العوائق المحلية في وجه الأعمال الصغيرة
2 ـ الأنظمة والممارسات المحلية
تواجه المؤسسات أو الأعمال الصغيرة العديد من التحديات وقد تم التطرق في المقالة السابقة إلى الارتفاعات الحادة والمفاجئة في الإيجارات كإحدى أبرز المعضلات التي تقف في وجه الأعمال الصغيرة. ولا يفوق هذا التحدي إلا العوائق الناجمة عن سوء تطبيق أو استغلال الأنظمة البلدية أو الممارسات المحلية الأخرى، التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى خسائر فادحة أو تعطيل أنشطة الأعمال, والصغيرة على وجه الخصوص. وتعاني الأعمال الصغيرة بدرجة أكبر من العراقيل التي تنتج عن سوء تنفيذ الأنظمة البلدية أو الوطنية وذلك بسبب قصور إمكاناتها وقدراتها عن التصدي لهذه العقبات. ولا يحظى ملاك الأعمال الصغيرة وكثير من المتوسطة وخصوصاً المبتدئين بما يحظى به ملاك الأعمال الكبيرة عادةً من الصلات والواسطات مع مسؤولي الإدارات المحلية والوطنية.
وتشير تجارب الأعمال إلى وجود تفاوت في العقبات الإدارية حسب الموقع الجغرافي سواءً بين المدن المختلفة أو حتى في داخل المدينة الواحدة. ويعود كثير من العقبات الإدارية والتنظيمية إلى الاختلاف في تفسير الأنظمة وإلى انخفاض كفاءة الإدارات المحلية أو بروز إمكانية استغلال النفوذ والفساد التي قد تكتسب طابعاً محلياً. ولهذا ينبغي على المدن والأحياء التي ترغب في تشجيع الاستثمار في حيزها الجغرافي معالجة العقبات التنظيمية العائدة في الدرجة الأولى لأسباب محلية. ولا تقتصر العقبات الإدارية على البلديات بل قد تواجه الأعمال الصغيرة والكبيرة مصاعب من سوء تفسير بعض فروع الإدارات الوطنية للأنظمة، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكرته صحيفة ''الاقتصادية'' أن القائمين على الجمعية الاستهلاكية في المدينة المنورة حصلوا على أحد التراخيص من أحد الأجهزة الوطنية في الرياض خلال يوم واحد بينما أمضوا أربعة أشهر في الحصول على الترخيص نفسه من الإدارة ذات العلاقة في المدينة المنورة. وهذا المثل يبرز أهمية ودور الموقع الجغرافي في مسيرة الأعمال الصغيرة والكبيرة وحياة الأفراد والأسر. وتعاني المؤسسات الصغيرة بدرجة أكثر من غيرها، بسبب ارتباطها بشكل أكبر بالأنظمة المحلية وانخفاض قدراتها على توظيف المختصين والمحامين والمعقبين للحصول على الموافقات.
وقد يرجع اختلاف فروع الجهاز الحكومي الواحد في سرعة تنفيذ وتفسير الأنظمة التي تحكم وتؤثر في الأعمال إلى قصور في صياغة الأنظمة واللوائح التنفيذية وقصور المطبقين لهذه الأنظمة في سرعة تطبيقها وفهمها. وترتفع عوائق الأنظمة في وجه الأعمال أيضا لانخفاض مستويات الشفافية في الأنظمة واللوائح التنفيذية بشكل عام والمحلية والبلدية بشكل خاص، وانخفاض فاعلية أنظمة حوكمة المسؤولين عن تنفيذ الأنظمة. فقد جرت العادة في حالة التظلم وطلباً للإنصاف من أي ممارسة رفع شكوى للإدارة المسؤولة عن الممارسة نفسها. وأعتقد أن هذا الأسلوب أعوج، فكيف ينصف مرتكب الخطأ غريمه، ولهذا ينبغي أن تتمتع الجهات المنصفة للمواطن باستقلالية عن الجهات المرتكبة للأخطاء، كما ينبغي أن تتصف هذه الجهات بالخبرة القانونية والقدرة على تنفيذ قراراتها. وترتفع الحاجة أيضاً إلى تكوين نظام وآلية لحوكمة المسؤولين عن التقصير سواءً العائد لسوء استغلال السلطات أو التقصير في أداء الواجبات من خلال أجهزة أو محاكم مستقلة مختصة بالأنظمة الحكومية الوطنية والمحلية.
وهناك عديد من القصص والروايات التي تبرز عرقلة مطبقي الأنظمة البلدية لأنشطة الأعمال أو المؤسسات الصغيرة. وقد ذكر لي أحد أصحاب المشاريع الصغيرة أنه حاول افتتاح مركز لصيانة السيارات في أحد أحياء مدينة الرياض. وقبل الشروع في تجهيز وإعداد الموقع الذي سيقام عليه المركز، راجع البلدية الفرعية التي أرسلت مندوباً لمعاينة الموقع وتحديد الشروط المطلوب توافرها فيه. وحصل صاحب المشروع على موافقة مبدئية وسلسلة من الشروط الواجب توافرها لممارسة النشاط. ونفذ صاحب المشروع جميع الشروط التي ذكرها مندوب البلدية. وأنفق على تجهيز واستئجار مكان النشاط أكثر من 120 ألف ريال. وتوجه بعد ذلك إلى البلدية للحصول على الموافقة النهائية لبدء نشاطه. وخرج معه مندوب آخر لمعاينة مكان النشاط والتأكد من تنفيذ متطلبات ترخيص مزاولة النشاط. وفوجئ صاحب النشاط بشرط لم يذكر في معاينة البلدية المبدئي الذي على وقع على مسمعه كالصاعقة. فكل شروط مزاولة النشاط متوافرة في الموقع إلا أن مساحة المكان المؤهل والجاهز لمزاولة النشاط تقل عن المساحة المطلوبة لإقامة مركز صيانة سيارات (مساحة المكان 1200 متر مربع والمطلوب 1700 متر مربع). ووقع صاحب المشروع في حيرة من أمره, فعليه إما تغيير النشاط وإما تغيير الموقع. ونظراً لتحمله كثيرا من النفقات لتجهيز الموقع وارتباطه بعقد إيجار لعدة سنوات صعب عليه تغيير الموقع، واضطر إلى تغيير نشاط المشروع من مركز صيانة إلى مركز للتلميع. وتنخفض عوائد التلميع في هذا الموقع ولكن كان عليه القبول بالأمر الواقع لخفض خسائره, ولعل وعسى أن تتغير الظروف. ومع مرور الوقت أدرك أن استثماره خاسر والسبب هو انخفاض مستويات الشفافية وتقصير مندوب البلدية في تأدية عمله وإطلاعه على جميع الشروط المطلوبة التي لا يجري تطبيقها على الجميع. فقد فوجئ مرةً أخرى وبعد فترة وجيزة من بداية نشاطه الجديد بافتتاح مركز صيانة للسيارات مجاور له تقل مساحته عن مساحةً مشروعه. فما كان منه إلا أن راجع البلدية لمحاولة الحصول على ترخيص لمزاولة نشاطه السابق ولكن دون جدوى. وبعد فترة قصيرة اضطر إلى تحمل الخسارة والخروج من السوق.
وفي الختام هناك تساؤل كبير عن إنجازات المجالس البلدية وخصوصاً في مجالات تطبيق ومراجعة الأنظمة المحلية والمعضلات والمشكلات التي تواجه المواطنين من جراء تطبيق هذه الأنظمة. وعلى هذه المجالس إبراز دورها في مراجعة تلك الأنظمة لتسهيل حياة المواطنين وممارسة أنشطتهم وإدارة أعمالهم، مع عدم التضحية بالسلامة العامة والمعايير الجيدة لأداء الأعمال.