إنفلونزا الخنازير ومخازن وزارة الصحة
في آخر ظهور إعلامي له أكد وزير الصحة أن الوزارة تعمل على مكافحة إنفلونزا الخنازير بحجز أربعة ملايين جرعة من اللقاح. بالتأكيد، مثل هذا التصريح سيقلل من مخاوف المجتمع نتيجة انتشار هذا المرض، لكنني أعتقد أنه ما زالت بداخلنا مخاوف حول قدرة الوزارة على توفير هذا اللقاح في الوقت والمكان المناسبين للمريض. هذه المخاوف ليس لها علاقة بالتعاقدات أو بالتزام الشركات، لكنها مرتبطة بمستويات الرقابة الداخلية داخل مخازن وزارة الصحة وبقدرتها على توفير العلاج للمستشفيات وقدرة الصيدليات داخل المستشفيات كذلك في الحفاظ على العلاج وإيصاله إلى المريض المحتاج له. مخاوفي هذه ـ وإن عممتها ـ لها ما يبررها في تواضع مستويات الرقابة الداخلية في وزارة الصحة والإشراف على مستودعاتها وصيدلياتها. (مشكلة هائلة جدا وبسببها - من وجهة نظري أيضا ـ تتحمل هذه الوزارة أكثر من غيرها عبء إعادة التشكيل الوزاري). ليست المشكلة محصورة في علاج إنفلونزا الخنازير، بل تتعدها إلى معظم العبوات العلاجية المهمة وغير المهمة حتى إلى أجهزة طبية ضرورية جدا. الملاحظات على مستودعات وزارة الصحة ليست بحاجة إلى دارسة حالة أو بحث منهجي علمي، فهي تخضع ببساطة إلى نظام رقابة داخلية هش ويمكن لأي موظف مستودع إخراج العبوات التي يريد وينقل المواد دون مساءلة جادة. إنها تخضع للنظام الحكومي الذي لا يفرق بين مستودعات وزارة الزراعة وهيئة الأمر بالمعروف ومستودعات وزارة الصحة. في هذا أتذكر قصة (بل قصص) لأحد الأصدقاء يبحث عن عبوة حليب أطفال جاهزة في مستشفى حكومي للولادة، نظرا لعدم قدرة زوجته على إرضاع الطفل، لقد بحث عنها في كل مكان في المستشفى، في الحضانة وفي الصيدلية والمستودع، لكنه لم يجد شيئا والجميع يؤكد عدم توافرها. ذهب لشرائها من صيدلية خارجية ليجد إحدى الممرضات وقد "حَنْت" على زوجته وطفله "ووهبت" لهم إحدى العبوات مقابل التزام الصمت. أتذكر وهو يروي هذه القصة صديق آخر قال إنه حصل على أكثر من "كرتون" لهذا الحليب من المستودع الرئيس "مُنِحت له"، ونظرا لأنه خشي أن تنتهي صلاحيتها اضطر إلى توزيعها على الجيران. وأتذكر قبل سنوات أن إحدى الشركات العالمية رفعت شكوى ضد شركة أدوية سعودية لتمريرها علاجا خارج الحدود المتفق عليها، وبتتبع الأمر تبين أن هذه العبوات قد سلمت لوزارة الصحة وتم توزيعها من هناك.
وإذا أضفت إلى كل ذلك إجراءات صرف الدواء من صيدليات المستشفيات، فإن الحالة تصبح مأساوية ولا حاجة إلى دليل على سوء إجراءات الصرف وسهولة إخفاء وضياع مواد صيدلانية بأسعار باهظة جدا. وسأحكي في ذلك تجربة خاصة لي، فعند مراجعة صيدلية مستشفى لصرف علاج للقلب غالي الثمن ضمن وصفة طويلة من الأدوية، صرف لي المختص (الصيدلي الخبير) العلاجات رخيصة الثمن والمتوافرة بكثافة في الصيدليات الخارجية ولما سألت عن الأهم أجاب بعدم توافره، رغم ثقة الطبيب عند الصرف. ثم وبأسلوب غير مبال أخرج ورقه هامشية من جيبه بيضاء لا يوجد بها إشارة أو دليل على المستشفى أو الشخص أو التاريخ وكتب العلاج لأقوم بشرائه من الخارج. في زيارة أخرى عدت لصرف الدواء نفسه، ولكن هذه المرة عن طريق الاتصال بصديق لأجد كامل العبوات متوافرة. رقابيا ما الذي حدث، لا يوجد إشراف على عمليات الصرف، رفض الصرف مع أخذ الدليل الموثوق عليه (وصفة الطبيب)، إعادة وصف الدواء بطريقة غير مهنية. أعلم أن هذا ليس مقام استعراض ذاكرتي، لكن هذه قصص حقيقية ومن يستطيع إخراج عبوات حليب أو منعها بهذه الطريقة من سيمنعه من ممارسة الأسلوب نفسه في منع وإخراج جرعات لقاح إنفلونزا الخنازير، خاصة إذا انتشر الذعر؟
الرقابة الداخلية هي تلك الطرق والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق تأكيد معقول للإدارة (أي مقامك يا معالي الوزير) عن (1) حماية الأصول من الاختلاس والضياع والإتلاف والأخطاء واكتشاف ذلك ودقة السجلات من أجل ذلك. (2) عن فاعلية وكفاءة استخدام الموارد بالشكل والوقت الملائمين. (3) عن التقيد بالأنظمة لتحقيق الأهداف العامة للمنشأة. إنه نظام متكامل يقدم معلوماته إلى الإدارة (وأعلى سلطة على وجه الخصوص) كي تقوم بأهم وظائفها وهي الوظيفة الرقابية. إن إهمال هذه الوظيفة أو حتى أخذها بتساهل سيفشل (بلا أدنى شك) كل جهود التخطيط ولا يمكن أبدا من إتمام مهمة التوجيه. إنها أركان الإدارة وقواعدها الكبرى التي تعلمناها وتتعلمها الأجيال منذ أن نضع أولى خطواتنا في عالم التنظيمات والأعمال وأي خلل في هذه الأركان لن يضعف المنشأة فحسب، بل سيدمر منجزاتها لتبقى مجرد فقاعات إعلامية.
الاستراتيجية سيف صارم للتقدم والنمو لا شك في ذلك، ودون التخطيط الاستراتيجي والعمل المهني المحترف, فإن المنظمة ستخسر معاركها واحدة تلو أخرى، فكيف تحاب من دون هدف ولا سيف، لكن السيف الذي يضمن التقدم يحتاج إلى درع يضمن البقاء. نظام الرقابة الداخلية في الوزارة أو المنظمة يشبه الدرع الواقية ومواجهة العمل أو الصراع مع العواصف الإدارية يبدو مستحيلا من غير هذه الدرع الضامنة، فإذا أراد القائد النجاح في معاركه الإدارية ومشكلاته الفنية لا بد له من لبس درع واقية من الرقابة الداخلية التي تمده بتقارير دورية عن ضمان وفاعلية وكفاءة استخدام الموارد (المحدودة دائما) والمتاحة له.
كفاءة نظام الرقابة الداخلية وتعقيده تختلف باختلاف الوزارة, وهنا أحد أخطر الفروض القائمة في العمل الحكومي بشكل عام والسعودي بشكل خاص. إنه يعامل الوزارات في جانب النظام الرقابي بلائحة موحدة، فهناك لائحة موحدة للمشتريات ولائحة مالية ولائحة موحدة للمستودعات. حتى ديوان المراقبة العامة يعامل وزارة العمل كما يعامل وزارة الصحة، وفي هذا خلط واضح وخطأ رقابي جلي. فالرقابة تتعامل مع مخاطر جزء منها طبيعية ملازمة للعملية ونوع المواد والأصول، فمخاطر اختلاس مواد من مستودعات وزارة الصحة غير مخاطر اختلاس مواد من وزارة الأشغال، فالمخاطر الطبيعية تتعلق بالمواد نفسها وأهميتها ونوعيتها وبالسهولة في الإخفاء والنقل والتخزين وكذلك القيمة. عبوة واحدة في مخازن وزارة الصحة قد تعادل في قيمتها آلاف العبوات في مخازن وزارة العمل، وبينما يمكن إخفاء وإخراج الأولى قد يستحيل تنفيذ المهمة نفسها في الثانية. من المنطقي بعد هذا أن تختلف الإجراءات وتتعدد في وزارة الصحة مقارنة بغيرها، ومع ذلك فلم أسمع أو أقرأ أن وزارة الصحة تطبق إجراءات وقائية أكثر صرامة أو أنها استشارت في ذلك جهات خبيرة متخصصة في نظم الرقابة الداخلية، فباعتقادي أن التقارير الرقابية التي يحتاج إليها وزير الصحة أكثر دقة وتفصيلا وفنية من غيرها من الوزارات. ماذا لو طورت الإجراءات الرقابية في الصرف من الصيدليات، بحيث نضمن تغذية راجعة للطبيب، ونضمن عدم صرف الدواء الذي رفض (كان يتم شطبه بلون أحمر) ومن ثم إصدار وصفة خاصة للشراء من الخارج، بحيث تتم المقارنة بين الوصفات بشكل يومي ورفع تقارير بذلك. الإجراءات كثيرة، ولكنها تحتاج إلى رغبة حقيقية للتغيير ووقوف على المشكلة ومن ثم تطوير الحلول الناجحة.