سياسة محافظة

سياسة محافظة

إنها قصة تروى باستمرار، ولكنها لا تصبح أقل ترويعا مع تكرارها. فقد أغرى أحد المتحرشين الجنسيين الفتاة ميجان كانكا البالغة من العمر سبع سنوات للدخول إلى منزله في نيوجيرسي عن طريق إعطائها كلبا صغيرا. ثم قام بالاعتداء عليها وقتلها وألقى جثتها في متنزه مجاور. وكانت قد تمت إدانة القاتل، الذي كان قد انتقل أخيرا إلى المنزل القريب من منزل ضحيته، مرتين من قبل بالاعتداء الجنسي على طفل. إلا أن والدي ميجان لم يكونا على علم بهذا. ولو كانا يعرفان أنه متحرش جنسي، لكانا قد طلبا من ابنتهما عدم الاقتراب منه.
وعلى الرغم من الآلام التي يشعران بها، إلا أنهما شرعا بكتابة عريضة، مطالبين بضرورة أن يتم إخبار العائلات عن انتقال أي متحرش جنسي للعيش بجوارهما. ووقع على العريضة مئات الآلاف من الأشخاص. وعلى الفور، حقق لهم المشرّعون في نيوجيرسي رغبتهم. وقبل مرور وقت طويل، انتشرت «قوانين ميجان» إلى جميع الولايات الأمريكية.
وتعد قوانين أمريكا المتعلقة بالمتحرشين الجنسيين هي الأشد صرامة من قوانين أية دولة ديمقراطية. فالمغتصبون والمتحرشون بالأطفال الذين تتم إدانتهم يحصلون على أحكام بالسجن لفترات طويلة. وحين يتم إطلاق سراحهم، تكتب أسماؤهم في سجلات المتحرشين الجنسيين. وفي معظم الولايات، يعني هذا أن يتم نشر أسمائهم وصورهم وعناوينهم على الإنترنت، بحيث يستطيع الأهالي القلقون من التحقق فيما إذا كان أي متحرش بالأطفال يعيش في الجوار. وبموجب قانون آدم والش لعام 2006، وهو قانون آخر تم تسميته على اسم طفل تم قتله، سيتم قريبا إلزام جميع الولايات بنشر سجلاتهم التي تضم أسماء المعتدين الجنسيين للعامة. وتحظى مثل هذه القوانين بشعبية كبيرة. وسيدعم معظم الأهالي أي قانون من شأنه إبقاء أطفالهم في أمان. وبدأت دول أخرى تحذو حذو أمريكا، إما عن طريق تطبيق قوانين ميجان أو زيادة العقوبات بعد أن تم قتل طفلتين صغيرتين على يد حارس مدرسي، فرضت بريطانيا شروطا عديدة فيما يتعلق بالأشخاص الذين يمكن لهم زيارة المدارس.
وهذا يزيد أهمية التساؤل فيما إذا كان نهج أمريكا هو النهج الصحيح. وفي الواقع، أصبحت القوانين المتعلقة بالمعتدين الجنسيين قاسية بصورة كبيرة. وهي مدفوعة بتأثير لا يمكن عكسه. ويملك السياسيون الأمريكيون حرية كبيرة في اقتراح قوانين جديدة. واقتراح قوانين وقيود أكثر صرامة على المتحرشين بالأطفال تكسب السياسيين الأصوات. ولكي يبدو السياسي أكثر صرامة، يجب أن تكون تلك القيود أقوى من القوانين المعمول بها، التي تم اقتراحها من قبل سياسيين كانوا يأملون أن يبدون أكثر صرامة أيضا. ولا يجرؤ كثير من السياسيين على التصويت ضد هذه القوانين، لأنهم لو فعلوا ذلك سيتم شن حملة ضدهم.

ولاية كاملة من المعتدين
وبشكل عام، هناك 674 ألف أمريكي مسجلين في سجلات المعتدين الجنسيين أي أكثر من سكان ولاية فيرمونت أو نورث داكوتا أو وايومنج. والعدد في ازدياد مستمر، ويعود ذلك جزئيا إلى تسجيل الأسماء مدى الحياة في عديد من الولايات، وأيضا لأن السجلات لا تقتصر على أسماء القتلة على غرار قاتل ميجان كانكا. ووفقا لمنظمة Human Rights Watch لحقوق الإنسان، تفرض خمس ولايات على الأقل تسجيل أسماء الذين يذهبون إلى بيوت الدعارة، فيما تفرض 29 ولاية تسجيل أسماء المراهقين الشباب الذين يمارسون الجنس طوعا، وتلزم 32 ولاية تسجيل أسماء الذين يكشفون علنا عن عوراتهم. وقد وسّع بعض المدعين العامين الآن تعريف «توزيع الصور الإباحية للأطفال» ليشمل المراهقين الذين يرسلون لأصدقائهم صورا شبه عارية لهم عن طريق الرسائل النصية.
ما مدى خطورة أولئك الذين وردت أسماؤهم في السجلات؟ وجد استعراض لمثل هذه السجلات في جورجيا أن ثلثي هؤلاء الأشخاص لا يشكلون خطرا كبيرا. فعلى سبيل المثال، تم إدانة جانيت أليسون بتهمة «الاشتراك في جريمة التحرش الجنسي بالأطفال» لأنها سمحت لابنتها البالغة من العمر 15 عاما بممارسة الجنس مع صديقها. وقد تزوج الاثنان في وقت لاحق. إلا أن أليسون ستمضي بقية حياتها تعاني وصمة عار علنية بكونها من مرتكبي الجرائم الجنسية.
ولدى عديد من الدول الأخرى سجلات للمعتدين الجنسيين، ولكن يتم الاحتفاظ بها عادة من قبل الشرطة ومن الصعب الاطلاع عليها. أما في أمريكا، يمكن خلال ثوان معرفة أي شيء عن أي معتد جنسي, تسمح بعض الولايات بإضافة زر «لطباعة النص» على مواقعها الإلكترونية بحيث يتمكن المواطنون القلقون من وضع ملصقات عليها صورة المعتدي على الأشجار بالقرب من منزله. فلا غرابة إذن أن يبلغ معظم المعتدين الجنسيين عن تعرضهم للمضايقات. وقد تم قتل بعضهم. ويتم طرد كثير منهم من العمل لأن شخصا ما يعمل معهم أجرى بحثا على موقع جوجل عنهم واكتشف هويتهم.
وغالبا ما يكون التسجيل هو البداية فقط. وفي بعض الأحيان يتم منع المعتدين الجنسيين من العيش بالقرب من أماكن تجمّع الأطفال. وفي جورجيا لا يسمح لأي معتد جنسي بالعيش أو العمل على مسافة ألف قدم (900 متر) من أي مدرسة أو كنيسة أو متنزه أو حلبة تزلج أو بركة سباحة. وفي ميامي، تم تخصيص منطقة خاصة مساحتها 2500 قدم لإنشاء مخيم للمعتدين الجنسيين المشردين تحت أحد الجسور.

فليكن العقاب مناسبا للجريمة
هناك ثلاث حجج رئيسية لوجوب الإصلاح, أولا، من غير العدل فرض عقوبات صارمة للجرائم الصغيرة. فهناك ربما نسبة الثلث من المراهقين الأمريكيين الذين يمارسون الجنس قبل أن يكون مسموحا لهم بذلك من الناحية القانونية، فيما يتبادل عدد كبير جدا منهم الصور الفاضحة. وليس هذا أمرا حكيما، ولكنه ليس سببا على الإطلاق لكي يدمّر القانون حياتهم. وثانيا، فإن قوانين الجنس الأمريكية لا تعاقب في أغلب الأحيان المعتدي فقط، بل عائلته أيضا. فإذا تم منع رجل مارس الجنس مرة واحدة مع صديقته البالغة من العمر 15 عاما من أخذ أطفاله إلى الملعب، فسيعاني هؤلاء الأطفال.
وثالثا، ليس للقوانين الصارمة تأثير كبير لحماية الأبرياء. وتشتكي الشرطة من أن وجود عدد كبير من مرتكبي الجرائم الجنسية الصغيرة في السجلات يصعّب عليها تتبع المجرمين الخطرين فعلا. ويتم إنفاق الأموال التي يمكن إنفاقها على علاج المعتدين الجنسيين - الذي ينجح أحيانا - على السجلات الضخمة العشوائية. وتدفع السجلات العلنية كثيرا من المعتدين الخطرين للاختفاء، ما يصعّب عملية تتبعهم، ومن المرجح أنهم سيعودون لارتكاب جريمة جنسية. وتعطي السجلات الأهل شعورا زائفا بالأمان: لا يتم أبدا الإبلاغ عن معظم المعتدين الجنسيين، ناهيك عن إدانتهم.
وليس من الصعب إعادة تصميم قوانين الجنس الأمريكية. فبدلا من تجميع جميع المعتدين الجنسيين معا في نفس القائمة مدى الحياة، يجب على الولايات أن تقيّم كل شخص بصورة فردية وتسجل فقط الأشخاص الذين يشكلون تهديدا حقيقيا. وبدلا من نشر كل شيء على الإنترنت، يمكن أن تحتفظ الشرطة فقط بالأسماء، وتعطيها فقط لأولئك الذين يحتاجون إليها، مثل المدارس. ويجب استبدال القوانين التي تمنع المعتدين الجنسيين من العيش في كثير من الأماكن، لأنه ليس هناك أي دليل على أنها تحمي الناس: يمكن للمعتدي أن يتنقل في جميع الأنحاء. ويمكن أن تساعد الأموال التي يتم توفيرها من ذلك على دفع تكاليف مراقبة المتحرشين المهووسين بشكل أكبر - من خلال أساور الكاحل وما شابه ذلك.
وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة في أمريكا لإلغاء ذلك. وبغض النظر عن مدى عملية وعدالة الإصلاح، يجب أن يتغلب على الجبن السياسي والإعلام الفضائحي ومخاوف الأهل المفهومة, ولكن ليس لدى الدول الأخرى عذر في ارتكاب الخطأ نفسه. فقوانين الجنس الحكيمة أفضل من القوانين الانتقامية.

الأكثر قراءة