بؤرة اقتصادية
يسود شعور واسع النطاق بخيبة الأمل من الاقتصاد الآن لأننا لم نتوقع أو نمنع الأزمة المالية لعام 2008. وقد كان مقالي الإيكونوميست في الثامن عشر من تموز (يوليو) حول حالة الاقتصاد محاولة مثيرة للاهتمام لتأكيد الحقائق في مجالين، الاقتصاد الكلي والاقتصاد المالي، إلا أن المقالين هيمن عليهما آراء الناس الذين استغلوا الأزمة باعتبارها فرصة لإعادة الانتقادات التي عبروا عنها قبل وقت طويل من عام 2008. وقد تمت السخرية من خبراء الاقتصاد الكلي على وجه الخصوص بوصفهم جيلا ضائعا تلقى تعليمه في مجال استخدام نماذج رياضية لا قيمة لها، بل بالأحرى ضارة، وهو ما جعلهم غير قادرين على وضع سياسة اقتصادية حكيمة. وأعتقد أن هذا هراء ولا قيمة له عند التفكير بالأسئلة الأكثر أهمية: ماذا يمكن أن يتوقع الجمهور بصورة معقولة من المتخصصين في هذه المجالات، وإلى أي حد تمت خدمته بصورة جيدة في الأزمة الحالية؟
إن أحد الأمور التي لن نحصل عليها، الآن أو في أي وقت، هو مجموعة نماذج تتنبأ بالانخفاضات المفاجئة في قيمة الأصول المالية، مثل الانخفاضات التي أعقبت فشل Lehman Brothers في أيلول (سبتمبر). وليس هذا أمرا جديدا. فهو معروف منذ أكثر من 40 عاما، وهو أحد المعاني الضمنية لـ «فرضية الأسواق الفعالة» لـ Eugene Fama، التي تنص على أن سعر الأصول المالية يعكس جميع المعلومات ذات الصلة المتوافرة بشكل عام. ولو كان لدى أي اقتصادي صيغة موثوقة للتنبؤ بالأزمات التي ستحدث بعد أسبوع مثلا، ستصبح تلك الصيغة جزءا من المعلومات المتوافرة بشكل عام وستنخفض الأسعار قبل أسبوع من ذلك. (يستخدم مصطلح «فعال» هنا للإشارة إلى أن الأشخاص يستخدمون المعلومات لمصلحتهم الخاصة. ولا علاقة له بالتسعير المرغوب اجتماعيا؛ فغالبا ما يخلط الناس بين الاثنين).
وقد توصل Fama إلى فرضية الأسواق الفعالة من خلال بعض الأمثلة النظرية البسيطة. وتم انتقاد هذه البساطة في مقال الإيكونوميست، مع أن فرضية الأسواق الفعالة تنطبق فقط على هذه الحالات النظرية. إلا أن Fama اختبر تنبؤات فرضية الأسواق الفعالة على سلوك الأسعار الفعلية. وكانت تلك الاختبارات ستحدث على أية حال، ولكنها جاءت بشكل إيجابي للغاية. وقد كان عمله التجريبي جديدا وتم تنفيذه بعناية. وتم تحديه بصورة شاملة بفيض من الانتقادات التي لم تؤد إلا إلى تأكيد دقة الفرضية. وعلى مر السنين، تم اكتشاف الاستثناءات و»الحالات الشاذة» (حتى حالات الخروج الصغيرة مثيرة للاهتمام إذا كان المرء يدير أموالا كافية) ولكن لأغراض تحليل الاقتصاد الكلي والتنبؤ، فإن حالات الخروج هذه ليست ذات أهمية كبيرة. والدرس الرئيسي الذي يجب استخلاصه من فرضية الأسواق الفعالة لأغراض صنع السياسات هو عدم جدوى محاولة التعامل مع الأزمات وحالات الركود عن طريق إيجاد مصرفيين مركزيين ومنظمين يمكنهم تحديد الفقاعات وثقبها. فإذا كان مثل هؤلاء الأشخاص موجودين، فلن نتمكن من تحمّل تكاليفهم.
وذكر مقال الإيكونوميست أيضا مثالا على فشل الاقتصاد الكلي، وهو حالات المحاكاة «المطمئنة» التي قدمها Frederic Mishkin، الذي كان حينها محافظ مجلس الاحتياط الفيدرالي، وذلك في صيف عام 2007. والتهمة هي أن نموذج التنبؤ FRB/US الخاص بمجلس الاحتياطي الفيدرالي فشل في التنبؤ بأحداث أيلول (سبتمبر) 2008. ولكن لم يتم تقديم حالات المحاكاة باعتبارها تأكيد أنه لن تحدث أزمة، بل بوصفها تنبؤا لما يمكن توقعه من شروط مسبقة لأزمة لم تحدث بعد. وحتى وقت فشل Lehman، كان الركود يمثل إلى حد كبير انخفاضات متواضعة لفترة ما بعد الحرب. فقد كان هناك ركود، مدفوع بانخفاض بناء المنازل. وكانت توقعات Mishkin تقديرات معقولة لما يمكن أن يحدث تاليا إذا ظل انخفاض الإسكان العامل الوحيد أو الرئيسي المرتبط بالتراجع الاقتصادي. وبعد إفلاس Lehman أيضا، قدمت النماذج مثل النموذج الذي استخدمه Mishkin، إضافة إلى المعلومات الجديدة، ما تبين أنه تقديرات دقيقة جدا لانخفاضات الإنفاق الخاص التي تلت ذلك خلال الربعين التاليين. وحين حذّر بن بيرنانك، رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي، هانك بولسون، الذي كان حينها وزير الخزانة، من الخطر الاقتصادي الذي يواجه أمريكا مباشرة بعد فشل Lehman، كان يعرف ما يتحدث عنه.
وقد أدرك Mishkin بالطبع إمكانية حدوث أزمة مالية عام 2007. ولا شك أن بيرنانك توقع ذلك أيضا. إلا أن التوصية بسياسات نقدية استباقية على نطاق واسع مثل السياسات التي تم تطبيقها لاحقا كان سيكون أشبه بالخروج المفاجئ عن الطريق بسبب احتمالية أن ينحرف شخص ما فجأة بسيارته على الطريق الذي تقود عليه. والأمر الواقعي الوحيد، والأفضل، الذي يمكن فعله في هذا السياق هو أن تحافظ على انتباهك وتأمل عدم حدوث ذلك.
وبعد انهيار Lehman الذي جعل احتمالية حدوث أزمة حقيقة واقعة، تم تغيير الوضع تماما. فقد كانت أسعار الفائدة على أذونات الخزانة مقاربة للصفر، واعتقد أولئك الذين كانوا يعتبرون تخفيضات أسعار الفائدة الحافز الوحيد المتاح أمام مجلس الاحتياطي الفيدرالي أنه تم استنزاف السياسة النقدية الآن. إلا أن بيرنانك غيّر أساليبه فورا، وبدأ بضخ الأموال في النظام المصرفي، وأقنع الخزانة بفعل الشيء نفسه. وزادت احتياطيات البنوك التجارية من 50 مليار دولار، في وقت فشل Lehman إلى ما يقارب 800 مليار دولار بحلول نهاية العام. وأدى حقن الأموال من برنامج إغاثة الأصول المضطربة إلى إضافة الأموال للنظام المالي.
ويدور جدل له أسباب مفهومة حول الجوانب العديد لهذه الإجراءات، ولكن لها أيضا ميزات عظيمة تتمثل في السرعة وإمكانية عكس المسار. وفي رأيي الشخصي، كما عبرت عنه في أماكن أخرى، فإن هذه السياسات كانت بالغة الأهمية لتخفيف الاندفاع المدفوع بالخوف نحو السيولة، وبالتالي التخفيف (وإن بصورة جزئية فقط) من الضرورة المتصورة لكي يخفض المستهلكون والشركات إنفاقهم. والركود الآن تحت السيطرة، ولا يتوقع أي متنبئ مسؤول حدوث أي شيء شبيه بما حدث في الأعوام 1929- 1933 في أمريكا في المستقبل القريب. ولم تكن تلك النتيجة لتحدث بالضرورة، ولكنها حدثت.
ليس سيئا بالنسبة للعصر المظلم
ويتفق بيرنانك وMishkin مع ما وصفه أحد النقّاد في مقال الإيكونوميست «العصر المظلم للاقتصاد الكلي». فهم دعاة وبناة النماذج الديناميكية وقد علّموا هذه الأدوات «غير المجدية على الإطلاق»، من خلال الكتب الدراسية مباشرة التي أصبحت معايير الصناعة، لأجيال من الطلاب. وعلى مدى العامين الماضيين اشتركوا (مع الكثير من خبراء الاقتصاد الكلي الموهوبين) بصورة كبيرة في الاستجابة لأصعب أزمة اقتصادية أمريكية منذ الثلاثينيات. وتوقعوا ما يمكن توقعه ووضعوا خطط طوارئ جاهزة للاستخدام حين حدثت صدمات لم تكن متوقعة. واستفادوا هم وزملاؤهم من النماذج النظرية التي تم وضعها أخيرا حين كانوا يعتبرون أن لديهم شيئا للمساهمة به. واستفادوا من أفكار وبحوث كينيز من الثلاثينيات، ومن فريدمان وشوارتز من الستينيات، ومن الكثير غيرهم. وببساطة، لا أرى أي علاقة بين واقع الاقتصاد الكلي الذي يمثله هؤلاء الأشخاص وبين التصورات التي يرسمها النقاد الذين هيمنت أفكارهم على مقال الإيكونوميست.