانية. ففي انتهاك واضح للبروتوكول، لم يحضر عديد من كبار المسؤولين، بمن فيهم اثنان من الرؤساء السابقين، بسبب انشغالهم كما قالوا. ولم تحضر كذلك عائلة آية الله روح الله الخميني، قائد ثورة عام 1979 والأب المؤسس للجمهورية الإسلامية، التي تكون موجودة بحكم التقاليد في مثل هذه المناسبات. وحين حاول أحمدي نجّاد تكرار عرض الولاء غير المسبوق الذي قام به في آخر مراسم من هذا النوع عام 2005 عن طريق تقبيل يد خامنئي، تراجع المرشد الأعلى، فجاءت القبلة على كتفه بدلا من ذلك.

#2#

ولم تكد المراسم تنتهي حتى اندلعت مظاهرات الشوارع من جديد في جميع أنحاء طهران. وتم إضرام النيران وهتاف الشعارات وإطلاق المزامير واستمرت معارك ضارية مع الشرطة حتى وقت متأخر من الليل، حين سمعت أصوات التكبير عالية من فوق أسطح المنازل، كما هو الحال كل ليلة منذ الانتخابات التي لا يزال ملايين الإيرانيين يعتقدون أنها مزورة. ومع أن هذه المظاهرات كانت أصغر من تلك التي اندلعت في أعقاب الانتخابات مباشرة، إلا أنها مستمرة بشكل متقطع، على الرغم من حملات الاعتقال الواسعة والترهيب، وكذلك الجهود المحمومة لوصف المعارضين بأنهم عملاء في مؤامرة يحيكها العدو.
واتخذت الجهود الأخيرة لإلقاء اللوم على الأجانب منعطف هزلي حين تم بث محاكمة المتآمرين المزعومين على التلفزيون. وقد بدأ العرض ببث صور لعشرات الإصلاحيين البارزين وهم في ملابس السجن. وبعد قراءة لائحة الاتهامات الطويلة، تم بث مشاهد للقادة التائبين وهم يقدمون اعترافاتهم.
وزعم المدعي العام أن هناك علاقات بين مجموعة من المنظمات الغربية (خاصة الأمريكية) وبين المتآمرين الإيرانيين، بمن فيهم ثلاثة أحزاب إصلاحية، وقال إن قوات الأمن المتيقظة أحبطت انقلابا «مخمليا» على غرار ثورات ناجحة في سيبيريا وجورجيا ودول أخرى. ولم يشمل باتهاماته مجموعة فقط من الأكاديميين البارزين الذين يرتبطون مع جامعات أجنبية، بل أيضا فئات كاملة من الجماعات الناشطة، بما فيها تلك التي تسعى لحماية حقوق النساء والأقليات العرقية ونقابات العمال والطلاب.
ويبدو أن الاعترافات التي تمت صياغتها بعناية تهدف إلى ربط الإعلام الغربي ووكالات الاستخبارات بالمرشحين الرئاسيين المهزومين ومن يدعمهم في المؤسسة الإيرانية. وفي تصوير تلفزيوني له وقف محمد علي أبطحي، رجل الدين من الفئة الوسطى الذي شغل لعدة سنوات منصب نائب الرئيس في إدارات الإصلاحي محمد خاتمي (1997 - 2005)، أمام الكاميرا، ولمّح أن أكبر هاشمي رفسنجاني، وهو رئيس إصلاحي آخر الذي كان يعد لفترة طويلة حجر الزاوية في هيكل السلطة في إيران، انضم إلى المتآمرين للانتقام لهزيمته أمام أحمدي نجّاد في انتخابات عام 2005. ووقف محمد أتريانفار، رئيس تحرير إحدى الصحف الذي يتمتع بحماية رفسنجاني، إلى جانبه، وانتقد الرئيس السابق بسبب الأخطاء التي ارتكبها وطلب الصفح من المرشد الأعلى («الذي لا يمكن الشك بحكمته وقيادته اليقظة التي تضمنها الأسرار الليلية بينه وبين الله»).
وهذه التلميحات بوجود مؤامرة لها عدة أهداف. أحدها هو تقوية الرواية التي تفسر الاضطرابات ما بعد الانتخابات وتبرير قسوة حملة القمع التي أدت إلى مقتل 30 شخصا وزج المئات، وربما الآلاف، من الإيرانيين في السجن. ويقول المعارضون إن أحد الأهداف أيضا هو تمهيد الطريق لشن هجوم مباشر على أبرز شخصيات المعارضة. فقد بالغ الناطقون باسم المحافظين في البرلمان والصحافة بالنداءات الداعية لإجراء محاكمات للزعماء المتهمين، بمن فيهم خاتمي ورفسنجاني، وكذلك المرشح البارز المهزوم، مير حسين موسوي. وإذا حدث هذا، سيمثل تخلي الجمهورية الإسلامية حتى عن التعددية المراقبة وتحويلها أخيرا إلى نظام سياسي أحادي القطب.
ولكن بدلا من الشعور بالخوف والانهيار، ردت المعارضة على الاعترافات بغضب متجدد ونداءات لتنظيم المزيد من المظاهرات. وفي رسالة نشرت على موقعه الإلكتروني، قال موسوي إن المحاكمة أظهرت الانهيار الأخلاقي لأولئك الذين يديرونها، ووعد بأنه ستتم يوما ما محاكمتهم بتهمة ما يسميه «مأساة إيران». وأكدت زوجة وابنة أبطحي أنه تم إرغامه على الاعتراف، متجاهلتين بذلك التحذيرات الموجهة لهما بالتزام الصمت.
وبين الجمهور الأوسع نطاقا، لم تؤد المحاكمات، كما يبدو، إلا إلى توسيع الخلاف بين المحافظين ومعارضيهم. وعلى الرغم من أن الكثيرين لا يزالون يتشبثون بزعم المؤامرة الأجنبية كذريعة لمشكلات إيران، أصبح غيرهم أكثر تشاؤما - ولهم أسباب وجيهة لذلك. ففي الماضي، كان يتم سريعا نبذ هؤلاء الذين يتم بث اعترافاتهم على التلفزيون، وذلك بمجرد إطلاق سراح هؤلاء التائبين المزعومين. ويعرف معظم الإيرانيين المعاناة التي يختبرها الناس في السجن. ومن بين الضحايا في الآونة الأخيرة، الذي تم على ما يبدو ضربه حتى الموت في سجن الشرطة، هو ابن أحد مساعدي محسن رضائي، الرئيس السابق للحرس الثوري الذي كان المرشح المحافظ الوحيد الذي تنافس ضد أحمدي نجّاد على الرئاسة.
وفي الواقع، فإن كثيرا من المحافظين ليسوا متحمسين لرئيسهم. وحتى لو استطاع الصمود في وجه انتقادات وغضب وازدراء المعارضة، إلا أنه يواجه انعدام الثقة بصورة حادة ضمن معسكره. فقد أجبره خلاف مع المرشد الأعلى الشهر الماضي على التراجع عن تعيين صهره في منصب نائب الرئيس. ودفعته الاشتباكات الشخصية إلى طرد عديد من كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات، بمن فيهم وزيره. وقد تكون تلك الطلقات الأولى فقط في ما قد يكون عملية صعبة لكسب موافقة البرلمان على الحكومة الجديدة.
وستشكل مثل هذه النزاعات عائقا أمام أحمدي نجّاد في السياسة الاقتصادية والخارجية. فقد تأثر الاقتصاد الإيراني بشدة من العقوبات الدولية وأسعار الطاقة المنخفضة حتى قبل أن تؤدي الاضطرابات السياسية إلى القضاء تقريبا على الاستثمار. والاقتصاد في حالة سيئة جدا لا تسمح له بتحمّل المزيد من شعبوية الرئيس الغريبة. ولا يمكن أن يتوقع نظام أحمدي نجّاد، الذي انكشفت بشاعته الآن تماما، الرحمة من العالم بشكل عام.
وبما أنهم في مثل هذه الحالة الضعيفة، ربما يعتقد القادة الإيرانيون أنه من المفيد تخفيف حماسهم للمغامرات الخارجية، بل ربما برنامجهم النووي المثير للجدل. إلا أن كراهية الأجانب المتزايدة لديهم وسعيهم لوصف الاتصال بالغرب بصفات شيطانية لا يبشر بالخير بالنسبة لجهود باراك أوباما لإشراك زعماء إيران. وفي الواقع، بدأ بالفعل بتخفيف دعوته للحوار. وبدلا من ذلك، هناك حديث أكثر عن تشديد العقوبات وتطوير قنابل أكبر لقصف مخابئ الأسلحة تحت الأرض.

الأكثر قراءة