رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إيران .. الثورة والاضطرابات

عندما تنفجر الثورة في أي بلد فإنها تعصف بكل مظاهر الحياة وبكل النظم السياسية والاقتصادية والثقافية، وهي في عنفها هذا تهدد كل مظاهر الحياة، كما يهدد البركان بيئته المحيطة، فكما يغلي البركان عند ثورانه أو كما تجتاح موجات البحر الزلزالية (تسونامي) المناطق الشاطئية تغلي الثورة عند انفجارها، ولكن مع مرور الزمن يتراجع عنفها تدريجياً حتى تختفي مظاهر الثورة ليبدأ مظهر آخر أكثر اتزاناً وتنظيماً يخلف المظهر العشوائي للثورة وهو مظهر الدولة، فكلما تخف حدة الثورة تتضح ملامح الدولة أكثر وتتشكل الدولة نهائياً مع اختفاء ملامح الثورة وهذا المسار الطبيعي لنهاية كل الثورات في العالم وهذا ما حدث بالفعل للثورة الفرنسية أم الثورات التي أنجبت الديمقراطية في العصر الحديث وهو الاتجاه نفسه الذي ولد بعد الثورة التي حدثت أخيرا في إندونيسيا وجورجيا.
في إيران تفجرت الثورة التي قادها الخميني عام 1979، نتيجة للاحتقان الذي ساد أيام حكم الشاه مما ساعد كثيراَ في تهيئة المناخ المناسب لنجاح ثورة الخميني التي عصفت بما قبلها وأدت إلى طرد الشاه وإعدام المئات من عناصر نظامه وقد اتجهت الثورة الإيرانية نحو الخمود الطبيعي والتلاشي المفترض حتى نتج عن ذلك انتخاب شخصيات متوازنة ورزينة لرئاسة البلاد فكان انتخاب هاشمي رافسنجاني ثم محمد خاتمي. وبدأت بعض الملامح البسيطة للدولة تتشكل في هذه المرحلة على الرغم من محدودية صلاحيات الرئيس ولم تكتمل هذه المظاهر حتى أتت فترة الرئيس أحمدي نجاد المدعوم على طول الخط بقوة من المرشد الأعلى للثورة ولم يكن رجالات الثورة في العموم راضين عن بعض التحولات البسيطة التي حدثت أثناء فترة رئاسة كل من رافسنجاني وخاتمي.
وقد اتضح أن السلطات الإيرانية العليا تسعى إلى إبقاء جذوة الثورة منذ قيامها فيما يضاد الاتجاه الطبيعي لمسار الثورة المدعوم بطموحات الشعب الإيراني الذي يسعى إلى بناء الدولة. وفي الحقيقة إن تأييد المرشد الأعلى للثورة لأحمدي نجاد لا يمثل الدليل الوحيد على طموح السلطات الإيرانية في البقاء على عنفوان الثورة وطموحاتها، فبقاء مظاهر الثورة واضحة على المسرح السياسي الإيراني على الرغم من مرور 30 عاماً على قيامها تمثل الدليل الأقوى على التمسك بتلابيب الثورة فهناك المواقع والمؤسسات التي تحمل اسم الثورة مثل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بما له من صلاحيات مطلقه والحرس الثوري حامي حمى الثورة وخط الدفاع الأول عن هيكلها ومبادئها. وهذه المؤسسات تؤكد بجلاء نية السلطة في الإبقاء على روح الثورة وعنفوانها وهو الأمر الذي يتناقض تماماً مع الصيرورة الطبيعية للحياة السياسية عقب كل ثورة حدثت في ثنايا التاريخ.
ونتيجة للاختلاف في الأهداف بين السلطة المتمسكة بالثورة وطبيعتها وبين الشعب الذي يطمح إلى الانفتاح في ظل الدولة ومؤسساتها، بدأت المسألة تأخذ مسار الانشقاق الذي أحدث في النهاية الفجوة الكبيرة بين السلطة والشعب، بين السلطة التي تسعى لإبقاء نجاد الثورة وبين الشعب الذي يرنو إلى مير موسوي المنقذ للتطور والانفتاح وترسيخ مفهوم الدولة كما يراه الإيرانيون، وما نتيجة الانتخابات الأخيرة سوى الشرارة التي أبرزت الاتجاهات المتضادة لأهداف السلطة وأهداف الشعب وأزالت الستار عنها.
كثيرة هي المؤسسات الإيرانية التي توحي بوجه جميل للديمقراطية الإيرانية مثل مجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى ولكن الوجه الجميل لهذه المؤسسات يختفي عند التأمل في آليات عمل هذه المجالس وفي طريقة اختيار أعضائها حتى يصل المتابع إلى أنها مؤسسات تدعم روح الثورة بثياب الديمقراطية ولا أدل على ذلك من خضوعها شبه التام لسلطة المرشد الأعلى للثورة وهذه المؤسسات بطبيعتها لا يمكن أن تسعى بأي شكل من الأشكال إلى زراعة الديمقراطية الحقيقية في بنية النظام الإيراني.
صحيح أن السلطات الإيرانية أبدت تماسكاً واضحاً في وجه المظاهرات العارمة التي اجتاحت الشارع الإيراني تأييداً لمير موسوي وضد فوز أحمدي نجاد ولكن مهما يكن الحال فإن ما حدث يشكل انعطافا واضحاً في المسيرة السياسية الإيرانية وينبئ بمستقبل غير مطمئن لإيران وللسلطة الإيرانية ولهذا فإن الزخم الحالي المناهض للسلطة الذي لم يؤثر فيها سيكون تأثيره مدمراً في المستقبل إذا لم يستجب رجال الثورة للتحولات التي أفرزها الزمن على مدى ثلاثة عقود وسيكون بداية لمرحلة قادمة تجد السلطات الإيرانية فيه نفسها غير قادرة على المواجهة إذا لم تتنازل عن مفاهيم الثورة لصالح بناء الدولة فالمرحلة الراهنة التي تواجه السلطات الإيرانية فيها صعوبات كانت قد واجهت الشاه الذي تغاضى حينها عن مطالب الشعب مما أدى إلى انفجار الثورة ضده في النهاية وإزالة حكمه ونظامه بين عشية وضحاها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي