تغيرات المناخ الحضاري تشغل المثقفين وتهدّد بزعزعة الثوابت التاريخية
تجاوزت التغيرات التي جاءت بها مستجدات المرحلة الزمنية الراهنة مجرد تقديم تصورات جديدة لكل شيء، إلى فرض واقع جديد حتى على النظرة الثقافية التاريخية لكثير من الأشياء، فالعولمة التي قدمت نمطاً مختلفاً في أسلوبه المعرفي نجحت في اللحظة ذاتها في تغيير معادلة المثقفين النخبويين بحيث أشاعت المعلومة ومنحت الصوت للجميع. العولمة نفسها التي نهضت بأساليب التعليم، على سبيل المثال، جعلت الموقف يختلف كلياً عما كان عليه قبل عقود قليلة فقط على مستوى المنهجية والمخرجات والقيم. والفكرة نفسها التي نستطيع قراءتها ثقافياً في فرضية كسر الاحتكار النخبوي بوصفه سلطة أبوية، يمكننا أن نطبقها كذلك تعليمياً بالنظر إلى التغيير التدريجي الذي طال دور المعلم التقليدي مع اختلاف الأدوات والوسائط ومصادر العلم، وهو ما أدى لاحقا إلى زعزعة النظرة الذهنية للمعلم التي بقيت تحظى بتبجيل واضح في أدبيات الثقافة العربية.
دور العولمة في كسر السلطات بات يشغل الوسط الثقافي الذي تبنى غير مرة اتجاها احترازيا تجاه التهديد القيمي للعولمة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن لأي منطق ثقافي أن يتبنى انعزالا تاما عن هذا المستجد الحضاري، وبالتالي فهو مطالب بأن يواجه بأقل عدد ممكن من الخسائر.
#2#
ولأن التربية تمثل مرتكزا ثقافيا وعملا بالغ الأهمية، خصوصا حين يتم ربطه بالمناخ الاجتماعي والمدني، فالوقوف على أهمية هذا المنطلق يبدو أمرا واقعياً بالنظر إلى كتاب ''مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة'' لمؤلفه الدكتور زياد بن عبد الله الدريس، التربوي والكاتب المعروف والمندوب الدائم للمملكة لدى اليونيسكو في باريس. علم اجتماع الثقافة هو المكون الرئيس لهذا البحث حيث ينطلق المؤلف من قناعته بأنه يتعذر على أي دارس للعولمة أن يقيم صلب دراسته دون استخدام سوسيولوجيا الثقافة كأداة أساسية لتفكيك ظواهر العولمة.
الكتاب الذي جاء في نحو 221 صفحة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، جاء في جزءين رئيسيين الأول عن التاثيرات السوسيوثقافية والتربوية للعولمة وتأثيراتها على الهوية العربية والإسلامية وتحديدا في المخزون التربوي والتعليمي.. أما الجزء الثاني فيتناول بصورة أكثر تحديدا مكانة المعلم في عصر العولمة كأنموذج جلي لتأثيرات العولمة على مكانة السلطات الأبوية حيث تتم مقاربة سوسيولوجية لمفاهيم المكانة والهيبة والرضا، مرجوعا دوما إلى دلالة النسبية الثقافية المؤطرة لكافة أشكال التحليل الثقافي للظواهر الاجتماعية.
وأكد الدريس أنه تعمد في كتابه أن يلعب دور المتحيز ضد العولمة والتعليم وليس المتحيز معهما، رغبة في إثارة الأسئلة وترك النقاشات مفتوحة دائما.
في القسم الأول الذي جاء تحت عنوان ''العولمة.. التأثيرات السوسيوتربوية''وعلى منهجية موضوعية متصاعدة، وضع المؤلف مفهوم العولمة تحت طائلة التحليل بدءا من تعريفاتها ونشأتها مع تناول علاقتها بالأيديولوجيا والديمقراطية ودورها في تكوين الإنسان الجديد، ليتجه في الفصل الثالث إلى قراءة آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فيما يأخذ الفصل الرابع شكلا ثقافيا أكثر وضوحا وهو يناقش تأثيرات العولمة على الهوية ودورها في إرباك التنوع الثقافي الطبيعي وتحييد القيمة الإنسانية لصالح الثقافة الاستهلاكية، ويخلص المؤلف في هذا المبحث إلى المطالبة بموقف وسطي متوازن لا ينفتح تماما فيفقد شخصيته ويذوب ولا ينعزل فيفتقر للتعددية والتنوع.
ونحو اتضاح الطابع التربوي الذي يتبناه الكتاب في قراءة تأثيرات العولمة، يتجه الفصل السابع إلى دراسة علاقة العولمة بالتعليم ، وبعد جولة تاريخية في الفكر التربوي المؤثر والمتأثر عبر العصور الحضارية المختلفة، يعرض المؤلف الدريس رؤى تؤكد أن أهمية العمق التعليمي كانت محل استهداف مباشر من مؤسسات العولمة التي عملت على خلخلة القيم الروحية والإنسانية في مقابل تعزيز المفاهيم البراغماتية المادية بالتوازي مع تحييد المعنى الفلسفي للتربية لصالح المعنى الاقتصادي للتعليم. ليخلص إلى ما وصفه بالتهديد العولمي الصريح للتربية المتمثل في جوانب عدة، منها نزعة التسويق التربوي وعدم احترام التنوع الثقافي واللغوي وتحقيق مصالح شخصية تحت مسميات إصلاحية على غير مسمى، ويعرج المؤلف في الفصل نفسه على تلاشي المفهوم التقليدي للمعلم مع ظهور الوسائط التعليمية الجديدة وهو ما سيجعل دوره توجيهيا ومعرفيا أكثر منه تلقينيا، الأمر الذي سيتطلب من معلم المستقبل أن يتمتع بأسلوب عصري وبشخصية مؤثرة وخلاقة وأن يمتلك خلفية ثقافية واتصالية فاعلة ليكون قادرا على إيجاد نفسه ضمن المنظومة التعليمية ''المعولمة'' وهو التحدي الذي يواجهه.
يتجه المؤلف في الفصل الأخير لاستعراض مواقف مختلفة من العولمة طارحا في هذا الإطار شعار''فكر عالمياً واعمل محلياً'' الذي رفعه الذين أدركوا تحديات العولمة وتيقنوا من ضرورة التفاعل معها، ويضيف''لن تتمكن المؤسسات الثقافية من تحقيق التوازن الاجتماعي والأخلاقي بين أفراد المجتمع وقيم العولمة الوافدة ما لم يواكب ذلك تحرك تربوي يكرس التعاليم الثقافية والاجتماعية الخاصة وينشر في الوقت ذاته تعاليم التعامل مع العولمة والإفادة من معطياتها الإيجابية وتوظيفها بما يخدم المجتمع''.
وقد لفت مؤلف الكتاب في هذا المبحث منه إلى مراجعة فلسفة التربية في العالم العربي واحتمال أن يستدعي التطوير المنشود باتجاه تعليم عصري وضع فلسفة تربوية جديدة تواكب روح العصر وشروطها واحتياجاتها بحيث تكون قادرة على إجابة أسئلة معرفية وأيديولوجية ولوجستية يفرضها سياق العولمة.
القسم الثاني للكتاب جاء معنوناً بـ''مكانة المعلم في عصر العولمة'' منطلقا من مبدأ أن المعلم هو الوجه الآخر للعملية التربوية الذي يتأثر بالقدر نفسه بما تتأثر به، وفي هذا القسم الذي جاء في أربعة فصول هي ''تعظيم وتحقير المعلم''، ''المكانة''، ''النسبية الثقافية''، ''الرضا المهني''، يتنقل المؤلف بين مواقف تاريخية متنوعة زمانيا ومكانياً تشرح جميعها مفهوم المعلم وقيمة مهنته عبر عصور ثقافية وحضارية عدة في التراث الإنساني، وإن كانت الصورة الذهنية الماثلة دائما تتجه لتعظيم المعلم و''أسطرة''دوره وحقوقه، فقد عرض الباحث كذلك نماذج أدبية تسخر منه وتزدري عمله وكان أبرزها الجاحظ والروائيون الروسيون المعروفون تشيكوف وجوجول!
سخرية أخرى قد لا تتبادر لذهن الجميع حين تقارن تناقض الموقف السابق بما يحدث كذلك في ثنائية المادي والمعنوي حيث يتعلق الأمر بالمعلم من حيث ما يفترض له تحقيقه بالنسبة لما يعطيه وبين ما يحصل عليه في الواقع، حين استعرض المؤلف بشيء من التفصيل ظروف المعلمين وضغوطهم المهنية وتحدياتهم المعيشية فضلا عما يمكن وصفه بالتحديات الحضارية التي سبق وأشرنا لها في هذه القراءة، فعصر العولمة - كما يوضح الكتاب - لم يكتف بتغيير قواعد المعادلة المعرفية بشكل يحيد دور المعلم فيها، بل فرض وقائع سياسية واقتصادية واجتماعية أثرت بشكل مباشر في ممارسة هذه المهنة ودرجة الرضا المادي بها أو الاقتناع بجدواها المعنوية خصوصا لو أعدنا تخيل مشهد الاستلاب العولمي الذي يتهدد قيم التعليم والثقافة والهوية.