إعادة التوازن للاقتصاد العالمي: ألمانيا

إعادة التوازن للاقتصاد العالمي: ألمانيا
إعادة التوازن للاقتصاد العالمي: ألمانيا

منذ وقت ليس بالطويل، كان صنّاع السياسة الأوروبيون يعتقدون أن الاختلالات التجارية هي مشكلة تعانيها أمريكا والصين فقط. وفي معظم أوقات عام 2008، كانت الجملة المكررة في البيان الصحافي المتفق عليه كل شهر من قبل محددي الأسعار في البنك المركزي الأوروبي هي أن «منطقة اليورو لا تعاني اختلالات كبيرة». ومع مرور العام، تم تكرار هذا الزعم ولكنه بدا أكثر يأسا بصورة متزايدة، كما لو أنه تعويذة لدرء الركود. ولم يتم التخلي عن هذه العبارة إلا حين أدى انهيار Lehman Brothers في أيلول (سبتمبر) إلى كساد عالمي.
وبالمعنى الأضيق له، كان هذا الزعم صحيحا. فقد كان الحساب الجاري في منطقة اليورو متوازنا تقريبا إلى أن ضربت الأزمة. وكان هذا يتناقض مع أمريكا، التي أدت فيها فورة الإنفاق وانخفاض المدخرات إلى عجز في الحساب الجاري بلغ 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2006. إلا أن أوروبا كانت تبدو أكثر ثباتا فقط لأن الفائض التجاري الضخم لألمانيا يعوض حالات العجز في دول أخرى - خاصة إسبانيا ولكن أيضا في فرنسا، اليونان، إيطاليا والبرتغال.

#2#

ولم تكن تلك الاختلالات ضئيلة. ففي عام 2007، كان لدى إسبانيا أكبر عجز في الحساب الجاري في العالم خارج أمريكا. وكان الفائض الذي جمعته ألمانيا ذلك العام، البالغ 264 مليار دولار، الثاني فقط بعد فائض الصين البالغ 372 مليار دولار. وسمحت تخمة الادخار في ألمانيا لغيرها بالإنفاق بسخاء وإدارة ديون ضخمة. واستفاد اقتصادها من مبيعات التصدير القوية لدول أخرى في منطقة اليورو، وكذلك لأمريكا وبريطانيا. وسمحت العملة المشتركة للاختلالات بالنمو دون رادع مدفوعة بمخاوف حدوث أزمة في أسعار الصرف, إلا أن انحراف نمط الطلب أدى إلى تفاقم الركود حين حدث. وحدثت أكبر الانخفاضات في الطلب في إسبانيا وأيرلندا، اللتين كان النمو فيهما مدفوعا بالمستهلكين. وكان تأثير ذلك على الناتج أشد وطأة في ألمانيا، التي أدى فيها انهيار الصادرات والاستثمار إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7 في المائة من ذروته. والسؤال الآن، مع بدء زبائنها الرئيسيين بالانسحاب، هو ما إذا كانت ألمانيا قادرة على التخلي عن إدمانها على الصادرات وتشجيع مزيد من الطلب في الداخل.
ويتطلب إعادة التوازن إلى الطلب العالمي أن تعمل الدول التي يرتفع فيها معدل الادخار، مثل الصين وألمانيا، على إنفاق المزيد وإدارة فوائض تجارية أصغر بحيث يمكن حينها لحالات العجز التجاري لدول مثل أمريكا وإسبانيا أن تصبح أقل أثناء إعادة بناء المدخرات. وقد فرض الركود على الدول تبني التعديل بأكثر الطرق إيلاما. فقد تقلص فائض الحساب الجاري لألمانيا بصورة كبيرة، ليصل إلى 3.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، خلال الأشهر الثلاثة حتى نهاية آذار (مارس)، بعد أن كان 6.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2008. ويقول Hans-Werner Sinn من معهد Ifo للبحوث الاقتصادية في ميونيخ، إن التغير في رصيدها الخارجي جعل ألمانيا الاقتصاد العالمي لامتصاص الصدمات.
ويعكس جزء كبير من التعديل انهيار الصادرات. وألمانيا متخصصة في الآلات والسلع المعمّرة، وصفقات الشراء التي تؤجلها الشركات والمستهلكين حين تكون الظروف غامضة. ويعكس أيضا مرونة الطلب المحلي. والإنفاق الاستهلاكي في ألمانيا ثابت بشكل عام. ويعتبر هذا طفرة في كثير من الأماكن التي يخفض فيها المستهلكون إنفاقهم.
والسياسة المالية قوة تحقق الاستقرار أيضا. ومن المفترض أن يزيد عجز الميزانية لألمانيا من نحو الصفر إلى 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وإلى 6 في المائة عام 2010. ومع أنها استجابة متأخرة لضرورة فعل المزيد، إلا أن حوافز ألمانيا نجحت بصورة جيدة. فقد واصل المستهلكون إنفاقهم لأن معظمهم احتفظ بوظائفهم. وأدى مخطط الحكومة الذي سمح للشركات بتشغيل الموظفين الذين ليس لوجودهم حاجة كبيرة على نظام العمل الجزئي، والذي يقدم إعانات أيضا لرواتبهم، إلى منع ارتفاع البطالة بصورة حادة. وهناك نحو 1.4 مليون عامل يعملون بدوام جزئي، ويعمل الكثير منهم في صناعات السيارات والسلع الرأسمالية التي تعاني الضائقة. وساعدت الحوافز النقدية من الحكومة لدفع المال للسيارات القديمة حين يتم استبدالها بسيارات جديدة على تعزيز المبيعات.
وتعني ترتيبات العمل بدوام جزئي أن يظل العمال في وظائفهم والحفاظ على المهارات الجديدة. ولا تشعر الشركات بالذعر بحيث تسرّح العمال الذين قد تعود في ظروف أخرى لتوظيفهم مرة أخرى بتكلفة أعلى. ويقول Matthias Wissmann من الجمعية الألمانية لصناعة السيارات: «هناك اتفاق مؤكد مع الحكومة للحفاظ على قوة العمل الأساسية لأطول فترة ممكنة».
وعيب مخطط العمل بدوام جزئي هو أنه يمنع إعادة الهيكلة الاقتصادية على نطاق أوسع. فحين وفرت الحوافز المالية لإسبانيا الأموال لبناء مساكن منخفضة التكلفة، تم انتقادها لأنها حفزت المزيد من البناء في دولة شهدت بالفعل الكثير منه. وتعاني مخططات ألمانيا لدعم الطلب على السيارات وعمال السيارات نفس نقطة الضعف، فهي تبقي على الهيكل الصناعي القديم الذي يجب أن يتغير.
ويعتبر المسؤولون هذه المبادرات بوصفها «جسر» على الركود العالمي وهم صريحون بشأن ما يأملونه من الجانب الآخر: عودة النمو المدفوع بالصادرات. ويشير البعض إلى أن الاقتصاد الألماني لا يستطيع تغيير اتجاهه بسرعة نحو الطلب المحلي. وهو يملك ميزة تنافسية في إنتاج السلع المتخصصة التي تتطلب سوقا عالمية. ويشير أحد الخبراء الاقتصاديين الألمان: «لا يمكنك وضع محطات كهرباء في السوبر ماركت». وهناك أيضا مخاوف واسعة النطاق بشأن تكاليف الدعائم المالية الحالية طويلة الأجل للاقتصاد الذي يشيخ بصورة سريعة. ويكمن الأمل في أن ينتعش الطلب الأجنبي بسرعة بحيث تستطيع ألمانيا العودة إلى الميزانية المتوازنة قريبا. حسنا، إلا أن اعتماد ألمانيا على الصادرات والميل للتصنيع هو الذي جعل اقتصادها ضعيفا جدا في المقام الأول.
والافتراض القائل إن ما هو جيد للصادرات جيد للاقتصاد يفسر جزئيا سبب ضعف الإنفاق الاستهلاكي في ألمانيا على مر التاريخ. فاستجابتها المعتادة على تعثر الاقتصاد هي تخفيض تكاليف التصنيع، بما في ذلك الأجور، من أجل الحفاظ على أسعار الصادرات مقارنة بدول أخرى. وهذا هو النهج الذي تم تبنيه في أوائل السبعينيات، حين ارتفعت العملة الألمانية بعد انهيار نظام Bretton Woods لأسعار الصرف الثابتة. وتم تبني هذا النهج ثانية بعد التسعينيات، حين أدى الازدهار بعد إعادة التوحيد وتخفيض قيمة العملة من قبل بعض الشركاء التجاريين إلى زيادة تكاليف الأجور النسبية فيها.
وكان انضباط الأجور ملحوظا. فقد تم تجميد الأجور الألمانية تقريبا لمدة عقد من منتصف التسعينيات، في وقت كانت تتزايد فيها بسرعة في بقية أنحاء أوروبا. وأدى تقييد الأجور إلى إمالة الطلب لصالح الصادرات وبعيدا عن الاستهلاك. وجنحت نسبة أجور الموظفين في الناتج المحلي الإجمالي نحو الانخفاض المطرد حتى عشية الركود العام الماضي. لذلك، حتى مع انتعاش الصادرات وإيجاد الوظائف، كانت الأجور الراكدة تعني أن معظم المكاسب من الدخل الوطني يذهب إلى الأرباح. وأثر هذا في الإنفاق الاستهلاكي، الذي انخفض إلى 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي- أقل بكثير من النسبة في أمريكا البالغة 70 في المائة. وكانت الزيادة في نسبة ضريبة القيمة المضافة، من 16 في المائة إلى 19 في المائة، في بداية عام 2007، عامل آخر أثر سلبا في الإنفاق. ومن المعبر أنه تم إقناع الناس بالزيادة باعتبارها طريقة لتعزيز القدرة التنافسية (ضريبة القيمة المضافة هي ضريبة تضر بالاستهلاك ولكن ليس بالصادرات).
وهذه القصة عن نزوع ألمانيا الشديد إلى التصدير تبين كيف بحثت ألمانيا في الخارج عن الطلب لتحفيز الانتعاش وتفسر سبب ارتفاع رصيدها التجاري في المرحلة الأولى من الدورة. ولكنها لا تفسر تماما الفوائض الكبيرة الدائمة في الحساب الجاري التي جمعتها ألمانيا عاما تلو الآخر. وتعكس أيضا الفائض المستمر للادخار المحلي على الاستثمار المحلي. ونسبة الدخل التي تدخرها الأسر ثابتة بشكل عام منذ سنوات، إلا أن نسبة الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي انخفضت. وأحد أسباب ذلك هو أن صناعات التصدير الناضجة في ألمانيا ليس أمامها مجال كبير أو رغبة شديدة في زيادة الطاقة الإنتاجية. ومن الأسباب أيضا هو عدم وصول رأس المال إلى المشاريع الجديدة.
يعتقد بعض المحللين أن تفضيل ألمانيا الراسخ للمساواة في الأجور يكمن وراء كل من ميلها نحو النمو المدفوع بالصادرات والفوائض التي لا تنتهي كما يبدو. ومن وجهة النظر هذه، فإن سياسة الرفاه المصممة للحفاظ على فجوة ضيقة بين أكثر وأقل الموظفين أجرا أدت إلى تخفيض إيرادات العمال الأكثر مهارة في جميع القطاعات، مما أغرى الكثير منهم بالهجرة إلى الخارج. وأعاق «ضغط الأجور» هذا ظهور قطاع خدمات منخفض الأجور لتلبية احتياجات السوق المحلية. وتدعم الحدود الدنيا للأجور رواتب العمال غير المهرة وتجعل تزويد الخدمات أمرا مكلفا. ولو كان بالإمكان الحصول على خدمات شخصية بأسعار زهيدة، قد يزيد المستهلكون إنفاقهم. وبما أن الاستثمار في صناعات الخدمات أقل جاذبية، فإن مجموعة المدخرات المحلية تتسرب إلى الخارج.
وكلما ترددت الشركات في الاستثمار، يسارع الاقتصاديون إلى إلقاء اللوم على المنتجات «غير المرنة» وأسواق الوظائف. فمن الصعب تأسيس شركة في ألمانيا: تم تصنيفها في المرتبة 102 من أصل 181 دولة على هذا المعيار في مسح Doing Business للبنك الدولي. وتمنع هذه الحواجز التنظيمية تغير الهيكل الصناعي الأوسع للاقتصاد. ولكن في التصنيع، الشركات مرنة في استخدامها للعمالة وفي سيطرتها على التكاليف. ومن المعروف أن شركات السلع الرأسمالية القليلة في ألمانيا ذكية. ولو لم تكن الصادرات قوية جدا، لم تكن لتحقق هذا النجاح.
ويشير هذا إلى أن قائمة الأمنيات التقليدية للإصلاحات قد لا تجعل الاقتصاد أقل اعتمادا على الصادرات والتصنيع. فإدمان ألمانيا على الصادرات له جذور عميقة. فهناك حذر من الخدمات، خاصة الخدمات الشخصية، وشعور بالاعتزاز لكونها أكبر دولة تصديرية في العالم. ويقول Thomas Mayer من بنك Deutsche Bank: «لماذا يستغرق تأسيس شركة فترة طويلة جدا؟ ولماذا هناك عدد قليل جدا من الصلات بين الجامعات والشركات؟ لقد تمسكنا بنموذج الصادرات لفترة طويلة جدا بحيث إننا توقفنا عن البحث عن بدائل».
وقد لا تتمكن ألمانيا مرة أخرى من إدارة فائض بهذا الحجم الكبير في الحساب الجاري مثلما فعلت قبل الأزمة، وإن كان فقط لأن الكثير من أسواقها التصديرية الرئيسية لن تستعيد بسهولة انتعاشها السابق. وربما يشعر مصنّعو المصانع والآلات في ألمانيا أن أمامهم فرصة جيدة للانتعاش، بفضل الانتعاش الذي ترعاه الدولة في الصين. إلا أن الرحلة بالنسبة لمصنّعي السلع المعمّرة (خاصة شركات السيارات) ستكون أصعب بكثير، حيث يعاني المستهلكون في أمريكا، وبريطانيا وإسبانيا. وإذا لم يعد الطلب الأجنبي بشكل كامل، سيتم فقدان الوظائف حالما ينتهي مخطط العمل بدوام جزئي. وستضطر الحكومة إلى مواصلة دعم الاقتصاد في الوقت الذي ينفذ فيه القطاع الخاص إعادة الهيكلة.

سيارات جديدة مقابل السيارات القديمة
إن التحول من الاعتماد على الصادرات إلى الاقتصاد الذي يخدم مستهلكيه بصورة أفضل سيكون مؤلما ولكنه جيدا لألمانيا، وللعالم، على المدى الطويل. ففوائض المدخرات الكبيرة في ألمانيا أدت إلى حالات عجز كبيرة في دول أخرى؛ كلما زاد تعمق المستهلكين الألمان في الديون قلت قيمة وعود دفع المستحقات. وقد انتهى الأمر بالبنوك الألمانية بامتلاك أصول أمريكية سامة لأن لديها مدخرات فائضة لإعادة تدويرها. وحين بلغت شركات السيارات أقصى حدود طاقتها الإنتاجية في الوطن، استخدمت أكوام النقد للقيام بعمليات استحواذ سيئة في الخارج (ديملر وكرايسلر؛ BMW وروفر).
ويقول Sinn من معهد Ifo: «ليس من المنطقي بالنسبة لألمانيا أن تبيع سيارات بورش لشهادات Lehman». وكان من الممكن استخدام تلك الأموال المقترضة بدلا من ذلك لتمويل المشاريع الجديدة في الوطن. وقريبا سيبلغ كثير من الألمان سن التقاعد؛ وسيحتاجون إلى مجموعة أكثر غنى من الخدمات من تلك المعروضة الآن. ومع تقلص بعض الصناعات التصديرية، ستبرز الحاجة إلى صناعات خدمات جديدة لإيجاد الوظائف. وقد يرفع هذا أيضا من معدل النمو طويل الأجل لألمانيا. وقد ترك نموذج التصدير ألمانيا تحت رحمة التغييرات في الطلب العالمي. ومع ذلك، لم يكن هناك أرباح نمو حقيقية لتعويض تعرضها للخطر. فقد كان النمو في الناتج المحلي الإجمالي الفردي في العقد الماضي أبطأ منه في فرنسا وأقل بكثير عنه في بريطانيا أو أمريكا.
وهناك خطر من أن تتعلم ألمانيا الدرس الخاطئ من هذه الأزمة. فقد تقرر أن هذه الفترة تبين فقط حماقة الاعتماد على التمويل والخدمات لدفع النمو، كما فعلت أمريكا وبريطانيا. وقد تعزز انحيازها طويل الأجل للتصدير. إلا أن الألمان ذوي البصيرة قد يستنتجون أن الأزمة التي أوجدت هذا العبء الكبير على دافعي الضرائب المستقبليين تنبع جزئيا من الاستخدام السيئ لمدخراتهم. وقد ينتهي بهم الأمر بأن يتمنوا لو أنهم أنفقوا المال على أنفسهم.

الأكثر قراءة