انتبه الإشارة الضوئية صفراء
«هل التاريخ يعلمنا أي شيء عن المستقبل؟ الاعتماد على المدى البعيد في قرارات الاستثمار يعتمد في الأساس على الخطوط البيانية. ولكن ما مدى الطمأنينة حول هذه، فالخطوط البيانية تنتهي أحيانا وتنكسر أحيانا أخرى، بل إنه ليس لدينا فكرة متى تبدأ أو تنتهي، أو فيما إن كانت هذه الاتجاهات لا تزال موجودة»..
بيتر برنستين – مستشار اقتصادي (2009)
تحدث برنستين عن مخاطر السوق عموما، وهذا ما يسميه الماليون المخاطر العامة Systemic، بينما هناك مخاطر مفردة Unsystemic تخص كل شركة. أظهرت الأزمة المالية أهمية المخاطر العامة إلى الواجهة وبقوة مرة أخرى. في الأسابيع القليلة الماضية تحسنت الأسواق العالمية ومنها أسواق المملكة، ولكن يجب الحذر والتنبه إلى احتمال خدعة سوقية تتمثل في تجربة الكساد العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي. فقد شهدت الأسواق تحسنا وقتيا بعد النزول المؤثر عام 1929 ثم تلا ذلك نزول موجع وطويل.
في العشرين سنة الماضية شهدنا أزمة في المكسيك وفي اليابان وآسيا وروسيا وأمريكا قبل هذه الأزمة. دعنا نراجع بعض نواحي المخاطر المهمة تباعا. فتقدر خسائر المصارف عالميا بنحو 4.1 تريليون دولار طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، تم شطب نحو نصفها فقط، فالزيادة في رساميل المصارف عالميا تبلغ نحو تريليون دولار. بل إن غالبية هذه الخسائر المصرفية تركزت على الجانب العقاري السكني والمشتقات ذات العلاقة، بينما تلوح في الأفق خسائر في العقار التجاري وبطاقات الائتمان وبعض القروض الصناعية والتجارية. محليا، هناك تجربة شركات العقار في دبي والاستثمار في الكويت وتجربة مجموعة «سعد» والارتباط بمجموعة القصيبي ومجموعة مصرفية في البحرين في وسط تلك الأزمة لدليل على ترابط تلك المخاطر وازدياد أهمية المخاطر العامة على النظام المالي.
المخاطر العامة الأخرى تأتي من خلال ارتفاع كمية المعروض من الدولار، فقد طبعت أمريكا دولارين لكل دولار في النظام المالي قبل الأزمة، وكما يعرف فالنقود مثل أي شيء آخر تكاثرها يقلل قيمتها. الناحية الأخرى ذات العلاقة هي رغبة الإدارة الأمريكية في تنفيذ برامج طموحة في ظل عدم توافر المال إلا من خلال الاقتراض وطبع النقود، وهذه تحمل مخاطر تضخمية كبيرة في المدى المنظور، ولعل ارتفاع الفوائد على سندات الحكومة الأمريكية لنذير. تقوم السيولة المصطنعة بالتحفيز واستغلال القدرة الاستيعابية قبل أن تتحول إلى حالة تضخمية ولكن يصعب التنبؤ بتوقيتها أو حدتها. المخاطرة الثالثة تأتي في التوجه الحثيث والبطيء نحو السياسات الحمائية، فهذه تحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي، وخاصة الدول الأكثر اعتمادا على التجارة العالمية، فمثلا تعتمد اليابان وألمانيا على نحو 46 في المائة من حجم اقتصادياتها على التجارة العالمية، بينما تعتمد أمريكا على 11 في المائة، وتعتمد تايلاند على أكثر من 70 في المائة. اختلال المنظومة التجارية له تبعات اقتصادية وسياسية وأمنية. وفي ثنايا هذه المخاطرة تقع المخاطرة السياسية، وهذه أصعب من أن تقاس. المخاطرة الجديدة نستطيع أن نسميها مخاطرة الترابط ذات العلاقة بالمخاطر الموضوعية السابقة. في ظل هذا الوسط على المستثمر الحرص وعدم الاندفاع والاستثمار التدريجي واحترام أهمية السيولة. فالسيولة العالية قد تكون مكلفة نظرا لانخفاض العائد على الأصول السائلة، ولكن احتمال التصحيح بسبب عدم وضوح المستقبل تجعل من السيولة ذات قيمة عالية، ولكن يقابل ذلك احتمال الركود الطويل الذي يهدد عوائد الأصول أو التضخم والذي يتطلب استثمارا في الأصول من أسهم أو عقار أو ذهب للمحافظة على قيمة النقود. الحل المؤقت هو الحفاظ على درجة عالية من السيولة ومتابعة المخاطر والتفكير الموضوعي المجرد والابتعاد عن الاندفاع عاطفيا.