رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أَنْتَ يا مَنْ بَلَغْتَ الستين عاماً .. لَكَ الله !

لا أدري لماذا كل الأنظمة .. تقف موقفاً عدائياً من الموظف الذي يبلغ سن الستين عاماً، بدءاً بأنظمة التأمين ثم أنظمة القروض وأنظمة التقسيط حتى نظام الخدمة المدنية، نعم كل هذه الأنظمة تتخذ موقفاً عدائياً من الموظف الستيني، وفي تقديري فإن الموظف الذي يبلغ الستين ربيعاً.. يحتاج إلى مزيد من رعاية المجتمع، لأن رعاية المواطن إذا كانت مطلوبة حينما يكون على رأس العمل، فهي واجبة بعد أن يحال إلى التقاعد.
ولذلك فإن المواقف العدائية التي تتخذها مجموعة أنظمة القطاعين الخاص والعام إزاء هذا الستيني الإنسان لا تتفق مع أبسط قواعد الشريعة السمحة ولا تتفق مع مبادئ حقوق الإنسان .
إن أنظمة التأمين تقف ممن بلغ الستين عاماً موقف الرفض الكامل، فكل مواطن بلغ الستين عاماً، فإنه يفقد أهم شرط من شروط التوقيع على بوليصة التأمين على الصحة أو التأمين على البيت أو التأمين على الحياة، وعليه أن يلقى مصيره المحزن مع ثلة من الأمراض التي ورثها في فترة قيامه بمهام الوظيفة، كما أن المواطن الذي بلغ الستين، يفقد أهم شرط من شروط اللياقة النظامية المؤدية إلى الحصول على قرض لبناء مسكن أو شراء سيارة أو ثلاجة أو حتى دراجة، وهكذا فإن الإنسان بمجرد بلوغه سن الستين فإنه يُقْصى من المزايا الكريمة للإنسان الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بخدمة أمته ومجتمعه!
أحد الأصدقاء ممن بلغ الستين عاماً جاءني حانقاً وفي يده ''بروشور'' من أحد البنوك، وقال صاحبي كنت في البنك البارحة، فأعطاني الموظف ''بروشور'' لبطاقة جديدة وفرحت بالبروشور وأخذته من الموظف، ثم بدأنا نتحدث عن استحقاقات الحصول على هذه البطاقة، ومن أول وهلة صدمني الموظف قائلاً: إن هذه البطاقة متاحة لكل الفئات العمرية إلاّ مَن بلغ الستين عاماً.
وأصبت بصدمة في الحال، وحاولت أن أسترخي حتى أكون جاهزاً للرد بهدوء، ثم قلت: حتى التخفيضات في الخدمات والمشتريات تُنحي الستيني جانباً، لماذا نغتال إنسانيتنا ووجودنا، ثم رفع صاحبي نبرة صوته المرتعشة وقال كنت أتمنى ألا تأتي هذه ''الستين'' المدمرة إلاّ بعد أن ندفن في جوف الأرض، وختم صديقي حديثه قائلاً: حتى حينما نطلق الشعارات إنما نطلقها وهي فارغة من محتواها وليس فيها فعل يعبر عن الوطن الواحد والعائلة الواحدة والبنك الواحد.
إن هذه القصص التي أصبحت تتزايد مع تزايد قوافل المتقاعدين تحتاج بقوة إلى البحث عن حلول، إن التأمين على الصحة هو أحوج ما يكون للستيني قبل غيره من الذين لا يزالون ينعمون في ربيع أعمارهم، وإن القروض لتأمين السكن هي أجمل هدية يجب أن نقدمها للستيني الذي خدم مجتمعه لنحو أربعين عاماً، وإن البيع بالتقسيط سياسة بيعية يجب أن تقدم مع الشكر الجزيل إلى الستيني قبل أن تقدم إلى العشريني أو الثلاثيني...
وأمام كل هذا العداء المستطير، فإن نظام الخدمة المدنية وقف موقف المتفرج ولم يبن درعاً واقية تحمي ابنها الذي تربى وتربرب في حضنها طوال فترة خدمته، وإنما الوزارة تكتفي بإبلاغه بقرار انتهاء الخدمة، ثم ترسل صورة من القرار إلى المؤسسة العامة للتقاعد للتعامل مع الموظف الذي خرج من ملاكها وأصبح مستحقاً لتسلم حقوقه التقاعدية من المؤسسة وليس من الوزارة، وبهذه النهاية السلبية تنهي وزارة الخدمة علاقتها بابن أعطى للوزارة كل شبابه وصحته.
طبعاً كان المطلوب من الوزارة أن تبقي خيطاً من العلاقات الإنسانية مع أبنائها وتصمم مشروعاً يعبر عن استمرار العلاقة الإنسانية والأخلاقية مع أبنائها، إمّا عن طريق إنشاء الأندية أو تأسيس الجمعيات التعاونية أو وضع تفاهمات مع البنوك وشركات التأمين تضمن - على الأقل - توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمتقاعدين وبالذات الحياة المتعلقة بالسكن والتأمين على الصحة .
هذا عن الموظف الحكومي أو الموظف في القطاع العام، أمّا الموظف المتقاعد في القطاع الخاص، فإنه يقع في دوائر نظامية تغلق عليه جميع منافذ الرحمة والأمل، فهو ممنوع من الاقتراض لإنشاء مسكن أو إقامة مشروع، وممنوع من التأمين الصحي، ثم إنه فوق ذلك لم تشمله المنحة الملكية التي صدرت لتمكين المواطن من مواجهة غلاء المعيشة بواقع 5 في المائة و10 في المائة حتى 15 في المائة على مدى ثلاث سنوات.
إنني أرجو من الأمير سعود بن عبد الله بن ثنيان وزملائه أعضاء جمعية المتقاعدين أن يعملوا ما وسعهم الجهد كي يحافظوا على كرامة الإنسان المتقاعد، وأظنهم مدركين لهذا الواجب المهم، ويجب أن يستثمروا كل الظروف التي تحيط بهم ويرفعوا شعاراً للجمعية يقول: ''لنحافظ على كرامة الإنسان السعودي في الوظيفة وبعد الوظيفة''.
وبهذه المناسبة أذكر أنه في حفل إشهار الجمعية الوطنية للمتقاعدين الذي عقد في العاصمة الرياض تكلم الأمير نايف بن عبد العزيز الرئيس الفخري لجمعية المتقاعدين وقال: يشـرفني في هذه المناسبة التي نشهر فيها إنشاء الجمعية الوطنية للمتقاعدين أن نشير بكل اعتزاز وتقدير إلى التوجيهات السامية التي استمعنا إليها من سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أثناء تشرفي والإخوة رئيس وأعضاء الجمعية خلال لقائنا بمقامه الكريم والتي ركز فيها بسداد رأيه وصائب حكمته على الأبعاد الأساسية لكل عمل وطني مخلص وهي الدين ثم الوطن والعمل والصبر، وإن كانت هذه الكلمات قليلة في عددها، فإنها كبيرة في معانيها حيث تلخص بكل وضوح استراتيجية عمل مخلص سديد لقائد وطني رشيد، ونحن بدورنا نناشد أهل النخوة من رجال المال والأعمال الوطنيين بأن يهبوا لمد يد العون والمساعدة لهذه الجمعية التي ستحتضن إخوانهم وأخواتهم من المتقاعدين والمتقاعدات الذين قدموا الغالي والنفيس في خدمة الوطن والمواطن.
إن للأمير نايف رؤية ترى ملامحها الخيرة واضحة حينما تقترب منه، فحينما تقترب منه تنتعش فيك روح التفاؤل وتشعر بأن نظراته تطل على حقول خضراء مترامية الأطراف، وآماله في الشعب السعودي تتســع حتى تغطي الوطن وأهله كله .
ومن منظور إسلامي بين القرآن الكريم مراحل حياة الفرد، وجعل الشيخوخة هي المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان الدنيوية, وقال تعالى: ''هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون''، وورد في السنة النبوية الشريفة عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - عمر أمتي من ستين إلى سبعين سنة.
ويجب أن نعترف بأننا - كمجتمع سعودي - لم نكافئ الموظف المُحال إلى التقاعد بما يستحقه من تقدير وتكريم نظير ما قدمه للمجتمع من تضحيات وخدمات طوال فترة الخدمة التي كان يقوم بها، بل بالعكس عاملنا الإنسان المتقاعد بالنكران والجحود وقفلنا أمامه أبواب الحياة الرغيدة والكريمة، وأعتقد أننا لا نبالغ إذا قلنا إن الموظف في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص دفع حياته وشبابه ثمناً لوظيفته، وطبعاً جنى فوائد هذه الخدمة من الرواتب المستحقة التي كان يقبضها مع مطلع هلال كل شهر، ولكن لا ننسى أن الموظف أفنى ربيع عمره فداء لوظيفته، ولذلك حينما يحين وقت الاستراحة، فإننا يجب ألا نحرمه من الراحة ونيسر أمامه سبل الحصول على أبسط الاحتياجات الضرورية للحياة الكريمة وهما السكن الدافئ والعلاج الذي يحتاج إليه بعد أن تخطى سن العمل وبدأ سن التقاعد والمعاناة الصحية. وما كان يجب أن نفعله إزاء الموظف المتقاعد هو أن نعتبره الأجدر بتقديم التسهيلات التي تتناسب مع ظروف تقاعده وتأخذ بيديه إلى حياة رخية وكريمة يهنأ بها بقية عمره، أمّا أن نعرضه لحياة تعيسة وقاسية بعد أن قدم لنا زهرة شبابه، فهذا منطق لا يتناسب مع شريعتنا الغراء وترفضه أبسط قواعد حقوق الإنسان.
البعض يقول إن قوانين القروض والتأمين التي تطبقها البنوك وشركات التأمين في المملكة هي القوانين السائدة في كل أنحاء العالم، وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نتمنى أن نكون حريصين على تطبيق قوانين تتعارض مع نظامنا الإسلامي الخالد، ولا تراعي أبسط قوانين حقوق الإنسان وتتنكر لموظف أفنى زهرة شبابه في أدائه لعمله أيام الصحة والنضارة والعز، وما نعرفه يقيناً أن الغرب يميز الموظف المتقاعد بالكثير من المزايا والعطايا ولا يتركه يغرد وحيداً في العوز والفاقة والحرمان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي