رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القصيبي والكتاب الخطر واستراتيجية التوظيف

معالي الدكتور غازي القصيبي وزير العمل من الوزراء القلائل الذين ملكوا حضورا قويا في أذهان الناس. له إسهاماته التي لا تنكر في خدمة هذه البلاد، ولو لم يفعل إلا العمل على تأسيس (سابك) ووضع بنية الصناعة التحويلية القائمة على الموارد النفطية في وقت كان التفكير في قيامها في المملكة عند أكثر الناس ضربا من العبث لكفاه هذا إنجازا.
حينما أسندت إليه وزارة العمل، أمل الناس منه نجاحا مشابها، ولكن وما أدراك ما لكن! ربما لأن الظروف غير الظروف.
لقد ألمح القصيبي في مقالته التي عنونها ''امنعوا هذا الكتاب الخطر'' المنشورة في جريدة ''الوطن'' بتاريخ 21 تموز (يوليو) 2009، إلى تأثير الظروف في النجاح في إعادة البناء، من خلال تقريظه كتاب الدكتور أحمد العيسى، مدير جامعة اليمامة ''إصلاح التعليم في السعودية بين غياب الرؤية السياسية وتوجس الثقافة الدينية وعجز الإدارة التربوية''، الذي يراه أهم كتاب صدر في الشأن العام خلال العقدين الأخيرين، ولذا اختار (القصيبي) عنوانا مثيرا لمقالته. قال في مقالته: ''هذا الارتباط الوثيق بين النظام التعليمي وبعض القيم السائدة في المجتمع هو الذي يخلق في كثير من الأذهان الانطباع أن أي محاولة لتغيير نظام التعليم هي عدوان على ثوابت المجتمع، وهذا الارتباط هو الذي يشكل الفارق الهائل بين إعادة هيكلة قطاع الكهرباء أو النقل أو الصحة وإعادة هيكلة التعليم''.
ألا ينطبق عنوان (وجوهر) الكتاب وألا تنطبق العبارة على توطين الوظائف أو السعودة؟ طبعا بعد تعديلات قليلة في العنوان والعبارة.
لنستبدل توطين الوظائف بالنظام التعليمي، مع تعديلات قليلة أخرى ليصبح عنوان الكتاب (المفترض): ''توطين الوظائف (السعودة) في السعودية بين غياب الرؤية السياسية وتوجس الثقافة المحلية وعجز إدارة العمل''. وتصبح العبارة: ''هذا الارتباط الوثيق بين توطين الوظائف وبعض القيم السائدة في المجتمع ومصالح بعض فئاته هي التي تخلق في كثير من الأذهان الانطباع أن أي محاولة لتوطين الوظائف هي عدوان على ثوابت المجتمع ومصالح بعض أفراده، وهذا الارتباط هو الذي يشكل الفارق الهائل بين إعادة هيكلة قطاع الكهرباء أو النقل أو الصحة وتوطين الوظائف''.
ألا توافقونني على مضمون العبارة المعدلة؟
إن كثيرا من المشكلات التي يعانيها النظام التعليمي يعانيها (نظام) توطين الوظائف، الذي يشرف الدكتور غازي القصيبي على إدارة ملفه باسم السعودة.
وحيث إنه طرح على سمو وزير التربية والتعليم ومعالي نائبه مقترحات للاستفادة من الكتاب، فقد قال ما نصه: ''أدعوه (سمو وزير التربية) إلى جعل هذا الكتاب موضوعاً لأكثر من ''ورشة'' وملتقى ''عصف''، وأدعو نائبه الصديق فيصل المعمر، الذي يؤمن بأهمية الحوار ويتمتع بتجربة ثرية فيه، أدعوه إلى تبني حوار شامل حول طروحات المؤلف''.
الدكتور غازي (ونائبه الدكتور عبد الواحد الحميد والمسؤولون الآخرون في وزارة العمل) مدعوون – من باب أولى - إلى الاستفادة أيضا وتطبيق ما اقترحه في إدارته لتوطين الوظائف عبر صناعة حوارات وورش عمل حول مشكلة توطين الوظائف أو السعودة أو التوظيف أيا كان الاسم.
من المتوقع أن يرد الدكتور غازي القصيبي علي وعلى أمثالي بأن ما تقترحونه قد نفذ فعلا, بل قد نحال إلى استراتيجية التوظيف التي أقرها مجلس الوزراء في جلسة الإثنين 27 رجب، وهي في الحقيقة أكثر من مجرد استراتيجية. ولكن لنفكر دقيقة: قد يجيب المسؤولون (الحاليون و/أو السابقون) عن التعليم أيضا بأن ما اقترحه الدكتور العيسى، وما اقترحه الدكتور غازي على سمو وزير التربية والتعليم قد سبق أن نفذ فعلا. هل يجرنا هذا الجواب إلى الدخول في حلقة (نقاش) مفرغة؟ محتمل جدا إذا كان الباعث الأهم في النقاش التبرير، وليس طرح رؤية بديلة.
''استراتيجية التوظيف السعودية'' ليست جديدة, فقد صدرت قبل نحو خمس سنوات، وبدأت الوزارة في تطبيق بعض ما فيها قبل سنوات على الأقل من خلال هدفها المرحلي قصير المدى البالغ عامين، وكانت نجاحات وكانت إخفاقات. وقد تبدو بعض الإحصاءات دالة مبدئيا على نجاحات، فعلى سبيل المثال نشرت الصحف يوم الإثنين 27/7/2009 تصريحات للدكتور غازي القصيبي أن التأشيرات الصادرة في النصف الأول من العام الجاري تقل بنحو 29 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ولكن الأمر في حاجة إلى تمحيص وتدقيق وفق أساليب اقتصادية قياسية للتعرف بصورة أعمق وأشمل على أسباب الانخفاض، فمثلا، لا شك أنه كان للأزمة المالية الاقتصادية العالمية تأثيرات سلبية في الاقتصاد الوطني.
إن وضع الاستراتيجية في حد ذاته عمل محمود تشكر عليه الوزارة شكرا كبيرا، لكنني أدعي أو أضع فرضية (مطروحة للإثبات أو النفي) أن هذه الاستراتيجية، بما في ذلك سياساتها، لا ترتقي إلى مستوى التحديات، ولا ترتقي إلى مستوى الطموحات. بل إن معالي الدكتور غازي ومعالي نائبه الدكتور عبد الواحد يدركان جيدا أن التوظيف قضية مشتركة، وليس شأنا خاصا بوزارة العمل وحدها، ولكنا رأينا أن وزارة العمل قد استأثرت بوضع استراتيجية التوظيف، فما تفسير اختلاف التطبيق عن التنظير؟
ليس لدي أدنى شك في جدية حكومة خادم الحرمين الشريفين وفي رغبة معالي وزير العمل ومعالي نائبه والمسؤولين الآخرين في الوزارة، لا أشك في رغبة الجميع الصادقة في توطين الوظائف وهزيمة البطالة. لا أشك في رغبتهم أن يروا القطاع الخاص معتمدا بعد الله على سواعد أبنائنا أكثر من الوافدين (الذين لا ينبغي أن ننكر أفضالهم علينا). لكننا أمام مصاعب من القوة بحيث تتطلب تطلبا جازما إعادة نظر في كيفية التعامل مع أزمة توطين الوظائف بما يزيد على ما جاء في استراتيجية التوظيف.
مشكلة الاستقدام وعكسها توطين الوظائف بالنسبة إلى اقتصاد المملكة العربية السعودية (وعامة دول مجلس التعاون الخليجي) لا تقل وزنا وتأثيرا عن الأزمة المالية العالمية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، ومن ثم فعلينا التعامل مع مشكلة الاستقدام (وعكسها توطين الوظائف) برؤية لا تقل قوة عن الرؤية التي تعاملت بها أمريكا (ودول أخرى كثيرة) مع الأزمة المالية العالمية. وللحديث بقية.
ولم أر في عيوب الناس عيبا .. كنقص القادرين على التمام
وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي